عرض مشاركة واحدة
  #5  
قديم 10-06-2009, 04:18 AM
الصورة الرمزية أم عبد الله
أم عبد الله أم عبد الله غير متصل
مراقبة الملتقيات
 
تاريخ التسجيل: Feb 2009
مكان الإقامة: أبو ظبي
الجنس :
المشاركات: 13,882
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الرد الشرعي على محمد أمين شيخو

على الضلال والزيغ ويموتون على ذلك كما قال ربنا تبارك وتعالى في القرءان الكريم: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104)} [سورة الكهف]، وهؤلاء الخوارج شهر عنهم أنهم أرادوا الحق واجتهدوا للوصول إليه لكنهم أخطأوا طريقه فلم ينفعهم ذلك وهلك منهم كثير من غير التوبة فقتلهم سيدنا عليّ وأبادهم في معركة واحدة ولم ينجُ منهم إلا نحو تسعة أشخاص وكان قال قبل المعركة: "لا يُقتل منا عشرة ولا ينجو منهم عشرة" اهـ ومأواهم في الآخرة النار، فهذا سعى وسلمان الفارسيّ سعى لكن الله شاء لسلمان الهداية فوصل بسعيه إلى الإيمان بفضل الله ورحمته وقضائه وقدره ولم يشأ لأولئك الهداية فلم يصلوا إلى الإيمان وذلك بعدل الله وقضائه وقدره أيضًا،
فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، قال ابن عطاء الله السكندريّ الشاذليّ في لطائف المنن: "إذا أراد ـ أي الله ـ أن يضل عبدًا لم ينصره عقل ولم ينفعه علم. قال الله سبحانه: {وَمَن يُرِدِ اللهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللهِ شَيْئًا} [سورة المائدة/41]" اهـ.
ولو شاء الله لكل الناس السعادة والجنة كما يزعمون ولو كان لم يشأ لهم إلا الخير والإحسان كما صرح محمد أمين شيخو مرارًا وتكرارًا لكان الله خلق الناس والجن كلهم في الجنة ولم يجعل في نفوسهم أيّ استعداد للشر ولا أيّ انسياق خلفه وهو قادر على ذلك، بل لما خلق إبليس أصلاً كما قال الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز: "لو شاء الله أن لا يُعصى لما خلق إبليس" اهـ.
فأنت ترى أن كلام محمد أمين شيخو ضعيف ركيك متهاوٍ متهافت ليس عليه شمة من دليل ولا قبس من نور ومع هذا يزعم أتباعه أنه أتى فيه بما لم يسبقه إليه نبيّ ولا وليّ بل يزعمون أنه وحيٌ (كما قدم الديراني للجزء الأول من تفسير شيخه بقوله "تنزيل من حضرة الله ورسوله" عامله الله بما يستحق) فسبحان الذي يقسم العقول.
ولشدة أهمية هذا المبحث يحسن أن نتوسع شيئًا ما في إيراد الأدلة النقلية من القرءان والسنة وإجماع علماء الأمة على رد مقالة محمد أمين شيخو الشنيعة ورد كفره وكفر من وافقه فيها أو في أصلها فنقول بعون الله:
إن الله جلّ ثناؤه قدّر المقادير كلها في الأزل قبل خلق السموات والأرض كما قال الله عزَّ وجلَّ: {إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (49)} [سورة القمر] فأخبر أن كل شىء خلقه إنما هو بحسب ما قدَّره قبل أن يخلقه، فَوُجِدَ المخلوق على ما قَدَّرَ الله عزّ وجلّ وشاء وعلم، فمن أطاع الله تعالى فبمشيئة الله وعلمه وتقديره وخلقه وتوفيقه ومن عصاه سبحانه فبمشيئة الله وعلمه وتقديره وتخليقه وخِذلانه، فأهل الجنة ميسَّرون لعمل أهل الجنة وأهل النار ميسَّرون لعمل أهل النار كما قال ربنا تبارك وتعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا
سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8)} [سورة الشمس] فمن فجَر فإنما يَفْجُر بمشيئة الله ومن

