عند تأسيس الإمام البنا- رحمه الله- لجماعة الإخوان المسلمين عام 1928م كان واقع المرأة المسلمة يشهد تراجعًا ملحوظًا في ظل حياة الجهل والاستبداد من جهة، وبين دعوات تغريب المجتمع، ومحاولة القضاء على كل مظهر من مظاهر الحياة الإسلامية، واقتلاع قيمه من عقول أبنائه من جهةٍ أخرى.
فقد توارت شمس الحضارة الإسلامية، وتم القضاء على دولة الخلافة الإسلامية عام 1924م بعد أن ظلت رمزًا لوحدة المسلمين عبر قرونٍ طويلة، وقوة يهابها أعداؤها حتى وصلت في عهدها الأخير إلى حالةٍ من الترهل والشيخوخة، مما أغرى أعداؤها على النيل منها، واحتلالها ثم تقسيمها إلى دويلات صغيرة حتى لا تقوم لها قائمة مرة أخرى.
يقول المستشرق "جيب":
"المقصود من الجهود المبذولة لحمل العالم الإسلامي على الحضارة الغربية هو عدم وحدة الحضارة الإسلامية التي تقوم عليها وحدة المسلمين؛ لأن كل قطر سيتجه إلى اقتباس ما يلائم ظروفه من هذه الحضارة، وعند ذلك تتعدد أساليب الاقتباس بتعدد البيئات الإسلامية المختلفة، فتفقد الحضارة الإسلامية طابعها الموحد، بل لا يعود هناك شيء اسمه الحضارة الإسلامية؛ ثم يتساءل: المهم هل ستكون هناك ميول مشتركة بين الشعوب الإسلامية؟ وهل سيقوم إحساس بوحدة العمل ووحدة الهدف؟ أم أن الآراء الجديدة وحاجات الحياة الجديدة ستنجح آخر الأمر في تشتيت المجتمع الإسلامي وتحطيم وحدته.
من هنا نعرف لماذا قامت جماعة الإخوان المسلمين؟ ولماذا كانت دعوة الإمام البنا إلى الوحدة الإسلامية، ومقاومة الاحتلال من أهم أسباب قيام جماعة الإخوان المسلمين، كامتداد لحركة الإصلاح الإسلامي التي نادى بها جمال الدين الأفغاني، والإمام محمد عبده، والشيخ رشيد رضا وغيرهم من زعماء البعث الإسلامي، مع تميز منهج الإمام البنا بشموله وعالميته، وبالتطبيق العملي لما يؤمن به في المجتمع وما يؤمن به هو الإسلام وقيمه ومبادئه.
فقد استفاد من تجارب من سبقوه من هولاء الزعماء، وجمع صفوة ما وصلوا إليه في منهج واحد (فالأفغاني كان يرى الإصلاح عن طريق الحكم، ويراه محمد عبده عن طريق التربية، وقد استطاع البنا أن يدمج بين الوسيلتين معًا، وأن يأخذ بهما، كما أنه وصل إلى ما لم يصلا إليه، وجمع صفوة المثقفين من الطبقات والثقافات المختلفة، إلى توجه موحد، وهدف محدد".
لم يكن أيضًا تفكيك الوحدة الإسلامية هو الهدف الوحيد من تغريب المجتمعات التي تدين بالإسلام، ولكن كراهية الحضارة الإسلامية، واعتبارها أهم عائق من عوائق الاستسلام لهيمنة القوى الاستعمارية، وكنتيجة للاختلاف الأيديولوجي بين الحضارتين، وقد صرَّح بهذه الكراهية العديد من مفكري الغرب وزعمائهم، ومنهم اللورد كرومر- المندوب السامي البريطاني- لمصر خلال فترة الاحتلال البريطاني مطلع القرن العشرين؛ حيث قال:
إن الإسلام بطبيعة تعاليمه عدو للحضارة الأوروبية، وأن المسلم غير المتخلق بأخلاق الأوروبيين لا يقوى على حكم مصر؛ لذلك سيكون المستقبل الوزاري للمصريين الذين تربوا تربية أوروبية، وتوصيف كرومر المدنية الأوروبية بالحضارة خطأ في الفهم، والمسلمون لا يرفضون من هذه المدنية إلا الثقافة كقيمة وسلوك اجتماعي، وهو ما يختلفون فيه عن هذه الثقافة.
