بسم الله الرحمن الرحيم
الإسلام وتوفير العفة والحفاظ عليها:
اتفق الأصوليون على أن الأديان كلها عملت على توفير العفة والحفاظ عليها ضمن الضروريات الستة التي لابد لكل مجتمع منها والتي هي :
الأديان ، والأنفس ، والعقول ، والأعراض ، والأنساب ، والأموال.
فقد حُرِّم الزنا في جميع الأمم وقد تقدمت الإشارة إلى قصة يوسف وامرأة العزيز وفي خصوص الإسلام وهو خاتمة الأديان فقد كانت عنايته بذلك تفوق كل الحدود حيث أحاط العرض بسياج منيع من جميع جوانبه وحرّم كل نافذة تطلّ عليه ابتداءً من نظرة بالعين وخطرة بالقلب وهمسة بالأذن ورنّة بالحلي ، وألزم المرأة بالحجاب صونا لها وحفاظا عليها
وتكاد سورة النور وجزء كبير من سورة الأحزاب يختص بذلك
***
سورة النور
وبتأمُّل سورة النور نجد عند افتتاحها وفي أخر السورة التي قبلها وهي سورة المؤمنون يأتي الحديث عن قضية التوحيد والشرك
ونستطيع أن نقول : إنّ الاقتران الموضعي بين قضية التوحيد وقضية الزنا يُشعر بالربط بين القضيتين في عظم خطرها وعظيم الجرم فيها
فالأولى : في حق الله تعالى وهو أعظم حق لله على عباده
والثانية : في حق المجتمع كله بدليل قوله تعالى (وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (2)) النور
لأن الاعتداء على أي فرد من أفراد المجتمع يعتبر اعتداء على حق المجتمع كله ولو كانت لهذا الاعتداء ثمرة خاطئة فسيتحملها المجتمع كذلك
وبالنظر إلى هذا الاستهلال في بداية هذه السورة الكريمة بتقديم ذكر المرأة مما يُشعر بقوة تأثير المرأة في هذه القضية ، لبداية الإغراء من جانبها هي
وأن صون المرأة لنفسها حفاظا على المجتمع بأكمله
المنهج المتكامل في توفير العفة
تقبيح الزناة لقُبْح فعلهم (الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (3)) النور
أراد الإسلام محاربة الحيوانية التي لا تفرق بين جسد وجسد ، أو لا تهدف إلى إقامة بيت ، وبناء عش ، وإنشاء حياة مشتركة ، لا تنتهي بانتهاء اللحظة الجسدية الغليظة ، وأن تقيم العلاقات الجنسية على أساس من المشاعر الإنسانية الراقية ، وبتعبير أشمل التقاء إنسانيْن تربط بينهما حياة مشتركة ، وآلام مشتركة ، ومستقبل مشترك ، ويلتقي في الذرية المرتقبة ، ويتقابل في الجيل القادم الذي ينشأ في العش المشترك ، الذي يقوم عليه الوالدان حارسان لا يفترقان .
من هنا شددّ الإسلام في عقوبة الزنا بوصفه نكسة حيوانية ، تذهب بكل المعاني وتطيح بكل الأهداف ، وترد الكائن الإنساني مسخا حيوانيا ، لا يفرق بين أنثى وأنثى ، ولا بين ذكر وذكر
المعاقبة على قذف المحصنات
ويمضي الإسلام في الطريق خطوة أخرى في استبعاد ظل الجريمة من جو الجماعة فيشدد عقوبة قاذف المحصنات ، قال تعالى (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (4)) النور
إنّ ترك الألسنة تُلقي التُهَم على المحصنات بدون دليل قاطع يتْرك المجال لكل من شاء أن يقذف بريئة أو بريئا بتلك التهمة النكراء، ثم يمضي آمنا!
فتصبح الجماعة وإذا أعراضها مجَرّحة ، وسمعتها ملوثة ، وإذا كل زوج شاك في زوجه ، وكل رجل شاك في أصله
ذلك أنّ اطراد سماع التهم يوحي إلى النفوس أنّ جو الجماعة كله ملوّث ، فتنعدم ثقة المرء بغيره ، وتهون في النفوس تلك الفعلة الشائنة
والجماعة المسلمة لا تخسر بالسكوت عن تهمة غير محققة كما تخسر بشيوع الاتهام والترخص فيه ، وعدم التحرج من الإذاعة به ، وتحريض الكثيرين من المتحرجين على ارتكاب الفعلة التي كانوا يستقذرونها ويظنونها ممنوعة ونادرة في الجماعة ، وفوق ذلك كله الآلام التي تصيب الحرائر الشريفات والأحرار الشرفاء من نسبة الفاحشة إليهم وهم بريئون منها
ثم يأتي أدب دخول البيت بعد الاستيناس والاستئذان :
قال تعالى( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (27)) النور
أنّ الإسلام لا يعتمد على العقوبة في إنشاء مجتمعه النظيف ، إنما يعتمد قبل كل شيء على الوقاية
والفكرة السائدة في منهج التربية الإسلامية في هذه الناحية هي تضييق فرص الغواية ، وإبعاد عوامل الفتنة
والبيوت لاتكون سكنا إلا إذا كانت حرما آمنا لا يستبيحه أحد إلا بإذن أهله ، وفي الوقت الذي يريدون ، وفي الحالة التي يحبون أن يلقوا الناس عليها
وذلك أنّ استباحة حُرمة البيت من الداخلين دون استئذان ، يجعل أعينهم تقع على عورات أهل البيت ، وتُهيء الفرصة للغواية الناشئة من اللقاءات العابرة والنظرات الغير مقصودة التي قد تتكرر فتتحول إلى نظرات مقصودة ؛ تنشأ عنها علاقات ولقاءات يدبرها الشيطان ، ويوجهها في غفلة عن العيون الراعية والقلوب الناصحة هنا وهناك .