اتقى فإنما يتقي أيضًا بمشيئة الله وإنما الفرق أن الطاعة تحصل برضا الله وأمره والمعصية ليست برضا الله ولا بأمره ولا بمحبته وإن كان كلٌّ منهما بقضائه وقدره وعلمه ومشيئته
كما ثبت في حديث مسلم عن عمران بن الحصين أن رجلين من مزينة أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا: يا رسول الله أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه أشىء قُضيَ عليهم ومضى فيهم من قدر قد سبق أو فيما يستقبلون به مما أتاهم به نبيهم وثبتت الحجة عليهم؟ فقال: "لا، بل شىء قُضي عليهم ومضى فيهم"، قال: ففيم العمل إذن؟، قال: "من كان الله خلقه لإحدى المنزلتين فييسره لها وتصديقُ ذلك في كتاب الله عزّ وجلّ: { وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8)} [سورة الشمس] اهـ.
والآيات التي تدل على أن ما يحصل من العباد خيرًا كان أو شرًّا إنما هو بمشيئة الله وخلقه كثيرة، فقد قال ربنا عزّ وجلّ: { وَلَكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (7) فَضْلاً مِّنَ اللهِ وَنِعْمَةً (8)} [سورة الحجرات] فلولا أن الله حبّب الإيمان إلى المؤمنين ما ءامنوا، ولولا أنه خلقه فيهم ما اطمأنت به قلوبهم فهو الذي يهدي من يشاء بفضله ويضل من يشاء بعدله،
وهو معنى كلمة أجمع المسلمون على قولها "لا حول ولا قوة إلا بالله" أي لا حول عن معصية الله إلا بعصمة الله ولا قوة على طاعة الله إلا بعون الله كما روى أبو يعلى تفسير هذه الكلمة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسناد قويّ ولذلك قال ربنا تبارك وتعالى: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ} [سورة المائدة/41] وقال عزَّ وجلَّ: {وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء} [سورة الأنعام/125] وقال تعالى: {ذَلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاء} [سورة الأنعام/88] {وَمَن يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (33)} [سورة الرعد] فأخبر ربنا تبارك وتعالى أن الاهتداء بخلقه وأن الإضلال بخلقه وأن من شاء الله له الإيمان ءامن ومن شاء له الغَواية غوى كما قال عزَّ وجلَّ: {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَن يَشَاء} [سورة القصص/56].
وقد حَرَّفَ قوم معنى هذه الآية فجعلوا الضمير في قوله تعالى: {مَن يَشَاء} عائدًا على العبد فقالوا إن معنى الآية أن من شاء لنفسه الهداية يهديه الله عزَّ وجلَّ، ومرادهم بهذا أن ينفوا أن الله شاء حصول الضلال من قسم من العباد.
قلنا: ما ذكروه تأباه فصاحة القرءان ويأباه أدنى من له ذوق بلغة العرب ويرده ويكذبه ما ذكرناه من الآي وقول الله تبارك وتعالى إخبارًا عن موسى عليه السلام أنه قال: {إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاء وَتَهْدِي مَن تَشَاء} [سورة الأعراف/155] ففي هذه الآية بيان واضح أن الله تعالى هو أضل بتلك الفتنة وهي عبادة بني إسرائيل العجل في غَيبة موسى إلى الطور، والآية صريحة في أن الله من أراد أن