وهؤلاء المتربون على موائد الغرب كرهوا الثقافة الإسلامية، وتحرروا من الكثير من قيم وسلوك الإسلام وآدابه، بل منهم من ربطها بالجهل والتخلف، وقد اعتبرهم العديد من زعماء الإصلاح الإسلامي والزعماء الوطنيين من الخونة الممالئين للاحتلال، فنرى الزعيم مصطفى كامل يعتبرهم خائنين للوطن، ودعا إلى مقاومتهم وفضح ألاعيبهم، فهو يعلم جيدًا أن أهم أهداف الاحتلال هو تغريب المجتمع الإسلامي، ليصبح كيانًا تابعًا للاستعمار في فكره وثقافته المناهضة لقيم وآداب المجتمعات الإسلامية، فغالبًا ما يتبع المقهور ثقافة الغالب، إما عن جهل أو إعجاب به.
والمرأة في خضم هذا الصراع الثقافي هي أصل وأساس في التغيير الاجتماعي المنشود، وهي حجر الزاوية لكل التيارات الإصلاحية في المجتمع، فمنها من ينادي بالأخذ بأساليب المدنية الأوروبية في فكرها، وثقافتها، وعاداتها، ومنطلقاتها بخيرها وشرها، ومنها من يدعو إلى الإصلاح بالقيم والآداب الإسلامية، وآخرون ينادون بالتوفيق بين الحضارتين و"بأن الإسلام هو الأساس الذي يجب أن يقوم عليه الإصلاح، ولكنهم فسروا النصوص الدينية تفسيرًا يقبل معه كثيرًا من أساليب الحياة والتفكير الوافد من الغرب.
وكانت قضايا الحجاب والسفور والاختلاط، وعمل المرأة، ومحاولة تغيير بعض القوانين الخاصة بالأسرة من القضايا الأكثر جدلاً في المجتمع المصري آنذاك، أما قضية تعليم المرأة فقد كانت محل اتفاق بين جميع الإصلاحيين على السواء والاختلاف، عما يمكن أن تتعلمه المرأة؛ حيث كان التعليم في عهد الاحتلال يتجه إلى التغريب والتعليم الديني يُنظر إليه بالتخلف والاستهزاء.
ومما يؤكد ذلك مقولة المستشرق "جيب" بأن التعليم من أهم وسائل التغريب، وذلك في قوله:
"وقد رأينا المراحل التي مر بها طبع التعليم على الأسلوب الغربي في العالم الإسلامي، ومدى تأثيره على تفكير الزعماء المدنيين وقليل من المتدينين".
الإمام البنا وقضايا المرأة
جاء اهتمام الإمام البنا بالمرأة كأحد أهم أهداف الجماعة نحو بناء مجتمع ملتزم بالقيم الدينية، والأخلاقية، ولتكوين الشخصية الإسلامية المتكاملة وتنميتها، وفق المبادئ الإسلامية الصحيحة، بدءًا من إعداد المسلم في عقيدته وروحه وعقله، وخلقه، وجسمه، وعلمه، وعمله إلى إعداد البيت المسلم إعدادًا فاعلًا، ثم العمل على تربية المجتمع تربية شاملة، يسودها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو في كل ذلك مؤمنًا بإعداد المرأة والرجل معًا على ذات المنهج للمشاركة في تنفيذ البرنامج الإصلاحي المنشود؛ ولذلك فقد نصت اللائحة الداخلية للنظام الأساسي للأخوات عام 1932 على مشاركة الأخوات في حدود ظروفهن وجهودهن في تحقيق البرنامج الإصلاحي الأساسي لهيئة الإخوان المسلمين العامة.
