عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم 03-06-2009, 03:55 AM
الصورة الرمزية أم عبد الله
أم عبد الله أم عبد الله غير متصل
مراقبة الملتقيات
 
تاريخ التسجيل: Feb 2009
مكان الإقامة: أبو ظبي
الجنس :
المشاركات: 13,882
الدولة : Egypt
افتراضي رد: لحوم العلماء مَسمُومَة

مكانة اللسان وخطورته
ولْنقِفْ وقفة ً لا بد منها في هذا المقام ، للتنبيه إلى خطورة اللسان ؛ لأننا قد تمادينا في التساهل بأمره ، والغفلةِ عن صونه من الزّلل . وَلْنُوطَّئ لذلك بإشارة إلى فضل نعمة اللسان ، تلك الجارحة التي امتنَّ الله بها علينا ، وإنّ مما يدل على عِظم شأنها ما حكاه الله - تعالى- عن موسى - عليه السلام-: من قوله : { واحْـلُلْ عقدة من لساني يفقهوا قولي } . [ سورة طه ، الآية : 27]
ويقول { ولا ينطلق لساني }، [سورة الشعراء ، الآية : 13]
وقوله عن أخيه هارون: { هو أفصح مني لسانا } .[ سورة القصص ، الآية: 34 ]
ويقول- سبحانه - ممتنا على عبده:{ ألم نجعل له عينين ، ولسانا وشفتين }. [سورة البلد ، الآية : 8 ]
وعندما نتأمل – مثلاً – حال المحروم من هذه النعمة ألا وهو ( الأبكم ) ؛ فإننا ندرك – عقلياً – عِظَمَ هذه المنة الإلهية : هل يستطيع الأبكم أن يُعبر عما في نفسه ؟!
إنه عندما يُريد التعبير عن شيء فإنه يستخدم كثيراً من أعضائه ، ومع ذلك لا يشفي نفسه، ولا يبلغ مراده ، وإنْ بلغه فبشق الأنفس .
إذن ، فنعمة اللسان من أجلَّ النعم،ومن أكبر المنن الإلهية علينا. فهل حافظنا عليها ؟هل استخدمناها في الخير وجنبناها الزور والواقعية في أعراض العلماء وغير العلماء ؟
إن النصوص تدل على خطورة أمر هذه الجارحة ، وفداحة الخسارة الناجمة عن التهاون في حفظها ، قال الله – تعالى – في شأن الإفك : { إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم } .[ سورة النور ، الآية :15 ]
وقال – تعالى – في المنافقين : {فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد } .[سورة الأحزاب ، الآية : 19 ]
وقال– تعالى - :{ يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم وتصِفُ ألْسِنَتُهم الكذب أنَّ لهم الحسنى } . [ سورة الفتح ،الآية :11]
ولذلك جاء الأمر بحفظ اللسان ، والتحذير من إطلاق العنان له :
{ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا } .[سورة الأحزاب ، الآية : 70 ]
{ ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد } .[سورة ق ، الآية 18]
{ ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا } . [ سورة الإسراء ، الآية : 36 ]
وفي الحديث الذي رواه الترمذي:(( وهل يكبُّ الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم )).[1]
ويقول الرسول (صلى الله عليه وسلم) في الحديث المتفق على صحته : (( من يضمن لي ما بين لحييه وما بين فخذية ؛ أضمن له الجنة )). رواه البخاري
إن كثير من الناس - وبخاصة الطيبون المستقيمون - يضمنون ما بين الفخذين، وهذه نعمة عظيمة، وفّقهم الله- تعالى – إليها .
ولكن ... هل نحن نضمن ما بين اللحيين؟هل يمر علينا يوم بدون أن نقع في عرض مسلم ،عالماً كان أو غير عالم ؟! ليحاسب ْ كلُّ امرئ نفسه، وليناقشها في ذلك الأمر الخطير ؛ لكي نصحح أوضاعنا في هذا الجانب ؛ امتثالاً لقول الرسول (صلى الله عليه وسلم): (( المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)).متفق عليه ؛
وحذراً من الوعيد في مثل قوله عليه الصلاة والسلام : (( إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها، يزل بها إلى النار أبعد ما بين المشرق والمغرب )). متفق عليه
وما أحكم قول الشاعر :
يُصاب الفتى من عثرةٍ بلسانه ******* وليس يصاب المرء من عثرة الرجل
فعثرته في القول تذهب رأسه ******* وعثرته بالرجل تبــــرأ على مهـــــل


وقول الآخر :
احـفظ لسانـك أيهـا الإنـــسان ******** لا يـــلـدغــنـك إنه ثـعـبانُ
كم في المقابر من قتيل لسانه ******** كانت تهاب لقاءه الشجعانُ
وقول الآخر :
الصمت زين والسكوت شجاعة ****** فإذا نطقت فلا تكن مكثاراً
فـإذا نـدمـت على سكوتك مـــرة ****** فلتندمن على الكلام مراراً
قال حاتم الأصم:( لو أن صاحب خبر جلس إليك ليكتب كلامك ؛ لاحترزت منه،وكلامك يعرض على الله- جل وعلا- فلا تحترز).