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم ، فقد حلّ لهم أن يُفقِئوا عينه ) رواه مسلم وأحمد
غض البصر قضية عامة في حق المؤمنين والمؤمنات :
قال تعالى (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آَبَائِهِنَّ أَوْ آَبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (31)) النور
قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ
غض البصر من الرجال أدب نفسي ، ومحاولة للاستعلاء على الرغبة في الإطلاع على المحاسن والمفاتن ، كما أنّ فيها إغلاقا للنافذة الأولى من نوافذ الفتنة التي تكون بدايتها في النظر ، فهو أطهر للمشاعر وضمان عدم ارتكاسها في المعاصي
وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ
فلا يرسلن نظراتهن إلى الرجال فيستثرن بها كوامن الفتنة
وكما أمر الرجل بغض البصر أمرت به المرأة أيضا
ولا فرق بينهما وأمرت المرأة بستر مفاتنها عن الرجال درءا للفتن
وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ
إنها لمعرفة عميقة بتركيب النفس البشرية وانفعالاتها واستجاباتها
ومن الحالات المعروفة عند علماء النفس اليوم أن سماع وسوسة الحلي وشم شذى العطور من بعيد ، يثير الفتنة في قلوب الكثيرين
قال رسول اللع صلى الله عليه وسلم ( أيما امرأة استعطرت ثم خرجت ، فمرّت على قوم ليجدوا ريحها فهي زانية وكل عين زانية ) صحيح الجامع
والقرآن يأخذ الطريق على هذا كله ، لأنّ مُنَزِّلَه هو الذي خلق ، وهو الذي يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير .
سورة الأحزاب
قال تعالى(يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (32) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآَتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (33)) الأحزاب
فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ
إنّ الله الذي خلق الرجال والنساء يعلم أن صوت المرأة حين تخضع بالقول ، وتترقق باللفظ ، ما يثير الطمع في القلوب ، وأنّ القلوب المريضة التي تثار وتطمع موجودة في كل عهد ، وفي كل بيئة ، حتى لو كانت زوج النبي وأم المؤمنين
فكيف بهذا المجتمع الذي نعيش فيه ، وفي عصرنا المريض الهابط!
وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا
نهاهن من قبل عن النبرة اللينة واللهجة الخاضعة ، وأمرهن في هذه الآية أن يكون حديثهن في أمور معروفة غير منكرة ، فلا ينبغي أن يكون بين المرأة والرجل الغريب لحن ولا هزل ، كي لا يكون مدخلا إلى شيء آخر
وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ
إن خروج المرأة للعمل قد تبيحها الضرورة ، أما خروجها للاختلاط ومزاحمة الرجال في النوادي والملاهي أو خروجها دون أدنى ضابط شرعي ودون الالتزام بالحجاب الشرعي الكامل هو ارتكاس في الحمأة الذي يجلب على المجتمع مفاسد لا حصر لها ولا عدة
ولقد كان النساء في عهد النبي صلى الله عليه وسلم يخرجن إلى الصلاة وهن متلفعات لا يعرفهن أحد، ولا يبرز من مفاتنهن شيء ،
وفي الصحيحيْن عن عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت : ( كان نساء المؤمنين يشهدون الفجر مع رسول الله ، ثم يرجعن متلفعات بمروطهن ما يُعْرفن من الغلس )
وفي الصحيحين أنها قالت (لو أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أحدث النساء لمنعهن من المساجد كما مُنعت نساء بني إسرائيل )
فماذا أحدث النساء في حياة عائشة -رضي الله عنها - ؟ وماذا يمكن أن يُحدثن حتى ترى أن رسول الله-صلى الله عليه وسلم - كان منعهن من الصلاة ؟ ماذا بالقياس إلى مانراه في هذه الأيام؟!!!
وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى
لقد كانت المرأة في الجاهلية تتبرج ولكن جميع الصور التي تُروى عن تبرج الجاهلية الأولى تبدو محتشمة حين تقاس بتبرج أيامنا هذه في جاهليتنا الحاضرة
قال ابن كثير : كانت المرأة منهن تمر بين الرجال مسفحة بصدرها لا يواريه شيء، وربما أظهرت عنقها وذوائب شعرها وأقراط أذنها
إن الذوق الإنساني الذي يُعجب بمفاتن الجسد العاري ذوق بدائي جاهلي وهو من غير شك لا يقارن بالذي يرى أن الحشمة هي الجمال الحقيقي ، ولكن هذا الذوق الراقي لا يدركه أصحاب الذوق الجاهلي الهابط
***
وفي الزواج تحصين النفس
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ، فإنه أغض للبصر ، وأحصن للفرج ، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء ) رواه الجماعة
وهذا هو الدواء الشافي وعلى وليّ أمر الفتاة أن يُيَسِره ، وعلى ولاة الأمور أن يساعدوا المحتاجين للزواج ، ولذا يأمر الله الجماعة المسلمة أن تُعين من يقف المال في طريقهم إلى النكاح (وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ ) النور :32
والصوم وجاء
وعند العجز عن الزواج نقلهم إلى الصوم كبديل ، فإنه يكسر الشهوة ويضيق عليها
لا وألف لا للبغاء
لا عبرة بما يقال أن البغاء صمام أمن يحمي البيوت الشريفة من تهجم الذئاب المسعورة على الأعراض المصونة إن لم تجد هذا الكلأ
وكأنهم نسوا وصية الرسول صلى الله عليه وسلم بالصوم عند تعذر الزواج وجعل منه الطريق الوحيد الذي لا ثالث له لكبح زمام النفوس
هناك بقية