وهذا ما يؤكد إيمان الإمام حسن البنا بأهمية دور المرأة كأخت للرجل لتحقيق مشروعه الإصلاحي، فقد وضح لديه دور المرأة في الإسلام، وما كان له من أثر بعيد في تكوين الرجال، وتحقيق المبادئ التي قامت عليها دولة الإسلام منذ عهد الرسول (صلى الله عليه وسلم)، وها هي تُكلف من قبل الإمام البنا بهذه المهمة الكبرى، وهي مشاركة في إصلاح المجتمع.
فضلاً على ذلك فهو يؤمن بأهمية المرأة في الأسرة وأثرها البعيد على تربية النشء وبناء المجتمع فيقول:
"فهي نصف الشعب، بل هي النصف الذي يؤثر في حياته أبلغ الأثر؛ لأنها المدرسة التي تكون الأجيال وتصوغ الناشئة، وعلى الصورة التي يتلقاها الطفل من أمه يتوقف مصير الشعب، واتجاه الأمة، وهي بعد ذلك المؤثر الأول في حياة الرجال والشباب على السواء.
اهتم الإمام البنا بقضايا المرأة التي كانت تشغل مجتمعه آنذاك، وما زالت مثارًا للجدل إلى يومنا هذا، وكان له فيها مواقف وآراء، ومن هذه القضايا: الحقوق والواجبات بين الزوجين، مسألة القوامة في الأسرة، والتبرج والسفور والاختلاط بين الجنسين، أهمية دور المرأة في الأسرة ووظيفتها الأساسية كأم وزوجة، والآثار السلبية المنعكسة على الأسرة نتيجة إثارة قضايا الحجاب والسفور، وعمل المرأة، والاختلاط، وقضايا الطلاق، والتعدد، وغير ذلك من القضايا التي تؤثر على استقرار الأسرة والمجتمع.
ففي مجال الحقوق والواجبات يقول الإمام البنا:
إن المرأة شريكة للرجل في الحقوق والواجبات، واعتبرها الإسلام أختًا للرجل بحقوقها الشخصية كاملة، وبحقوقها المدنية كاملة، كذلك وبحقوقها السياسية كاملة، وعاملها على إنها إنسان كامل الإنسانية له حق يُشكر إذا أدى واجباته، ويجب أن تصل إليه حقوقه، والقرآن الكريم والأحاديث الشريفة فياضة بالنصوص التي تؤكد على هذا المعنى وتوضيحه.
فهو يشير إلى الحقوق والواجبات التي أقرها الإسلام للمرأة في حياتها الزوجية والمدنية والسياسية، وحق المساواة في الإنسانية، ويؤكد على أن هذه الحقوق يجب أن تحصل عليها المرأة.
قضية القوامة:
ينطلق الإمام البنا في هذه القضية من خلال احترام الإسلام للتنوع البيولوجي للجنسين (وليس الذكر كالأنثى)، ولا يعني ذلك استعلاءً أو تكريمًا، وإنما يعني تنوع في الاختصاص والمهام، طالما تؤمن بأن هناك أمومة وأبوة، ولذلك فإن رؤيته لهذه القضية تنبع من ثلاث محددات:
الأول: الاختلاف بين الزوجين فطري:
فيقول: الرجل كائن والمرأة كائن، وللرجل مهمته، وللمرأة مهمتها، يقول تعالى في شأن تكوين الأسرة، وتنظيم شئونها﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِوَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾(البقرة:228)، فقرر أن الأسرة دولة بينهما، وأنها تتكون منهما، وإنما تكون القوامة للرجل ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ (النساء:34)، وذلك للاختلاف الفطري بينهما طالما نؤمن بأن هناك أمومة وأبوة.
