عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 19-06-2009, 01:06 PM
الصورة الرمزية أبو المظفر السناري
أبو المظفر السناري أبو المظفر السناري غير متصل
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Mar 2009
مكان الإقامة: القاهرة
الجنس :
المشاركات: 20
افتراضي رد: رضية الدين ؟ السلطانة الدَّمَوِيَّةُ التي لا يعرفها أحد ؟!

وتلك الواقعة : هي أنه كان للسلطانة : عبدٌ مملوك حبشي يُدْعى : « جمال الدين ياقوت» وكان « أميرَ الخيول » في أنحاء الديار ، وكانتْ السلطانة كثيرةَ الأُنس به ! دائمة الاستصحاب له في نزواتها هنا وهناك ! ولم تكن مُتَصَوِّنة في معاملاتها معه ! بحيث اشتهر بين الخاص والعام : أنه هو الذي كان يرفعها من تحت إبِطَيْهَا على فرسها ! كما كان يحملها بين ذراعيْه عند نزولها !
ليس هذا فحسب : بل بلغ من تعلُّقها بهذا الحبشي : أنها جعلتْه في رتبة : « أمير الأمراء » ! فاسْتَثارتْ بذلك حفيظة أمراء الدولة جميعا ! وظلوا يتحدثون عن طبيعة تلك العلاقة المريبة بين رضية الدين وخادمها ياقوت ! لا سيما والسلطانة : امرأة غير متزوجة بعد !
وصارتْ أخبارها مع عبدها ياقوت : هي حديث الناس والعامة ، وقضية العصر الطامَّة !
فنهض الأمراء وسائر الناهضون : وجعلوا يُثِيرون أُمراء الأقاليم على تلك الملكة التي يبدو أنها تعيش حياة العُشَّاق ! وَتَهِيمُ في أسواق الأشواق ! غير مبالية بغضب أمرائها وشعبها ! ولا ناظرة إلى تعاليم دينها !
وهنا : كان حاكم مدينة : « بتهندا » هو أول الثائرين على تلك السلطانة العاثرة بسوء سلوكها ! وأعلن الثورة عليها في عام : 637هـ .
واجتمع معه : أمراء سائر الأقاليم والأمصار الهندية ، وجاءوا بجيوش جبارة تهز الأرض هزَّاً !
وما إنْ علمتْ رضية الدين بذلك : حتى أعدَّتْ عدتها ، وأحكمت شأنها ، وقادت جيوشها على ظهر فيلها ! وكان بين يديها : عبدها ياقوتُ الحبشي ! ذلك الأمير العاشق المتهم!
وبينما هي في الطريق لملاقاة حاكم : « بتهندا » وسائر الثائرين : حدث ما لم يكن في الحسبان ! وكان من أمر الله ما كان ؟ فقد انقلب جيش السلطانة عليها ! وصوَّبوا نِبَال حقدهم الدفين إليها ! وأطبقوا على عبدها ياقوت وهو شاهر سيفه يدرأ به عن ملكته : فضربوه ضربة رجل واحد ! حتى جعل دمُه يفور أمام رضية الدين وهي صامتة لا تتكلم ،وواجمة تبكي وهي تتألَّم !
ثم أخذوها أسيرة ذليلة ! وسلَّموها إلى حاكم : « بتهندا » الذي أخذها معه إلى بلاده ، وأودعها سجن قلعته الحصينة ، وتركها تبكي ذِكْرَاها ، وتبكي على ليْلاَهَا ! وتتجرع كئوس الأحزان ، وتغرق في بحار الأشجان !
لكن السلطانة الداهية ! استطاعت أن تُميل قلب حاكم : « بتهندا » إليها ، ونجحتْ في أنْ ْتجعله رهْن إشارتها وطَوْعَ يديْها ! فأعلن الزواج منها في سائر أقطار ، وجرى ذلك مجرى الريح في سائر الأمصار .
ومكثتْ رضية الدين مع زوجها : ما شاء الله ، ثم راودتها شهوة الملك والحكم – مرة أخرى – وحلمتْ باسترداد عرشها ! وبعودة سلطانها ! فعادت إلى استخدام سلاح جمالها – مرة ثالثة – مع زوجها ! وظلت تَتَعَصَّىَ عليه وتَرْضَى ! وتُوعِدُه جميلَ الوصال ثم تَأْبَى ! وتُغْريه بحكم مملكة : «دهلي» [دلهي] ، وتقول: ليس أحدٌ من العالمين يجعلك تحكمها : غيري !
