بسم الله الرحمن الرحيم
سأقص عليكم اليوم أمثالا جديدة كونوا معي
لا مخْبَأ لِعِطْرٍ بعد عروس
ويروى " لا عطر بعد عروس "
قال المفضّل : أول من قال ذلك امرأة من عُذْرة يقال لها أسماء بنت عبد الله ، وكان لها زوج من بني عمها يُقال له عروس ، فمات عنها ، فتزوجها رجل من غير قومها يقال له نوفل ، وكان أعسر أبْخر بخيلا دميمًا ، فلما أراد أن يظعن بها قالت :
لو أذنت لي فرثَيْتُ ابن عمي وبكيْت عند رمسِه ، فقال : افعلي .
فقالت : أبكيك يا عروس الأعراس ، يا ثعلبًا في أهله وأسدًا عند الباس ، مع أشياء ليس يعلمها الناس .
قال : وما تلك الأشياء ؟
قالت : كان عن الهمّة غير نعَّاس ، ويُعْمِل السيْف صبيحات الباس .
ثم قالت : يا عروس الأغّر الأزهر ، الطيّب الخِيم الكريم المخْبر ، مع أشياء له لا تُذْكر !
قال : وما تلك الأشياء ؟
قالت : كان عيوفًا للخنا والمنكر ، طيِّب النكهة غير أبخر ، أيسر غير أعسر .
فعرف الزوج أنها تُعرِّض به ، فلما رحل بها قال : ضُمِّي إليك عطرك ، وقد نظر إلى وعاء عطره مطروح ،
فقالت : لا عطر بعد عروس، فذهبت مثلا
يضرب لمن لا يُدَّخر عنه نفيس
***
لا يُحسِن العبد الكرَّ إلاَّ الحلْب والصَّر
يُقال : إنّ شدادًا العبْسيّ قال لابْنه عنترة في يوم لقاء ورآه يتقاعس عن الحرب وقد حميت فقال : كرّ عنتر ،
فقال عنتر : لا يُحسِن العبد الكر إلا الحلب والصّر " وكانت أمّه حبشيّة " ، فقال له : كر وأنت حُر ، فكرّ وأبلى ، فزوّجه أبوه عبلة ابنة عمه
يُضرب لمن يُكلّف ما لا يطيق
***
مِلْحُهُ على رُكْبته
هذا مثل يُضرب للذي يغْضب من كل شيءٍ سريعًا ، ويكون سيّء الخُلُق .
أي أدنى شيء ينفِّره ، كما أن الملح إذا كان على الركبة أدنى شيء يفرِّقـُه .
ويُقال الملح هاهنا اللبن ، والملح الرَّضاع ، أي لا يُحافظ على حُرْمة ولا يرعى حقـًا ، كما أن واضع اللبن على ركبته لا قـُدرة له على حفظه ، وهو أجود الوجوه
قال مسكين الدارمي في امرأته :
لا تلُمْها إنّها من نِسْوةٍ ... مِلْحُها موضوعة فوق الرُكب
كشموس الخيْل يبدو شغْبها ... كلما قيل لها هابِ وهَب
أراد بالشَّغب القتال والخروج عن الطاعة ، وهاب وهب ضربان من زجر الخيْل .
وقال ابن فارس : العرب تسمي الشحم ملحًا أيضًا ، وتقول أملحت القِدر إذا جعلت فيها شيئًا من شحم ، ثم قال : وعليْه فُسر قوله " لا تلمها .." البيت
يعني أنّ همّها السمن والشحم
قال ابن الأعرابي : "فلان ملحه على ركبته " إذا كان قليل الوفاء
وقال أبو سعيد : هذا كقولهم : إنما ملحه ما دام معك جالسًا ، فإذا قام نفضها فذهبت .
ويُضرب المثل أيضًا لمن لا يطمح إلى معالي الأمور ، بل يُسِفُّ على سِفافها
***
ما يوم حليمة بسِرٍّ
هي حليمة بن الحارث بن أبي أشمر ، وكان أبوها وجَّه جيْشًا إلى المنذر بن ماء السماء .
وذكر عبد الرحمن بن المفضّل عن أبيه قال : لما غزا المنذر بن ماء السماء التي قُتل فيها ،وكان الحارث بن جَبَلَة الأكبر ملك غسان يخاف ، وكان في جيش المنذر رجل من بني حنيفة يقال له شمر بن عمرو ، وكانت أمه من غسان ، فخرج يتوصّل بجيش المنذر يريد أن يلحق بالحارث ، فلما تدانوا سار حتى لحق بالحارث ، فقال :
أتاك ما لا تُطيق ، فلما رأى ذلك الحارث ندب من أصحابه مئة رجل اختارهم رجلا رجلا .