يهديه هداه، وأن من أراد الله أن يضله يجعل صدرَه ضيقًا وهؤلاء عكسوا المعنى فالضمير في قوله {ومن يردْ أن يضله} [سورة الأنعام/125] أي الضمير المستتر الذي هو فاعلُ "يُضِلُّ" المقدّر هو عائِد إلى الله ليس إلى العبد كما تزعم هذه الفرقة أي أن الله تعالى من أراد هو أي الله أن يهديه يشرح صدره أي صدر العبد للإسلام ومن يرد أي من يرد الله أن يضله أي الله يجعل صدره ضيقًا حرجًا.
فإن موهوا في هذه الآية وأمثالها تحريفهم على الناس فماذا يفعلون في قوله تعالى: {تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاء وَتَهْدِي مَن تَشَاء} [سورة الأعراف/155] فإن {تضلّ} خطاب لله تعالى. ثم ماذا يفعلون بقوله تعالى: {وَمَن يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (33)} [سورة غافر] فإنه صريح في أن الله يضل من يشاء أي من يشاء الله أن يضله. موسى عليه السلام نسب إلى الله أنه شاء أن يضلهم بعبادة العجل وهؤلاء يردّون ذلك برأيهم.
وقد وافق هؤلاء رجلان في عصر محمد أمين شيخو أحدهما محمد علي الزعبيّ والآخر رجل يقال له محي الدين الخطيب سوريّ عمل تفسيرًا قال فيه كما تقول هذه الفرقة إن الضمير في قوله: "يهدي من يشاء ويضل من يشاء" راجع إلى العبد ليس إلى الله، فعند هؤلاء الضمير في من يشاء في الموضعين عائد على العبد، فمعنى الآية عندهم يهدي الله العبد الذي يشاء الهداية ويضل العبدَ الذي يشاء الضلالة، وهذا خلاف ما عليه أهل السنة وأهل الطرق الصوفية بما فيها النقشبندية فإن اعتقادهم أن الله هو يهدي من شاء له الهدى ويضل هو من شاء له الضلال لا يوجد بين النقشبندية الحقيقيين من قال خلاف ذلك،
وهذه الفرقة تدعي أنهم نقشبندية فهم في الحقيقة أعداء النقشبندية وأعداء كل طرق أهل الله ومع هذا الكذب والافتراء يقولون إن العلم يأتي من قلوب ساداتنا النقشبندية من قلب إلى قلب ليس بالدراسة، أما علوم الدنيا فهم يدرسونها من أساتذتها كغيرهم فهؤلاء جعلوا علم الدين لا يحتاج إلى دراسة بل عندهم يُنال بمجرد أخذ الطريقة النقشبندية، فجعلوا الاشتغال بطلب العلم الديني بالدراسة على المشايخ بطالة وما دَرَوا أن السلف والخلف علماء الإسلام الصوفية وغيرهم كانوا يقضون سنين في تعلم علم الدين على المشايخ الذين تعلموا ممن قبلهم إلى أن ينتهي التسلسل إلى الصحابة.
هذا الإمام البخاري تلقى علم الحديث من ألف شيخ وقضى في طلبه سنين حتى حَصَّل فصار يُقْصَدُ ليُتَعَلَّم منه، وهذا الحافظ أبو القاسم ابن عساكر الدمشقي أخذ علم الحديث من ألف شيخ وثلاثمائة شيخة من المحدثات وقال بعضٌ: من ألف وثلاثمائة شيخ وبضعة وثمانين شيخة، وهذا الشيخ خالد النقشبنديّ قضى سنين في طلب علم الدين وقراءته على الشيوخ حتى صار محصلاً ثم سلك طريق التصوف على مشرب النقشبندية،
والإمام الجنيد شيخ الصوفية تلقى علم الدين من عدة محدثين، ومثله أبو عبد الله بن خفيف وهو من

أقران الجنيد صوفي مشهور اشتغل في البداية بتلقي العلوم وتحصيلها بالكتابة بخطه وكان يصلي بين صلاة الصبح والعصر ألف ركعة. فما أشد غباوة هذه الفرقة حيث ظنت أنها بمجرد تلقي الطريقة من شيخ نقشبندي يستغنون عن طلب علم الدين!! أين هم مما فعل الصحابي الجليل جابر بن عبد الله الأنصاريّ فإنه رحل من المدينة إلى مصر ليسمع حديثًا نبويًّا بلغه أنَّ صحابيًّا يقال له عبد الله ابن أُنيس رواه عن رسول الله ليتأكد أن الرسول قاله بسماعه من لفظ عبد الله بن أنيس رضي الله عنهما.
علمُ الدين الذي كان يرحل له علماء السلف والخلف لتحصيله رحلات عديدة إلى نواح شتى جعله هؤلاء لا يحتاج إلى سعيٍ وكفاهم هذا خزيًا وجهلاً.فما أبعدهم عن هدي الرسول صلى الله عليه وسلم القائل: "يا أيها الناس تعلموا العلم فإنما العلم بالتعلم"، وهو الذي قال عليه السلام: "طلب العلم فريضة على كل مسلم"، وكلا الحديثين صحيح ثابت عند علماء الحديث يردُّ ما قالوه، روى الحديث الأول الطبرانيّ والثاني البيهقيّ.
وقال الله تبارك وتعالى: {مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ إِلاَّ أَن يَشَاء اللهُ} [سورة الأنعام/111] وقال: {وَلَوْ شَاء اللهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى} [سورة الأنعام/35] وقال: {مَن يَشَإِ اللهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (39)} [سورة الأنعام] فبيّن الله عزَّ وجلَّ أن مشيئة العباد هي تحت مشيئة الله، لا أن مشيئة العباد حاكمة على مشيئة الله تبارك وتعالى كما يقول محمد أمين شيخو وعبد الهادي الباني وأتباعهما. وهذا الذي يحكم به العقل قطعًا لأنه لو كان يحصل في ملك الله شىء غصبًا عن مشيئة الله لكان الله تبارك وتعالى مقهورًا عاجزًا وتعالى الله عن ذلك، فعلى قول هؤلاء الضالين المحرّفين إن الله تبارك وتعالى خلق العباد فأعطاهم القدرة والمشيئة فغلبوه في ملكه وأجروا فيه عكس ما شاء وأراد وقدّر، فجعلوا الله تعالى كما قيل في المثل أدخلته داري فأخرجني منها فعلى قولهم الفاسد إن الله تعالى عاجز عن إنفاذ مشيئته في ملكه، فأقبح برأيٍ غايته نسبة الجهل والعجز إلى الله تعالى.
وقد بيّن لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم نصًّا وتصريحًا أن كل ما يوجد من خير وشر إنما هو بمشيئة الله عزّ وجلّ فقال فيما رواه أبو داود والبيهقي بإسناد صحيح: "ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن"، وهي كلمة أطبق عليها المسلمون كبيرهم وصغيرهم وشاعت وانتشرت بين العالِم منهم والجاهل وبين الشبّان والعجائز، ولذلك نصّ الطحاويّ على أن هذا القول إجماع بين المسلمين فقال في عقيدته المشتهرة في الشرق والغرب: "يهدي مَن يشاء ويعصم ويعافي فضلاً ويضل من يشاء ويَخذل ويبتلي عدلاً وكلهم يتقلبون في مشيئته بين فضله وعدله" اهـ.
وقد قال ربنا تبارك وتعالى: {وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} [سورة الأنفال/24] وقال تعالى: {أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (83)} [سورة مريم] وقال سبحانه: {خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ} [سورة البقرة/7]