حتى رضخ زوجها لمطلبها ، وخارتْ عزيمته أمام رغبتها ، فقام من فوره ورصد جيوشه الضخمة لأمر زوجته ، ووضع يديها على شئون دولته ، فلم تلبث رضية الدين إلا قليلا : حتى سارتْ بجيش عرَمْرَم ، وجُمُوعٍ ركائبُها تُزَمْزم ! واتجهتْ نحو سلطانها المنشود ، وأملها المعقود ، وهي تُسرِّي عن نفسها وتُغْريها ، وترسم بيدها أحلام آمالها ورغبات أمانيها !
ولم تكن تدري : أنها إنما تُساق إلى قبرها ! وتحملها الركاب إلى بُقْعة مصرعها !
فبينما هي وجيوشها في الطريق : إذ وصلتْ الأنباء إلى أخيها ناصر الدين ومن معه من الأمراء والقواد وحكام مدينة : «دلهي» فاستنصروا ببعض أمراء الأقاليم ممن حولهم : ثم خرجوا لملاقاة السلطانة وزوجها ، والتقى الجمعان على مشارف موضع يقال له : « كيتهل» .
ونَشَبَتْ الحرب العَوَانُ بين الفريقين ، وخَطَبتْ السيوف على منابر الرءوس ! وتناثرت الأشلاء تحت سنابك الخيل وأرجل الأفيال ! وشَرِب السراب من دماء الأجناد حتى ارْتوى ! وأكلتْ الأرض من أجسادهم حتى شبعتْ ! وجعل الموت يرفرف بجناحيه فوق الرقاب ! وحلّتْ بتلك البقعة نازلةُ العذاب ! وثار الغبار في وجوه الراكضين ، ولم يتكَشَّف إلا عن أمرٍ عظيم !؟ فقد هُزم جيش رضية الدين ! ووقع زوجها أسيرا في أيدي خصومه من المناوئين! وفُقِدَتْ رضيةُ الدين بين أتون هذا المعترك ! فظل القوم يبحثون عنها بين الأسرى والقتلى فلم يعثروا عليها ! حتى يئسوا من الاهتداء إليها !
ولكن : أين ذهبت تلك السلطان الحائرة ! وأيُّ سبيل سلكته هذه المرأة العاثرة !
نهاية السلطانة رضية الدين :
إنها ذهبتْ بعيدا بعيدا ؟ حيث ظلت تركض بجوادها في الأدغال وبين الأشجار ، بعد أن أدركتْ هزيمةَ جيشها وزوجها معًا ! وظلتْ تسير ليالي وأياما بلا زادٍ ولا مأوى ! حتى أنهكها العطش والجوع ، وأضْنَاها قِلةُ الراحة والهجُوع ! وظلتْ تُطاردها الأشباح ، وهي ريشةٌ في مَهبِّ الرياح ، فجعلتْ تجري ، وهي لا تدري إلى أين تجري ؟ وصارت تسير ، وقلبها كسير .....
وفي يوم من الأيام مشهود ، وسُرَادِقُ ليله على بساط أديمه ممدود : التفعتْ السلطانة بالظلام ، وعيون الكائنات نيام ، ونزلتْ ببعض القرى الفقيرة في أطراف مملكتها المترامية ، فرأتْ رجلا فقيرا حرَّاثًا يضرب بفأسه في أرضه، ويعمل بيديه في إصلاح زَرْعه ، فهرولتْ إليه ، وأقبلتْ عليه ، وهي في ثياب الحرب التي كانت تشبه ثياب الرجال ! فطلبتْ منه شيئًا تَسُدُّ به رمقها ، وتُقيم منه أوَدَها ؛ فقام الرجل مسرعا وأحضر إليها كسرة خُبْزٍ ، وقليل من الماء ، وهو لا يعرف أنها السلطانة رضية الدين ! بل كان يظنها فارسًا فقير الحال مثله !
وبعد أن طَعِمَتْ السلطانة وشربتْ : نادى بها منادي الأرواح إلى النوم ، فجعلت تسبح - من شدة تعبها - في بحور الأحلام وهي لا تُحسن العَوْم ! وأخذتْ تغطُّ في سُباتٍ عميق ! وتتَرَدَّدُ زَفَراتُها كزفرات الغريق ! ثم تتقلب يمينا ويسارا ، لكونها لم تكن تألفُ النوم على حشائش الأشجار بعدُ!