الثاني: الاختلاف الفطري يترتب عليه اختلاف المهمتين، وفي نظم الحياة المتصلة بكل منهما "وذلك يعني في نظام الأسرة الطبيعية، والذي يقره الإسلام أن للمرأة مسئوليات زوجية وأمومة تشمل الحمل، والإنجاب، والإرضاع رعاية وتربية الأطفال، وأن للرجل دوره في الإنفاق على هذه الأسرة، وتولي شئونها، وتوفير حاجاتها المادية والاجتماعية.
الثالث: التجاذب الفطري بين الجنسين يؤسس لعلاقة زوجية متوازنة:
يقول الإمام البنا عن العلاقة الزوجية بأن أساسها التجاذب الفطري، وأن الغاية من هذه العلاقة لا تقوم على مجرد المتعة وحدها، ولكن على التعاون معًا للمحافظة على النوع، وتحمل متاعب الحياة، فضلاً عن التجاذب النفسي الذي يسمو بهذه العلاقة عن صور الاستمتاع البحت إلى صورة رائعة من العلاقة الروحية التي تُبنى على التعاون التام بين الزوجين كما في قوله تعالى: ﴿ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجًا لتسكنوا إليها، وجعل بينكممودةً ورحمة﴾ (الروم:21).
قضايا الطلاق والتعدد:
وهي من القضايا التي كانت تهتم بها بعض الجهات التحررية في مصر لعمل تغيير في قوانين الأسرة، وعن ذلك يحدثنا الإمام فيقول: تقدمت الحكومة المصرية في الأربعينيات من القرن العشرين بمشروعات قوانين تحد من تعدد الزوجات، وتقيد حق الرجل في الطلاق، مما أثار بعض الشباب، واعتبروا ذلك تحريم لما أحله الله، وحمل الناس على نهج يزيد الأمر فسادًا على فساد، كما يتداوي شارب الخمر بالخمر، وكان رد الإمام البنا على ذلك منطلقًا من منهج الله (عز وجل) مراعيًا مصالح المجتمع وحقوق الزوجة، والإمام البنا في تناوله لهذه القضية انتهج العرض المنطقي للقضية، ملتزمًا بوضع حل لها كعادته في كل الأمور، فبدأ بتحديد القاعدة الشرعية لقضيتي تقييد حرية الطلاق، وتعدد الزوجات، وذكر أنهما ليسا محل خلاف في الإسلام.
ثم عرض للمشكلة وهي إساءة استخدام الأزواج هذه الحقوق، مما يترتب عليها ظلم وإساءة للمرأة، وبذلك يثبت أن هناك فرق بين الحق الشرعي، وبين طريقة استخدام هذا الحق، فالمشكلة ليست في التشريع الحنيف، ولكنها في سوء تطبيقه، وتلك هي مشكلة مجتمع يجهل آداب دينه "تسوده الفوضى الخلقية التي أدت بالأسرة إلى التحلل والاضطراب إلى درجة تصم السميع وتعمي البصير"، كما يقول الإمام البنا.
فحدد الإمام البنا أساس المشكلة هنا في أمرين:
1 - سوء استخدام الأزواج لحقوقهم الشرعية.
2 - الجهل والفوضى الخلقية والتحلل الخلقي.
ثم وضع الإمام البنا رؤيته للحل في البحث عن أسباب المشكلة، ووجد أن الأمر في حاجة إلى علاج جذري، كي يصبح الحل ناجعًا، ويكمن هذا الحل في التربية، وهو المنهج الذي التزمه الإمام البنا لتغيير المجتمعات الإسلامية.
حيث يبدأ مع تربية الفتيان والفتيات تربية إسلامية عفيفة طاهرة، ومصادرة الصحف والمجلات والروايات والمسارح والسينما..إلخ، التي تستغل في الناس أخس مشاعرهم، وأحط غرائزهم، ثم تشجيع الزواج، وإقناع الشباب بالغاية الصحيحة منه وإفهامهم بأنه شركة على احتمال أعباء الحياة، لا جنة محفوفة بالروح والريحان، مغمورة بالمشاعر الملتهبة، وتعريف كل من الزوجين حقه وواجبه في حدود قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِوَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ (البقرة:228)، فلا يكون بعد ذلك إلا إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، فالحل الذي وضعه الإمام البنا يتلخص فيما يأتي:
1 - التربية الإسلامية الصحيحة.