* وههنا أمر لابد من إبرازه :
لئن كانت غيبة العلماء من أشد وأقبح أنواع الغيبة ، فإن هذا لا يعني أن لحوم غيرهم من الناس مباحة ، بل هي محرمة كذلك ؛ قال تعالى : { ولا يغتب بعضكم بعضاً أيُحبّ أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه }. [سورة الحجرات ، الآية : 12 ]
وقال– سبحانه -{ والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبيناً }. [ سورة الأحزاب ، الآية : 58]
ويقول(صلى الله عليه وسلم) مبيناً ذلك:(( كل المسلم على المسلم حرام : دمه وعرضه وماله ))رواه مسلم.
وقال (صلى الله عليه وسلم) في حجة الوداع: (( إن دمائكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم ، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا..ألا هل بلغت)). متفق عليه.
وقال عليه الصلاة والسلام : (( أتدرون ما الغيبة؟ قالوا : الله ورسوله أعلم ! قال : ذكرك أخاك بما يكره !! قيل : أ رأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال : إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته)). رواهمسلم.
وفي سنن أبي داوود عن أنس - رضي الله عنه – قال : قالَ رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(( لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس ، يخمشون وجوههم وصدورهم . فقلت من هؤلاء يا جبريل؟ قال : هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم ))[2]. فكيف بالذي يقع في أعراض العلماء؟ ! أنه انتهاك بشع
ولابن القيم - رحمه الله- كلام نفيس في هذا المعنى ، خليقٌ أن يكتب بماء العيون ؛ لأنه ينطبق بدقة على حال كثير من طلاب العلم ، يقول :( وكم ترى من رجل متورع عن الفواحش والظلم ولسانه يفري في أعراض الأحياء والأموات ولا يبالي ما يقول ).
*******************

بعد هذه المقدمات المهمة ندلف إلى صلب الموضوع، وأول قضية سنبحثها هي :

أسباب أكل لحوم العلماء
1- الغَيرَة والغِيرة :
أما الغَيرَة –بالفتح - فهي محمودة ، وهي أن يغار المرء وينفعل من أجل دين الله، وحرمات الله - جل وعلا- لكنها قد تجر صاحبها – إن لم يتحرز- شيئا فشيئاً حتى يقع في لحوم العلماء من حيث لا يشعر .
وأما الغِيرَة – بالكسر- فهي مذمومة وهي قرينة الحسد،والمقصود بها هو : كلام العلماء بعضهم في بعض من ( الأقران ) . قال سعيد بن جبير: ( استمعوا لعلم العلماء ، ولا تصدقوا بعضهم على بعض،فوالذي نفسي بيده لهم أشد تغايراً من التيوس في ضرابها ) . أي : استفيدوا من علم العلماء ،ولكن لا تصدقوا كلام العلماء بعضهم على بعض ، من الأقران.
ولذلك قال الذهبي:(كلام الأقران بعضهم في بعض لا يعبأ به،لاسيما إذا كان لحسدٍ أو مذهب أو هوى)

2- الحسد :
والحسد يُعْمي ويُصمّ ، ومنه التنافس للحصول على جاه أو مال، فقد يطغى بعض الأقران على بعض ، ويطعن بعضهم في بعض ؛ من أجل القرب من سلطان ، أو الحصول على جاه أو مال.

3- الهوى:
إن بعض الذين يأكلون لحوم العلماء لم يتجردوا لله – تعالى –وإنما دفعهم الهوى، للوقوع في
أعراض علماء الأمة . و اتباع الهوى لا يؤدي إلى خير ، قال - تعالى- : { ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله } . [سورة ص ، الآية : 26 ]
وقال – سبحانه - :{ فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم }. [ سورة القصص ، الآية : 50 ]
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية : ( صاحب الهوى يُعْميه الهوى ويُصمه ).
وكان السلف يقولون: ( احذروا من الناس صنفين، صاحب هوى قد فتنه هواه ، وصاحب دنيا أعمته دنياه ).

4 - التقليد:
لقد نعى الله – تعالى – على المشركين تقليدهم آباءهم على الضلال : { إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون }. [ سورة الزخرف ، الآية : 22 ]
والتقليد ليس كلُّه مذموماً ، بل فيه تفصيل ذكره العلماء . ولكنني في هذا المقام أُحذر من التقليد الذي يؤدي إلى نهش لحوم العلماء ، فإنك - أحياناً - تسمع بعض الناس يقع في عرض عالم، فتسأله: هل استمعت إلى هذا العالم؟فيقول : لا والله . فتقول : إذن كيف علمت من حاله وأقواله كذا وكذا؟! فيقول: قاله لي فلان.[3] هكذا يطعن في العالم تقليداً لفلان ، بهذه السهولة ، غير مراعٍ حرمة العالم .
قال ابن مسعود:( ألا لا يقلدنا أحدكم دينه رجلاً إن آمنَ آمن ، وإن كفرَ كفر ، فإنه لا أسوة في الشر).
وقال أبو حنيفة: ( لا يحلُّ لمن يُفتي من كُتُبي أن يُفتي حتى يعلم من أين قلتُ ).
وقال الإمام أحمد: ( من قِلة علم الرجل أن يقلِّد دينه الرجال ).