فبينا هي كذلك : إذِ انكشف قباؤُها النَّسَائيُّ المطرَّز بالذهب من تحت ثيابها ! فنظر إليها ذلك الحرَّاث - عفوا – فإذا قباؤها الداخلي يدل على كونها امرأة ! فَهَالَه ما رأى ! ثم جعل يدنو منها رويدا رويدا حتى أبصر نفسه في بريق تلك القِطَع الذهبية التي كان القباء مُطَرَّزًا بها !
وهنا : لم يتردد الرجل في الحصول على ذلك القباء الذهبي ! فاستلَّ خنجره ، وجعل يطعن به في جسد السلطانة النائمة ! لتستيقظ من أحلامها البائسة على طعنات ذلك الخنجر الذي نفذ إلى كبدها فأصابها في مقتل ! وكأنها حاولتْ المقاومة ! ولكن دون جدوى ! وكيف يقاوم مَنْ يرى ملائكة الموت ترفرف فوق رأسه ؟ وتحوم في أرض حُزْنِه وبُؤْسِه ؟
وبعد أن أدرك ذلك الحرَّاثُ أن ضحيته قد لفظتْ أنفاسها ، وخرجتْ روحُها ، قام بنزع ذلك القباء الذهبي منها ، وتركها غارقة في دمائها ! مقتولة في سلطانها ! ولم يغفل أن يحفر لها حفرة عميقة في أرضه التي يحرثها ! ثم رمى بالسلطانة فيها ومضى !
ولم يلبث أن ذهب بالقباء في أسواق المدائن يعرضه للبيع ؛ فاسْتَراب التجَّار في أمره ؟ كيف لمثل هذا الرجل الفقير صاحب تلك الأثمال البالية ! أن يحصل على مثل ذلك القباء المطرز بالذهب ! والذي لا يكون إلا من ثياب الأميرات والملِكات ! فقادوه إلى صاحب الشرطة ، فجعل يطلب منه معرفة حصوله على هذا القباء الذهبي ؟ فأبى الرجل أن يخبرهم ! فما زالوا يضربونه حتى رضخ لهم ، وأقرَّ بين يديهم بما اقترفتْه يداه !
فذهبوا به إلى أرضه التي فيها زَرْعُه وقلْعُه ، فأشار إليهم إلى ذلك الموضع الذي دفن في تلك البائسة صاحبة القباء ، فجَدّوا في الحفر حتى أخرجوها مخضَّبة بالدماء ! فنظروا في وجهها : فإذا هي ملكة بلادهم : السلطانة رضية الدين ! وكان ذلك في الخامس والعشرين من ربيع الأول ، عام : 637هـ .
ثم عهدوا إلى منْ غسَّلها وكفنها ، ثم صلوا عليها ، وبنى لها أخوها ناصر الدين قبرا مهيبًا ودفنها فيه .
وقد أتَتْ عوامل الأزمان والدهور على فخامة هذا القبر ! فلم يبق منه الآن إلا ما يظهر في تلك الصورة النادرة بمدينة دهلي[دلهي] الهندية .


خاتمة :
وهكذا : انطوتْ صفحة تلك المرأة التي خرجت عن فطرتها التي خلقها الله عليها ، وتجشَّمَتْ مُعَاداة شرائع الجبار التي جاء بها رسلُه الكرام إليها ! وجَمَحَتْ بجواد غرورها في متاهات الكبرياء ، وجعلتْ تتعثَّر في أذيال طمعها بين الأرض والسماء ! ونسيتْ أن لله مِنْ عوائد الانتقام ، ما يُنْسيها وغيرها متاع الدهور ولذَّات الأيام !