2 - مصادرة الإعلام الهابط.
3 - تشجيع الزواج ومعرفة أهدافه.
4 - بيان حقوق وواجبات كل من الزوجين.
التدخل الحكومي
وهو يرى أنه لا مانع من تدخل أولي الأمر أو الحكومة، باعتبارها المسئولة عن شئون الناس العامة لوضع حدٍّ لفوضى سوء استعمال الناس لهذه الحقوق بشرط أن يكون ذلك حمايةً للأوضاع الإسلامية، وبالكيفية التي رسمها الإسلام لاستخدام هذه الحقوق.
ويرى أن تدخل الحكومة إنما يكون لحماية شرط العدل، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾(النساء:3).
ولا مانع أيضًا من تدخل الحكومة لتجعل القاضي وسيطًا في الصلح، يندب حكمًا من أهله، وحكمًا من أهلها قبل الطلاق، كما يقول تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْأَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾(النساء: 35).
ولكن أي حكومةٍ يمكنها تنفيذ ذلك؟ يقول: الحكومة التي تراعي في مشروعاتها للطالب الفكرة الإسلامية، وعدم مصادمة قواعد الشريعة الإسلامية، فلا يترتب على ذلك تحريم حلال أو تحليل حرام.
فضلاً على ذلك يدعو إلى التيقن من الدافع الحقيقي وراء ذلك، هل هو المصلحة العامة، أم شهوة بعض الأفراد؟.
قضية عمل المرأة ومشاركتها السياسية
كان للإمام البنا في هذا الموضوع رأي خاص، لم يعلنه كحكمٍ شرعي، ولكنه نظر إليه انطلاقًا من أحوال المجتمع المصري وواقعه، تحت الاحتلال الذي أدرك أنَّ من أهم أسباب وجوده هو تغيير هذه المجتمعات، واستئصال قيمها الأخلاقية والدينية، وكان قد تم عرض موضوع اشتغال المرأة بالمحاماة على مجلس النواب المصري، وإباحة حق الانتخاب للمرأة عام 1944م، وقد تمَّت موافقة المجلس على إباحة اشتغال المرأة بالمحاماة، ورفض حقها في الانتخاب في مجتمعٍ أغلبه يُعاني الأمية الثقافية والفكرية والدينية الصحيحة، وفي سياقٍ زمني مختلف.
يعلق الإمام البنا على هذا الموضوع في قوله:
"ولنا في هذه القضية نظرات هادئة نتوجه بها إلى المهتمين بهذه القضية، ويجب أن نكون جميعًا ممن يهتمون بها، فهي قضية الأخلاق، وقضية الأسرة، وقضية المدنية والعالم؛ فما نظنّ أن شيئًا جنى على الناس قديمًا، أو سيجني عليهم حديثًا، إلا سُوء فهمهم للأوضاع، وتحكم الهوى، ومخالفة التكوين الطبعي، الذي لا يمكن أن يتخلف عن سنةِ الله، ولن تجد لسنة الله تبديلاً.
فالإمام البنا يعرض رأيه في هذه القضية ليس انطلاقًا من حكمٍ شرعي، فحسب ولكن يهتم برصد الواقع، وتحليل أوجه قصوره، ثم يبحث عن أسباب العلل والفساد، فيعرضها تاركًا الحكم النهائي بالرفض، أو الاقتناع للمهتمين بهذا الأمر.
