رد: يا ربّ جئتك (( إليّ وإلى كلّ عاص ٍ لله تعالى أسأله أن يتوب علينا)
يا أمان الخائفين سبحانك ما أحلمك على من عصاك وما أقربك ممـّن دعاك وما أعطفك على من سألك وما أرأفك بمن أمـّلك، من الذي سألك فحرمته، ومن الذي فرّ إليك فطردته أو لجأ إليك فأسلمته ، أنت ملاذنا ومنجانا فلا نعول إلا عليك ولا نفر من خلقك ومنك إلاّ إليك يا أمان الخائفين ،أخي ما لي أراك في الذنوب تعجل، وإذا زجرت عنها لا تقبل ،ويحك انتبه لقبح ما تفعل لأنّ الأيام في الآجال تعمل ، تفكـّر في الدّنيا وحقارتها وقلّة وفائها وكثرة جفائها وخسّة شركائها وسرعة انقضائها تفكّر في أهلها وعشـّاقها وهم صرعى حولها قد عذبتهم بأنواع العذاب وأذاقتهم أمرّ الشـّراب أضحكتهم قليلاً وأبكتهم طويلاً ، سقتهم كؤوس سمـّها بعد كؤوس خمرها فسكروا بحبـّها وماتوا بهجرها .
ذكر ابن قدامه في كتابه التوابين :
حُكي أنّ رجلاً كان يعرف بدينار العيّار ، وكان له والدة ٌ صالحة تعظه وهو لا يتـّعظ ، فمرّ في بعض الأيام بمقبرة ، فأخذ منها عظما ، فـتفتـّت في يديه ، ففـّكر في نفسه وقال : ويحك يا دينار كأنـّي بك وقد صار عظمُك هكذا رفاتاً ( حطاماً وفتاتاً ) والجسم ترابا فندم على تفريطه وعـَزَم على التـّوبة ، ورفع رأسه إلى السّماء وقال : إلهي وسيـّدي ألقيتُ إليك مقاليد أمري فاقبلني وارحمني ، ثمّ أقبل نحو أمـّـَه متغيّر اللون منكسرَ القلب فقال : يا أمّاه ما يُصنع بالعبد الآبق ( الهارب ) إذا أخذه سيـّدُه ؟ قالت : يُخشّنُ ملبسُهُ ومطعمـُهُ وتـُغـَلّ يدُه وقدميه ، فقال أريد جـِبـّةً من صوفٍ وغِلّيْن) قيدين) وافعلي بي كما يـُفعل بالعبد الآبق لعلّ مولاي يرى ذلّي فيرحمني .
ففعلت به ما أراد فكان إذا جنَّ عليه اللـّيل أخذ في البكاء والعويل يقول لنفسه : ويحك يا دينار ألك قوة على النـّار ؟ كيف تعرضت لغضب الجبار!! ولا يزال كذلك إلى الصبـّاح ، فقالت له أمـّه يا بني ارفق بنفسك فقال : دعيني أتعب قليلا لعلـّي أستريح طويلا!!! يا أمـّاه إنّ لي غداً موقفاً طويلاً بين يدي ربٍّ جليل ولا أدري أيأمرُ بي إلى ظلّ ظليل أم إلى شرّ مقيل ) مكان القيلولة)
قالت : يا بني خذ لنفسك راحةً ، قال : لست للرّاحة أطلب ، كأنـّكِ يا أمـّاه غداً بالخلائق يساقون إلى الجنـّة وأنا أساق إلى النـّار مع أهلها ، فترَكَتْه وما هو عليه فأخذ بالبكاء والعبادة وقراءة القرآن،
فقرأ في بعض الليالي قوله تعالى " فوربّك لنسألنّهم أجمعين * عمـّا كانوا يعملون " الحجر 92-93
ففـّكر فيها وجعل يبكي حتـّى غشي عليه، فجاءت أمـّه إليه ، فنادته ، فلم يجبها ، فقالت له : يا حبيبي وقرّةُ عيني أين الملتقى ؟ فقال بصوتٍ ضعيف : يا أمـّاه إن لم تجديني في عرصات ( الساحة أو البقعة الواسعة القيامة ) فاسألي مالكا خازن النـّار عني، ثمّ شهق شهقةً فمات رحمه الله فغسلته أمـّه وجهـّزته ، وخرجت تنادي : أيـّها النـّاس هلمـّوا إلى الصّلاة على قتيل النـّار ، فجاء النـّاس من كل جانب فلم يـُر أكثر جمعاً ولا أغزر دمعاً من ذلك اليوم، فلمـّا دفنوه نام بعض أصدقائه تلك الليلة فرآه يتبختر في الجنـّة وعليه حلـّةٌ خضراء وهو يقرأ الآية " فوربّك لنسألنـّهم أجمعين * عمـّا كانوا يعملون " ، ويقول : وعزّته وجلاله ، سألني ورحمني وغفر لي وتجاوز عنـّي، ألا أخبروا عنـّي والدتي بذلك .
رحمك الله يا دينار وجعل لنا فيك وأمثالك قدوة.