فأين تذهب من تولَّتْ عن أمر رسولها وطاعته ؟ ولم ترفعْ رأسًا بقوله ودعوته ! ورَغِبتْ عن فِطَر الإيمان ! وسلكتْ طريق الشيطان ! وهرولتْ سريعًا إلى ما يُغْضِب الله والرسول ، وضربتْ في بَيْدَاء شهواتها بالعرض والطول ! بل وجعلتْ تعزفُ بأنامل معاصيها على أوتار الذنوب والآثام ، وظلتْ تشْدو بقَيْثارة هفواتها آناء الليل وجفونُ الصالحات نيام ! حتى خسرت السعادتين !وحُرِمتْ رضا خالقها في كلتا الدارين ! وكيف لا وهي التي أقبلتْ على الدنيا وأغْفَلَتِ الآخرة ! وباعتِ التجارة الرابحة بالصفقة الحاسرة ! فياله من خسرانٍ عظيم ! وضلالٍ ما عرفه تُوْمَا الحكيم !؟
فيا أيَّتُها المغرروة بما أعطاكِ الله من سلطان الكمال والجمال ! ويا أيَّتها التائةُ بما خلقه الله فيكِ من المحاسن والجلال ! لعلَّكِ تُبْصرين ما أذاقه الله المغروراتِ قبلكِ من صُنوف الهوان ! ولعلك تتأمَّلين ما لَحَقَهنَّ و ساق بهنَّ إلى معاقد الهلاك ومُنْقَطع الخسران ! حيث لا مال ولا جمال ، ولا جلال ولا كمال ! بل صار جميع ذلك إلى زوال !
فبالله : كم في غياهب القبور من عيونٍ كَحيلةٍ قد أذابتْها غارباتُ الليالي والأزمان !؟
وكم : في حُفَر الأقفار من خُدُودٍ أسيلةٍ قد أكَلتْهَا حشراتُ الأرض وهَوامُ المكان ؟!
وكم هناك : من قُدودٍ جميلة قد صارت ترابًا يطَأَهُ كلُّ غادٍ ورائح !؟
بالله كم : من خُصُورٍ رشيقةٍ صارت رمادًا بعد أنْ بكَتْ عليها العيونُ وصاح الصائح !
فاللهم قد ساءتْ الظنون إلا بك ، وانقطعتِ الآمال بالبعد عنك ! وليس لدينا من الأعذار ، ما يحجب عنا أبواب النار !
فوا حسْرتاه على أيامٍ خلتْ بمعصيتكِ ، ووا طُولَ حُزناه عل أوقاتٍ مضتْ في مخالفتك ! ووا فضيحتُنا منك يوم نلقاك ، ووا خِذْلاننا مِنْ سواد صحيفتنا يوم النشور !
ومَا لنا لا نَنُوحُ على أنفسنا وليس لنا مَنْ ينوح عليها سوانا ؟!
فاللهم : إن كنا قد عصيناك سهوًا فقد غرَّنا عفوك ! وإن كنا قد خالفناك جهلا فقد خَدَعَنا حِلْمُك وكرمُك ! أيُّ عيشٍ يطيب وأنت علينا غاضب يا مولانا ؟ وأيُّ لذَّة تُسْتساغ وأنت علينا ساخطٌ يا سيدنا ؟
فاللهم : توبةً نتخلَّصُ بها من تلك الأقذر ! وطاعةً مقبولةً نتقرَّبُ بها من منازل الأبرار ، وقد أتيناك ونحن في قيود الذِّلة وسلاسل الإِسَار ! وليس لدينا ما نتشفَّع به إليك – ونحن منه على يقين- سوى توحيدك ، والإقرار بشرائعك ، والإيمان بنبيِّك ، فهل أنت براضٍ يا سيدنا ؟
فنسألك بك ألاَّ عذَّبت لسانًا ذَكَرَك ، أو قلبًا شَكَرك ، أو وجهًا سَجَدَ لك ، أو جسدًا خرَّ لعظمتك ،أو عينًا بكتْ – ولو دمعة – من خشيتك ، ثم متى عهدناك لا تقبل التوبة ؟ ومتى شاهدناك لا تغفر الحوبة ؟ فنحن على الباب وإنْ طَرَدتَّنا ! ولسنا نغادر رحابك وإنْ أبعدتَّنا ! ولن نرضى منك بدون العفو عنا يا خالقنا ومولانا .
وختامًا : نسأل الله حُسْنها ... إذا بلغتْ الروح المنتهى .
فإنه بكل جميل كفيل ... وهو حسبنا ونعم الوكيل .
وكتبه : العبد الفقير ، والجاني على نفسه بِويْلات الأمور : أبو المظفَّر سعيد بن محمد السِّنَّاري القاهري ... ذلك الأثيم العاثر .. سامحه الله .
رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 25.14 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 24.52 كيلو بايت... تم توفير 0.61 كيلو بايت...بمعدل (2.44%)]