فهو يناقش هذه القضية من خلال عدة أمور:
الأول: هو مخاطبة العقل والمنطق؛ وذلك حين يضع قضيتي العمل بالمحاماة، وحق المرأة في الانتخاب في موضع مفاضلة، وبين قضايا إنسانية كبرى ترتبط بمصير أمة وحضارة إنسانية، وهي قضية الأخلاق وقضية الأسرة، وقضية الأمة؛ فالمرأة ركيزة أساسية في هذه القضايا الكبرى، ومراعاة هذه القضايا الثلاث هو أساس لصناعة حضارة إنسانية من جانب ونجاح للمرأة في القضايا الأقل أهميةً من جانب آخر.
فالحضارة لا تنهض في أمةٍ متدنيةٍ أخلاقيًّا تغفل قيمها، وتتبرأ منها، ولا تقوم على أُسرٍ متهالكة ضعيفة الوشائج ممزقة العلاقات، ولا تتفوق بأمة لا تعي أهدافها، أو تربط مصيرها بغيرها من الأمم، ولا فائدة مرجوة من محامية يقف دورها عند حدِّ الوظيفة، أو حدِّ تفوقها الشخصي ما لم يرتبط ذلك برسالةٍ تؤديها في أسرتها أو في سبيل عزة أمتها، ولا أهمية لناخبة أمية، أو متعلمة جاهلة بأهدافها في الحياة، فهي في الحالين لا تستطيع إحسان اختيار مَن يمثلها في المجالس النيابية.
وكذلك الأمر بالنسبة للرجال، فهم كما يقول الإمام البنا: "إن أكثر من 60% من الرجال لا يهتمون بحق الانتخاب، ولا يعرفون كيف ينتفعون أو يضعونه في موضعه، فضلاً على أن عدد المقيدين في الجداول وعدد المنتخبين بالفعل يشير إلى ضعف المشاركة السياسية للرجال، فيجب الاهتمام بتربية هؤلاء الرجال تربيةً وطنيةً، تغرس المعاني السياسية العليا في نفوسهم وأرواحهم".
فالإمام البنا يدرك جيدًا أن الهدف من إثارة مثل هذه القضايا حينذاك، هو إلهاء المرأة وشغلها عن دورها الأساسي الفاعل في الأسرةِ كأم، ومربية نشء لها قدرات خاصة تتميز بها عن الرجال في هذا المقام.
ولا يقوم مقامها فيه أي من الرجال، وليس من عاقلٍ يرى أن الهدف الأول والأساسي والوحيد للمرأة في الحياة أن تكون محامية، أو طبيبة.. أو أن دورها ينحصر في الكدِّ والسعي من أجل لقمة العيش دون حاجةٍ إلى ذلك، أو حاجة المجتمع، فتشارك الرجل في ذلك؛ ولكن مَن يشاركها في الحمل والوضع والإرضاع؟ والمجتمع غافل عن توفير أدنى ضمانات الرعاية والأماكن لها ولأولادها.
وفي حياة المرأة دور أهم ودور أقل أهمية، وأن نجاحها في الدور الأهم هو أساس بناء الأمة؛ لأنه يتعلق ببناء الإنسان ذاته، وحين ترى أن عملها أكثر أهميةً فعليها ألا تنجب.
ويأتي حذر الإمام البنا من انشغال المرأة بمثل هذه القضايا، وفي سياقٍ زمني متقدم لم تكن المرأة على قدرٍ كبيرٍ من الوعي الديني الصحيح، كي تكون على وعي بالمحاذير الشرعية في الاختلاط والسفور في ظل سيادة الفكر التغريبي للمجتمع، مما سينعكس سلبًا على حياة المرأة، ومستقبل الحياة الزوجية والأسرة بوجهٍ عام.
من هذا المنطلق جاء حذر الإمام البنا، فالقضية الأهم لديه هي قضية الأخلاق والأسرة والمدنية.
الأمر الثاني: إثباته لعدم مصداقية هذه الدعاوى، وأنها زائفة وصدى لدعاوى التغريب، ويرى أن أصحاب هذه الدعاوى غير مخلصين في دعواهم في الحرص على إنصاف المرأة والسمو بمنزلتها في المجتمع، ولكن أهوائهم غلبت على نفوسهم، والدليل على ذلك أنهم أرادوا للمرأة أن تشتغل بالمحاماة، وهم بالأمس القريب فكروا في التشدد في شروط قبول الشباب في جدول المحامين، وصار كثير منهم لا يجد عملاً حتى زاحموا الكتبة العموميين على أبواب المحاكم.
