حـديـث القــرآن عـن القــرآن
ـ 31 ـ د / محمــد الــراوي
ومن حديث القرآن عن القرآن ما جاء في قوله تعالى من سورة الأنعام ﴿ وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ﴾ [الأنعام:92]
إن كلمة ﴿ مُبَارَكٌ ﴾ يوصف بها الماء كما يوصف بها هذا الكتاب . ﴿ وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكاً فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ ﴾ [ق:9]
وكلنا يدرك إلى أي حدٍّ تنتهي بركة الماء وإلى أي مدى تمتد بركة هذا الكتاب المنزل على رسول الله [صلى الله عليه وسلم] ، وكيف يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه . فبركته ـ بحمد الله ـ ثابتة وممتدةٌ .
وإذا كانت الأرض الطيبة تقبل الماء فتنبت الكلأ والعشب الكثير ، فإن النفوس ـ بفضل ربها ـ تتقبل وحي الله وتؤمن بآياته ، فتنبت العمل الطيب ، وتثمر الخلق الحسن . تتحرك بإيمانها وتنبعث بيقينها ويؤازر بعضُها بعضا تعبدا لله وطاعة لأمره ﴿ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِه﴾[الفتح:29] وكثيرا ما نجد في الحديث عن القرآن الكريم يتجاور مع الحديث عن الماء في كتاب الله عزوجل . وهذا التجاور يلفت نظر المتدبر إلى ما بينهما من مناسبة .
والرسول [صلى الله عليه وسلم] يبين ذلك بقوله ( مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا ) كما جاء في الحديث المتفق عليه عن أبي موسى رضي الله عنه .
إن إيمان الإنسان بهذا واستجابته لما دعاه إليه يحقق له الحياة . كما أن تقبل الأرض للماء يحييها من بعد موات ﴿ وتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ﴾[الحج:5] أل وإن أثر الماء في تحقيق الحياة محدود بأجل .
ولكن آثار القرآن تمتد مع الإنسان ولا تتخلف عنه في موت أو بعث أو حساب أو جزاء . ( اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه ) كما جاء فيما رواه مسلم عن أبي أمامة ـ رضي الله عنه ـ وعن النواس بن سمعان ـ رضي الله عنه ـ قال : سمعت رسول الله[صلى الله عليه وسلم] يقول : ( يؤتى بالقرآن وأهله الذين كانوا يعملون به في الدنيا تَقْدُمُه سورة البقرة وآل عمران تحاجّان عن صاحبهما ). وروى أبو داود والترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ـ رضي الله عنهما ـ عن النبي [صلى الله عليه وسلم] قال : يقال لصاحب القرآن : ( اقرأ وارتق ورتّل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها ).
تلك هى بركة القرآن لمن اهتدى به ، تمتد ولا تنقطع , وتدوم مع الإنسان في موت وبعث وحساب وجزاء . نورٌ لصاحبه وحرزٌ من النار , رفعة وارتقاء في درج الجنة بقدر ما حفظ وعمل . اقرأ وارتق , أي في درج الجنة بقدر ما حفظت آي القرآن فأَنْعِم به من صاحب وأكرمْ به من محفوظ وحافظ . ومن محبوب يُدخل صاحبه الجنة بفضل الله ورحمته ، ومن وفيٍّ لا يتخلى عن صاحبه عندما يفر المرءُ من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه ، كتاب مبارك لا تنقطع بركته ولا يتوقف عطاؤه ولا ينطفئ نوره ولا يضيَّع صاحبُه فاحفظ أخي المسلم كتاب ربك وحافظ عليه واجعل لسانك رطبا به فإنه أفضل ذكر تذكر به ربّك . واحذر هجره أو الإعراض عنه . فإن في كل حرف منه أجرا أيَّ أجر . ( من قرأ حرف من كتاب الله فله حسنة والحسنة بعشر أمثالها لا أقول آلم حرف ولكن ألفٌ حرف ، ولامٌ حرف ، وميمٌ حرف ) كما جاء فيما رواه الترمذي عن ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ وقال حديث حسن صحيح , ولا تجعل قلبك محروما بتركه ( فإن الذي ليس في جوفه شئ من القرآن كالبيت الخرب ) وكن مُتَّبِعًا لهواه فإن من اتبعه قاده إلى الجنة .
ومن أعرض عنه شقي في دنياه وأخراه .
اللهم ارحمنا بالقرآن واجعله لنا إماما ونورا وهدى ورحمة .