لا إله إلا الله ماتت قلوب الكثير..ألم يـُعرف ربـّنا ولم يؤدَّ حقه ، ألم يقرأ القرآن ولم يعمل به ،ألم يـُدّعى عداوة الشـّيطان وهناك من والاه ، ألم يدّعى حبّ الرسول وترك أثره وسنـّته ، ألم يدّعى حبّ الجنـّة ولم يعمل لها، ألم يدعى خوف النـّار ولم ينتهَ عن الذنوب ، ألم يدعى أنّ الموت حقّ ولم يـُستعد له ، ألم نـُشغل بعيوب غيرنا وتركنا عيوب أنفسنا ، ألم يؤكل رزق الله ولم يشكر ،ألم يدفن الموتى ولم نعتبر، أخي يا من لا يُرى من توبته إلا الوعود، فإذا تاب فهو عن قريب يعود ،أرضيت بفوات الخير والسّعود ، أأعددت عدّة لنزول الأخدود ،أما علمت أن الجوارح من جملة الشهود ، تالله أن حوض الموت عن قريب مورود ، والله ما الزّاد في الطريق بموجود ، والله إنّ القيامة تشيب المولود ، وأنّ العمر محسوب ومعدود ، والوجوه غداً بين بيض وسود .
قال تعالىيَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ) (106) (وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (آل عمران:107)
فنسألك يا ربـّنا أن تبيّض وجوهنا يوم تبيضّ وجوه وتسودّ وجوه.
إلهي جلـّت ذاتك عن أن تدركها أبصارنا ، وجلـّت أفعالك عن أن تدرك تمام حكمتها أفهامـُنا ، وجلـّت ألوهيـّتك عن أن تقوم بحقها عبادتـُنا ، وجلـّت نعمتك عن أن تقوم بشكرها جوارحنا ، وجلـّت عظمتك عن أن تخشع لها حقّ الخشوع قلوبـُنا، نعوذ بك منك ونفر منك إليك لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك.
إلهي :وعزّتك ما عصيناك اجتراء على مقامك ولا استحلالاً لحرامك ولكن غلبتنا أنفسنا وطمعنا في واسع غفرانك!!
فلئن طاردنا شبح المعصية، لنلوذنّ بعظيم جنابك.
ولئن استحكمت حولنا حلقات الإثم لنفكنـّها بصادق وعدك في كتابك .
ولئن أغرى الشـّيطان نفوسنا باللذة حين عصيناك فليغرينّ الإيمان قلوبنا بما للتائبين من فسيح جناتك !!
إلهي :إن كنت لا ترحم إلاّ المجتهد في طاعتك ، فإلى أين يلتجئ المخطئون؟!!
وإن كنت لا تكرم إلاّ أهل الإحسان فماذا يصنع المسيئون؟!!
وإن كان لا يفوز يوم الحشر إلا المتـّقون، فكيف يستغيث المذنبون؟!!
إلهي :فعاملنا بما أنت به أهله .
إلهي :إن طردتني عن بابك فإلى باب من ألتجئ وان قطعتني عن خدمتك فخدمة من أرتجي؟!!
إلهي :إن عذبتني فإني مستحق العذاب والنـّقم ، وإن عفوت عني فأنت أهل الجود والكرم، يا سيدي : لك أخلص العارفون ، وبفضلك نجا الصالحون ، وبرحمتك أناب المقصـّرون، يا جميل العفو أذقني برد عفوك وحلاوة مغفرتك، وإن لم أكن أهلاً لذلك فأنت أهل التقوى وأهل المغفرة!!
أخي العاصي أسأل نفسك هذا السؤال :
قال ابن رجب: قال رجل لآخر هل أذنبت ذنباً قال: نعم، قال :فعلمت أنّ الله كتبه عليك قال: نعم ، قال: فأعمل حتى تعلم أن الله قد محاه عنك .
إذاً قف ذليلاً خاشعاً تناجي ربك وتذكر ذنوبك السالفات و تحسر على أيـّامك الماضيات
وآ حسرتاه على أصحاب لم ينفعوا، وآحسرتاه على أحباب لم يشفعوا!!
يا حسرتاه يوم طالّ السهر!! يا حسرتاه فلم أعدّ زاداً للحفر .
يا حسرتاه على عمر مضى، وزمان ولـّى وانقضى، ولم أتقّ حرّ لظى!!
يا حسرتاه إذا كشف الدّيوان، بخطيئة اللسان وزلات الجنان وقبيح العصيان!!
يا حسرتاه إذا وُضع الكتاب ونشر ما فيه من خطأ وصواب، وعرض الشـّباب!!
يا حسرتاه على صلاة أضعتها!! يا حسرتاه على زكاة منعتها!!
يا حسرتاه على أيام أفطرتها !! يا حسرتاه على أوقات أهدرتها!!
يا حسرتاه على ذنوب أرتكبتها !! يا حسرتاه على فواحش اقترفتها!!
يا حسرتاه يوم لم يلهج لساني بذكرك ، يا حسرتاه يوم لم تقم جوارحي بشكرك!!
يا حسرتاه يوم يفوز الصالحون بالدّرجات !! يا حسرتاه يوم يهوي الظالمون في الدّركات!!
|