ثم يقدم حلاًّ طريفًا لمشكلة المحامين والمحاميات فيقول: "أفما كان الأولى والأجدر أن يقرر مجلس النواب المصري إلزام المحاميات بأن يتزوجن محامين، فيضرب العصفورين بحجر واحد، ويفرج أزمتين، أزمة المحاماة وأزمة الزواج معًا بقرار واحد، ويضع بذلك أساسًا سليمًا قوي الدعائم للتعاون لا للتزاحم".
لم تكن رؤية الإمام البنا لعمل المرأة شاذة عن سياقها التاريخي، وهو عام 1944م، وظروف مجتمع يعاني الأمية والاحتلال، وما أشاعه من فوضى خلقية، وصفها في قوله: "لا أظن اثنين يختلفان في أن الإسلام الحنيف يحرم تحريمًا قاطعًا، هذه الفوضى الخلقية والإباحية السائدة التي تتجلى في مجتمعاتنا وأحفالنا، والصور التي تنشرها جرائدنا ومجلاتنا، ومهما قيل عن أن كشف الوجه والكفين يجيزه الإسلام، فليس في الدنيا كلها مسلم واحد يقول إن الإسلام يبيح هذا الكشف الفاضح عن مواضع الزينة، ويسيغ هذه الأزياء المتهالكة التي تشف وتصف معًا، وليس في الدنيا كلها مسلم واحد يقول بجواز خلوة الرجل بالمرأة الأجنبية عنه من غير أن يكون معهما محرم.
هذا الوضع لا يقره الإسلام بحالٍ ولا يقر ما يؤدي إليه، فكل عمل أو تصرف يكون من شأنه اختلاط المرأة بالأجانب عنها يحرمه الإسلام ولا يرضاه.
وما كان الاقتراح الذي قدَّمه بشأن حلِّ مشكلة المحامين والمحاميات إلا محل نظر واعتبار، فهو يعرض موقفًا مشابهًا عن وضع المرأة في ألمانيا وعملها، ومشكلة بطالة الشباب؛ حيث إن القانون الألماني آنذاك كان يحظر على المرأة المتزوجة أن تعمل خارج المنزل، ولهذا فقد أعلنت شركة دخان كبرى مكافأة لكل فتاة تجد عريسًا قبل انتهاء السنة الحالية، بأن تحصل على مكافأةٍ قدرها ستمائة مارك، وهي تأمل بذلك أن تزيد الإقبال على الزواج، وتخفض- جهد المستطاع- عدد العاملات في مصالحها، وتقول هذه الشركة: إن كل وظيفة تخلو بسبب زواج الفتيات تستخدم فيها رجالاً للتخفيف من وطأةِ البطالة.
وقد صدق رأي الإمام البنا أنَّ هذه الدعاوى زائفة، وأن هناك أهدافًا أخرى لا تقف عند حد مشاركة المرأة في العمل فحسب، ولكي يتضح الآن الهدف الحقيقي لذلك؛ وهو تحرير المرأة المزعوم من أعباء الحياة الزوجية وقوامة الزوج على الأسرة، المستهدف هو تغيير نظام الأسرة، كما هو واقع في الغرب من خلال التعدي على قوانين الأسرة في الشريعة الإسلامية، وإحلال قوانين مدنية بعيدة عن الشريعة الإسلامية، ولكنها تُعبِّر عن جوهر الحضارة الغربية التي أدَّت إلى تحلل نظام الأسرة، وتربى الأطفال في الملاجئ ودور الرعاية البديلة.
المنهج التطبيقي للإمام البنا مع المرأة في الواقع العملي وينقسم إلى: مجال العمل العام ومجال أسرته