بسم الله الرحمن الرحيم
كيف يتخلص المرء من أسر الهوى وذل العشق
أما الدواء فعند طبيب القلوب ابن القيم الجوزية ، يقول رحمه الله:
يمكن التخلص بعون الله وتوفيقه من الهوى بأمور :
أحدهما : عزيمة حر يغار لنفسه وعليها
الثاني : جرعة صبر يصبر نفسه على مرارتها تلك الساعة
الثالث : قوة نفس تشجعه على شرب تلك الجرعة ، والشجاعة كلها صبر ساعة
الرابع : ملاحظته الألم الزائد على لذة طاعة هواه
الخامس : إبقاؤه على منزلته عند الله وفي قلوب عباده ، وهو خير وأنفع من لذة موافقة الهوى
السادس : إيثار لذة العفة وعزتها وحلاوتها على لذة المعصية
السابع : فرحه بغلبة عدوه وقهره له وردِّه خاسئا حيث لم ينل منه
الثامن : التفكر في أنه لم يخلق للهوى وإنما هُيّىء لأمر عظيم لا يناله إلا بمخالفته للهوى
التاسع : أن لا يختار لنفسه أن تكون المخلوقات الغير عاقلة أحسن منه ، فالإنسان فُضِّل بالعقل ليميز ما ينفعه ويضره
العاشر : أن يتفكر بقلبه في عواقب الهوى فيتأمل كم فوتت معصية من فضيلة ، وكم أوقعت من رذيلة ، غير أن عين صاحب الهوى عمياء
الحادي عشر : أن يتصور العاقل انقضاء غرضه ممن هواه ، ثم يتصور حاله بعد ذلك وما فاته وما حصل له
الثاني عشر : أن يتصور ذلك في حق غيره حق التصور ، ثم ينزل تلك المنزلة ، فحكم الشيء حكم نظيره
الثالث عشر : أن يتفكر فيما تطالبه نفسه من ذلك ، ويسأل عنه عقله ودينه يخبرانه بأنه ليس بشيء
الرابع عشر : أن يأنف لنفسه من ذل طاعة الهوى ، فإنّه ما أطاع أحد هواه إلا وجد في نفسه ذلا
الخامس عشر : أن يوازن بين سلامة الدين والعرض والمال ونيل اللذة المطلوبة ، ليعلم أنه من أسفه الناس ببيعه هذا بهذا
السادس عشر : أن يأنف لنفسه أن تكون تحت قهر عدوه الذي هو الشيطان وأن لا يجعل نفسه مطمعا للشيطان
السابع عشر : أنّ الهوى سياج جهنم المحيط بها من حولها ، فمن وقع فيه وقع فيها
كما في الصحيحين :( حفّتْ الجنّة بالمكاره وحُفّت النار بالشهوات )
الثامن عشر : أنه يُخاف على من اتبع هواه أن ينسلخ من الإيمان وهو لا يشعر
وقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم - في صحيح الجامع أنّه قال :( أخوف ما أخاف عليكم شهوات الغيّ في بطونكم وفروجكم ومضلات الهوى )
التاسع عشر : أنّ اتباع الهوى من المهلكات
قال -صلى الله عليه وسلم - ( ثلاث منجيات : خشية الله تعالى في السر والعلانية ، والعدل في الرضا والغضب ، والقصد في الفقر والغنى ، وثلاث مهلكات : هوى متبع ، وشح مطاع ، وإعجاب المرء بنفسه ) صحيح الجامع
العشرون : أنّ جهاد الهوى لم يكن أعظم من جهاد الكفار
قال رجل للحسن البصري -رحمه الله - يا أبا سعيد ، أي الجهاد أفضل ؟ قال : جهادك هواك
وجهاد النفس والهوى أصل جهاد الكفار فإنّه لا يقدر على جهادهم حتى يجاهد نفسه وهواه أولا
الحادي والعشرون : أن اتباع الهوى يُغلق عن العبد أبواب التوفيق ، ويفتح عليه أبواب الخذلان
الثاني والعشرون : أن من نصر هواه فسد عليه عقله ورأيه ، لأنّه قد خان الله في عقله فأفسده عليه ، وهذا شأنه سبحانه وتعالى في كل من خانه في أمر من الأمور فإنه يفسده عليه
الثالث والعشرون : إن من فسّح لنفسه باتباع الهوى ضُيّق عليها في قبره ومن ضَيّق عليها بمخالفة الهوى وسّع عليها في قبره
قال تعالى ( وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (12)) الإنسان
الرابع والعشرون : أن اتباع الهوى يصرع العبد عن النهوض يوم القيامة والسعي مع الناجين
قال محمد بن أبي الورد : أنّ لله عز وجل يوما لا ينجو من شره منقاد لهواه ، وإنّ أبطأ الصرعى نهضة يوم القيامة صريع شهوته
الخامس والعشرون : إن مخالفة الهوى طرد للداء عن القلب والبدن ، فأمراض القلوب كلها من متابعة الهوى
السادس والعشرون : أن الهوى رِقٌ في القلب وغلٌ في العنق ، وقيد في الرجل ، فمن خالفه عُتِق من رِقّه وصار حرا
السابع والعشرون : أن لكل عبد بداية ونهاية ، فمن كانت بدايته اتباع الهوى كانت نهايته ذُلٌ وصِغار
قال أبو على الدقاق : من ملك شهوته في حال شبيبته أعزّه الله في حال كهولته
الثامن والعشرون : أن مخالفة الهوى تقيم العبد في مقام من لو أقسم على الله لأبرّه ، فيقضي له من الحوائج أضعاف أضعاف ما فاته من هواه ، ومن ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه
التاسع والعشرون : إن مخالفة الهوى توجب شرف الدنيا وشرف الآخرة ، وعز الظاهر والباطن ، كما أن متابعة الهوى ذل في الدنيا والآخرة وفي الظاهر والباطن
الثلاثون والأخيرة
من يظلهم الله في ظله ومخالفة هواهم
قال ابن القيّم -رحمه الله-
إنك إذا تأملت السبعة الذين يظلهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله ، وجدتهم إنما ذلك الظل بمخالفة الهوى
- فإن الإمام المسلّط القادر لا يتمكن من العدل إلا بمخالفة هواه
- والشاب المؤثر لعبادة الله على داعي شبابه لولا مخالفة هواه لم يقدر على ذلك
- والرجل الذي قلبه معلّق بالمساجد إنما حمله على ذلك مخالفة الهوى الداعي له إلى أماكن اللذات
- والمتصدق المخفي لصدقته عن شماله لولا قهره لهواه لما قدر على ذلك
- والذي دعته المرأة الجميلة الشريفة فخاف الله عز وجل بمخالفة هواه
-والذي ذكر الله خاليا ففاضت عيناه من خشيته إنما أوصله إلى ذلك مخالفة هواه ، فلم يكن لحر الموقف وشدّته سبيل عليهم يوم القيامة ، وأصحاب الهوى قد بلغ منهم الحر والعرق كل مبلغ وهم ينتظرون بعد هذا كله دخول سجن الهاوية
روضة المحبين
انتهى الحديث في هذا الموضوع
أسأل الله أن ينفعنا به ويجعله حجة لنا لا علينا
وأُشْهد الله أني جمعته وكتبته باغية به وجهه الكريم
وأن أكون قد بلغت أخوتي وأخواتي ونصحت
اللهم اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه
أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
من أحب أن يقرأ الموضوع كاملا فليرجع إلى كتاب
ترطيب الأفواه بذكر من يظلهم الله