وقال تعالى: {وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ} [سورة الأنعام/25] وقال سبحانه: {نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمًا} [سورة ءال عمران/178] وقال: {سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (44)} [سورة القلم] وقال أيضًا: {كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ} [سورة الأنعام/108] ومعلوم من هذه الآيات وما في معناها أن الله لم يفعل ما أخبر عنه من الحول بين الكافر والإيمان ومن إرسال الشياطين والختم والطبع والغشاوة والأكنة والإملاء والاستدراج والتزيين إرادة للخير بهم في دينهم ولا ليزيدهم قربة إليه وإنما فعل ما فعل من ذلك إرادة الشر بهم وليزيدهم بُعدًا منه وفي هذا أبين دليل على أن الشر كما الخير يحصلان بمشيئة اللهِ تعالى وخلقه.
فالعبد لا يخلق شيئًا من أعماله وإنما الذي يخلقها أي يبرزها من العدم إلى الوجود هو الله تعالى وحده، وليس للعبد إلا الكسب أي أن العبد يوجه إرادته ـ التي هي مخلوقة أيضًا ـ إلى الفعل فيخلقه اللهُ عند ذلك،
فالكسب من العبد وليس الخلق إلا من الله تبارك وتعالى كما قال سبحانه: {هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} [سورة يونس/22] وكما قال تعالى: {قَالُواْ رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا} [سورة البقرة/250] وقوله جلّ وعزّ: {سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ} [سورة ءال عمران/151] وقوله: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ} [سورة الأنفال/17] وقوله: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى} [سورة الأنفال/17] وقوله: {ءَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (64)} [سورة الواقعة] فسلب عن العبيد فعل القتل والرمي والزرع مع مباشرتهم إياه وأثبته لنفسه سبحانه ليدل بذلك على أن خروج القتل والرمي والزرع من العدم إلى الوجود هو بإيجاده سبحانه واختراعه وخلقه وتقديره وإنما وُجِدَ من عباده مباشرة تلك الأفعال بقدرة حادثة أحدثها الخالقُ على ما أراد، فهذه الأمور كَسْبٌ من العباد لكنها ليست خلقًا إلا من الله تعالى كما قال ربنا عزَّ وجلَّ: {واللهُ خلقَكُم وما تعملون} [سورة الصافات/96] وبيان ذلك أيضًا في حديث ابن حبان وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله خالق كل صانع وصنعته" قال البيهقي في كتاب القدر:
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو بكر محمد بن الهيثم المطوّعي ببخارى، حدثنا محمد بن يوسف الفرَبري قال: سمعت أبا عبد الله محمد بن إسماعيل (أي الإمام البخاري) يقول: أفعال العباد مخلوقة، حدثنا عليّ بن عبد الله قال: حدثنا مروان بن معاوية قال: حدثنا أبو مالك، عن ربعيّ بن حراش، عن حذيفة قال: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: "إن الله يصنع كل صانع وصنعته"، وهذا (أي إثبات الخلق لله والكسب للعبد) هو ما يدل عليه أيضًا حديث الصحيحين عن سهل بن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم خيبر: "لأعطِينّ هذه الراية رجلاً يفتح الله على يديه" ثم أعطاها عليّ بن أبي طالب وقال له "على رِسلك انفذ حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام فأخبرهم بما يجب عليهم
15 16 17 18
 
[حجم الصفحة الأصلي: 24.92 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 24.30 كيلو بايت... تم توفير 0.62 كيلو بايت...بمعدل (2.49%)]