5 - التعصب:
من خلال سبري لأقوال الذين يتحدثون في العلماء – و بخاصة طلاب العلم و الدعاة – تبين لي أن التعصب من أبرز أسباب ذلك . والباعث على التعصب هو الحزبية ، الحزبية لمذهب أو جماعة أو قبيلة أو بلد ، الحزبية الضيقة التي فرقت المسلمين شيعاً، حتى صدق على بعضهم قول الشاعر :
وهل أنا إلا من غُزية إن غوت ****** غويت إن ترشد غزيةُ أرشد
سمعت أن بعض طلاب العلم يتكلمون في بعض العلماء ، وفجأة تغير موقفهم، وصاروا يثنون عليه ؛ لأنهم سمعوا أن فلاناً يثني عليه ؛ فأثنوا عليه ، وسبحان الله مغير الأحوال .
إذا ضل من يتعصبون له ؛ ضلوا معه، وإذا اهتدى للصواب ؛ اهتدوا معه . لقد سلَّم بعض الطلاب والدعاة عقولهم لغيرهم ، وقلدوا في دينهم الرجال .
* ولقد رأينا قريباً من ينتصر لعلماء بلده ، ويقدح في علماء البلاد الأخرى، سبحان الله ! أليست بلاد المسلمين واحدة ! أليس هذا من التعصب المذموم ! أليس من الشطط أن يتعصب أهل الشرق لعلماء الشرق ، وأهل الغرب لعلماء الغرب ، وأهل الوسط لعلماء الوسط ! .
إن هذا التعصب مخالف للمنهج الصحيح، الذي يدعونا إلى أن نأخذ بالحق مهما كان قائله ، ولهذا قال أبو حامد الغزالي في ذم التعصب:( وهذه عادة ضعفاء العقول ؛ يعرفون الحق بالرجال،لا الرجال بالحق ).


6 – التعالم :
لقد كثر المتعالمون في عصرنا ، وأصبحت تجد شاباً حدثاً يتصدر لنقد العلماء، و لتفنيد آرائهم وتقوية قوله ، وهذا أمر خطير ؛ فإن منْ أجهل الناس منْ يجهل قدر نفسه ، ويتعدى حدوده .

7- النفاق وكره الحق :
قال الله – تعالى - عن المنافقين :{ في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا }.[سورة البقرة ، الآية : 10 ]
{ وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنُؤمِن كما آمن السفهاءُ ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون} [سورة البقرة ، الآية 13 ] .
{ وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون }[سورة البقرة ،الآية : 14 ] .
* إن المنافقين الكارهين للحق؛من العلمانيين ، والحداثيين، والقوميين، وأمثالهم من أقوى أسباب أكل لحوم العلماء؛ لما في قلوبهم من المرض والبغض للحق وأهله .
ومن المؤسف الممضّ أنني استمعت في مجلس من المجالس إلى أحد هؤلاء ، المنافقين يستطيل في أعراض العلماء، فقلده بعض الطيبين من حيث لا يشعر، ووافقه على ما يقول ، حتى رُد عليه في ذلك المجلس .
إن العلمانيين الآن يتحدثون في علمائنا بكلام بذيء ، يعفُّ القلم عن تسطيره ، مما يدُلّ على ما في قلوبهم من الدغل ، ومعاداة ورثة الأنبياء ؛ وما يحملونه من الحق .

8- تمرير مخططات الأعداء كالعلمنة ونحوها:
أدرك العلمانيون - أخزاهم الله – أنه لا يمكن أن تقوم لهم قائمة، والعلماء لهم وشأن هيئة وهيبة في
البلد فأخذوا في النيل من العلماء، وشرعوا في تشويه صورة العلماء، وتحطيم قيمتهم، بالدس واللمز، والافتراء والاختلاف . لا أقول هذا جزافاً ولا رجماً بالغيب ، ولكن هو ما نقله إلينا الثقات من العلمانيين ،من كلام في العلماء لا يقبله عقل العاميّ ، فضلاً عن طالب العلم .

وسيأتي مزيد بيان وتوضيح لهذه القضية قريباً .
*******************

[1] - رواه الترمذي وصححه الألباني في إرواء الغليل .

[2] - رواه أبو داود وقال الألباني صحيح ( صحيح الجامع 5/ 51 ) .

-[3] وليس المراد أن فلاناً نقل له كلامه – فهذا هو السند وهو مصدر صحيح إذا كان الناقل ثقة ، ولكن المراد أن فلاناً سبّه وقدح فيه ، فسبه تبعاً له دون تبين .


رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 28.21 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 27.59 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.23%)]