فقال : انطلقوا إلى عسكر المنذر فأخبروه أنّا ندين له ونُعطيه حاجته ، فإذا رأيتم منه غِرَّةً فاحملوا عليه ، ثم أمر ابنته حليمة فأخرجت لهم مِرْكَئًا فيه خلوق
فقال : خَلِّقيهم ، فجعلت تُخَلِّقهم ، فضايقها أحد الفتيان ، فذهبت لأبيها تبكي ، فقال لها : ويلك اسكتي عنه فهو أرجاهم عندي ذكاء وفطنة
ومضى القوم ومعهم شمر بن عمرو الحنفي حتى أتوا المنذر فقالوا له :
أتيْناك من عند صاحبنا وهو يدين لك ويعطيك حاجتك ، فتباشر أهل عسكر المنذر بذلك ، وغفلوا بعض غفلة ، فحملوا على المنذر فقتلوه
فقيل : " ليس يوم حليمة بسر " فذهبت مثلا
قال المبرّد : هو أشهر أيام العرب
ويقال : ارتفع في هذا اليوم من العجاج ما غطى عين الشمس
يُضرب في كل أمر مُتعالم مشهور
***
أنْدم من الكُسَعِيّ
قال حمزة : هو رجل من كُسَع واسمه محارب بن قيْس، وقيل غامد بن قيْس
ومن حديثه أنّه كان يرعى إبلا له بوادٍ معشب ، فبينما هو كذلك إذ أبصر نبْعة في صخرة ، فأعجبته ، فقال : ينبغي أن تكون هذه قوسًا ، فجعل يتعهّدها حتى إذا أدركت قطعها وجففها ، فلما جفَّتْ اتّخذ منها قوسًا وأنشأ يقول :
يا رب وفـِّقـْني لِنحْت قوسي .. فإنها من لذَّتي لنفْسي
وانْفع بقوسي ولدي وعرسي .. أنتها صفراء مثل الوَرْس
* صفراء ليست كقسي النِّكس *
ثم دهنها وخطمها بوَتَر ، ثم عمد إلى ما كان من بُرايتها فجعل منها خمسة أسهم ، وجعل يُقلِّبها في كفِّه ويقول :
هُنَّ وربي أسهم حِسان .. تلذُّ للرامي بها البنان
كأنما قوامها ميزان .. فأبشِروا بالخِصْب يا صِبيان
* إن لم يَعُقني الشُؤْم والحرمان *
ثم خرج حتى أتى قٌتْرة على موارد حُمُر فكمِن فيها ، فمرَّ قطيع منها فرمى عيرًا فأمخطه السهم ، وأصاب الجبل وظن أنه أخطأ فأنشأ يقول :
أعوذ بالله العزيز الرحمن .. من نكد الجدِّ معًا والحرمان
مالي رأيت السهم بين الصوان .. يوري شرارًا مثل لون العقيان
* فأخلف اليوم رجاء الصبيان *
ثم مكث على حاله فمرَّ قطيع آخر ، فرمى منها عيرًا فأمخطه السهم ، وصنع صنيع الأول ، فأنشأ يقول :
لا بارك الله في رمْي القتر .. أعوذ بالله من سوء القدر
أأمخط السهم لإرهاق البصر .. أم ذاك من سوء احتيال ونظر
ثم مكث على حاله فمرّ قطيع آخر ، فرمى منها عيرًا فأمخطه السهم ، فصنع صنيع الثاني ، فأنشأ يقول :
ما بال سهمي يُوقِدُ الحُباحِبا .. قد كنت أرجو أن يكون صائبا
وأمكن العيرُ وولّى جانبا.. فصار رأيي فيه رأيًا خائبا
ثم مكث مكانه فمرّ به قطيع آخر ، فرمى عيرًا منها، فصنع صنيع الثالث ، فأنشأ يقول :
يا أسفى للشُؤْم والجِدّ النَّكِد .. أخْلف ما أرجو لأهلٍ وولد
ثم مرّ به قطيع آخر ، فرمى عيرًا منها ، فصنع صنيع الرابع ، فأنشأ يقول :
أبعْد خمسٍ قد حفظْتُ عدَّها .. أحْمل قوسي وأريد وِرْدها
أخزى الإله لينَها وشدَّها .. والله لا تسلم عندي بعدها
* ولا أُرْجِي ما حيِيْتُ رِفْدها *
ثم عمد إلى قوسه فضرب بها حجرًا فكسرها ، ثم بات ، فلما أصبح نظر فإذا الحُمُر مطروحة حوله مصرعة ، وأسهمه بالدم مضرّجة ، فندم على كسر القوس ، فشدّ على إبهامه فقطعها ، وأنشأ يقول :
ندمْتُ ندامةً لو أنّ نفسي .. تُطاوعني إذًا لقطعْتُ خَمسي
تبيّن لي سِفاه الرأي مني .. لَعَمْرُ أبيك حين كسرْتُ قوسِي
وقال الفرزدق حين أبان النوار زوجته :
ندِمْتُ ندامة الكُسَعِيّ لما .. غدت مني مطلّقة نوار
وكانت جنّتي فخرجْتُ منها .. كآدم حين لجّ به الضِّرار
ولو ضَنَّتْ بها نفسي وكفِّي .. لكان عليّ للقدر اختيار
***
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته