بك أستجير ومن يجير سواكا *** فأجر ضعيفا يحتمي بحماك
إنـّي ضعيف أستعين على قوي *** ذنبي ومعصيتي ببعض قواكا
أذنبتُ يا ربـّــــي وآذتنـــــي ذنــــوب *** ما لهــــا من غافر إلاّكــــا
دنيـــاي غرّتني وعفوك غـــــرني *** ما حيلتـــــي في هذه أو ذا كا
هيا أيـّها التـّائبون رياح الأسحار تحمل أنيناً ، وظلمات الليل وضوء النـّهار ترتفع بأنفاسكم؟!!
كان الأمير " موسى بن سليمان الهاشمي " من أنعم أبناء أبيه عيشاً " ، وأرخاهم بالاً ، يعطى نفسه مرادها من جميع اللـّذات!!، وكان شاباً جميلاً وسيماً ، مع ثرائه الواسع وغناه الوافر يجرى عليه من ضياعه وعقاراته كلّ عام قرابة ثلاثة ملايين وثلاثمائة ألف درهم ، وكانت له قبـّة على موضع عال، يجلس فيها بالعشيـّات ينظر إلى النـّاس، وإلى بساتينه وأراضيه، ومعه في القبّة ندماؤه وأصدقاؤه، والمجامر منصوبة لا ترفع عن البخور، وقد وقف على رأسه الخدم بأيديهم المراوح، ووقف المغنيات والرّاقصات بحذائه في مجلس خارج القبة يراهنّ ، فإذا نظر عن يمينه رأى نديماً قد اصطفاه،وإن نظر عن يساره رأى أخا وصفيـّاً قد اجتباه، وإن رفع طرفه نظر إلى خدم قيام قد اختارهم ، فإن تكلـّم سكتوا ، وإن قام قاموا، هذا دأبه وحاله إلى أن يذهب الليل ويذهب عقله ، فيخرج النـّدماء ويخلو مع الوصفاء والمغنيات، فإذا أصبح اشتغل بالنـّظر إلى لعـّابين بين يديه بالنـّرد والشطرنج ، لا يذكر بين يديه موت ولا سقم ولا مرض، فبينما هو في قبـّته تلك ذات ليلة وحوله الندماء والوصفاء ، وقد مضى بعض الليل، إذ سمع نغمة من حلق ندي شجي ، خلاف ما يسمع من مطربيه، فأخذت بمجاميع قلبه، وسلبت فؤاده ، فأشار إلى من حوله: أن اسكتوا، وأخرج رأسه من نافذة يتسمع الصّوت الذي وقع بقلبه ، ثمّ صاح بغلمانه : اطلبوا صاحب هذا الصوت، فخرج الغلمان يطوفون فإذا هم بشاب نحيل الجسم، أشعث الرأس، حافي القدمين قائم في المسجد يناجي ربـّه ويصلي ويقرأ القرآن ، فأخذوه وأدخلوه على الأمير، وأخبروه أنـّهم وجدوه في المسجد قائماً يصلي !! فقال الأمير لذلك الشاب : ما كنت تقرأ؟ !! قال : كلام الله !! قال : فأسمعني بتلك النغمة، فقرأ الشاب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم [ إن الأبرار لفي نعيم .. إلى قوله : يشرب بها المقربون] ..ثمّ قال له : أيها الأمير المغرور، إنـّها خلاف مجلسك وفرشك، إنها أرائك مفروشة بفرش مرفوعة [ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ .. ، } على رفرف خضر وعبقري حسان .. ، يشرف وليّ الله منها على عينين تجريان في جنـّتين [ فيهما من كل فاكهة زوجان ..][ لا مقطوعة ولا ممنوعة]في ظلال وعيون.. ].. أكلها دائم وظلـّها تلك عقبي الذين اتقوا وعقبي الكافرين النـّار ][لا يفتـّر عنهم وهم فيه مبلسون ] ، [ في ضلال وسعر يوم يسحبون في النـّار على وجوههم ذوقوا مس سقر ] ، [يودّ المجرم لو يفتدي من عذاب يؤمئذ ببنيه] .. وهم في جهد جهيد وعذاب شديد ، ومقت من ربّ العالمين!!
فقام الأمير الهاشمي من مجلسه، وعانق الشاب وبكى ، وصاح بندمائه: انصرفوا عنـّي، وخرج إلى صحن داره، وقعد على حصير ، مع ذلك الشـّاب ينوح ويبكي على شبابه وذنوبه الماضيات، والشاب يعظه وينصحه إلى أن أصبح وقد عاهد إلى الله إلاّ يعود إلى المعاصي أبداً ،ثمّ ردّ المظالم إلى أهلها، وأعتق عبيده وجواريه وتصدّق بالكثير من أمواله، ثمّ اجتهد في العبادة ، فكان يصوم النـّهار ويقوم الليل، حتـّى كان إخوانه الصالحون يعاتبونه ويقولون له: أرفق بنفسك فإنّ المولى كريم ، يشكر اليسير ، ويثيب على الكثير ، فكان يقول لهم: يا قوم أنا أعرف بنفسي إنّ جرمي عظيم ،فقد عصيت مولاي بالليل والنـّهار، وكان يبكي كثيراً ، ثمّ إنـّه خرج إلى البيت الحرام حاجـّاً وكان يدخل الحجر بالليل ينوح على نفسه ويقول : سيدي لم أراقبك في خلواتي، سيدي ذهبت شهواتي وبقيت تبعاتي وحسراتي فالويل لي يوم ألقاك، والويل كلّ الويل من صحيفتي إذا نشرت مملوءة من فضائحي وخطاياي، بل حلّ بي الويل من مقتك إيايّ وتوبيخك لي في إحسانك إليّ ومقابلتي نعمتك بالمعاصي، وأنت مطـّلع على أفعالي، سيـّدي إني لا أستحق أن أسألك الجنـّة ، بل أسألك بجودك وكرمك وتفضلك أن تغفر لي وترحمني، فإنك أهل التقوى وأهل المغفرة.
قال " محمد بن السماك" : فبينما أنا ذات ليلة في الطواف إذ سمعت نغمته وبكاءه، فحرّكني وأقلقني فاقتربت منه وسألته، فعرفني وحكى لي قصة توبته، ثمّ أخذني معه إلى غرفته وقال لي: ما زلت متشوقاً إلى لقائك حتى تداوي جرحي بمرهم كلامك، فقلت له: اجعل الموت نصب عينيك ، واعلم أن بين يديك عقبة عليها المسلك غداً ، لا يقطعها إلاّ الورعون عن محارم الله تعالى، فأعدّ العدّة والجواب فإنـّك قادم لا محالة على أحكم الحاكمين وديـّان يوم الدّين ، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، وهو (أي الهاشمي) في كل منصت يسمع ثمّ أطرق شبه المفكر، فقمت من عنده وخرجت فلمـّا أصبح الصـّباح، تصرفت في حوائجي فدخل على وقت الظهر وأنا في الطواف ، وإذا النـّاس يتراكضون نحو باب الصـّفا، فقلت: ما الخبر قالوا : جنازة غريب، فخرجت وصلـّيت على تلك الجنازة وقلقت على صاحبي الهاشمي فذهبت فوري، إلى تلك الدار وسألت عنه فقالوا: آجرك الله، ألم تشهد جنازته، ألست صاحبه البارحة، قلت: نعم قالوا: إنـّك لم خرجت من عنده لم يزل يقول: فؤادي ، فؤادي ذنبي ذنبي إلى أن مضى عامـّة الليل وهو يبكي ثمّ سكن فلمـّا أصبح أنبهناه للصـّلاة فإذا هو فارق الدّنيا، ولم يشهد خروج روحه أحد ولم يغمض.
فقلت لهم: وهل عرفتموه؟ قالوا: لا، كان غريباً من الحجاج نزل عندنا، ما رأينا ولا سمعنا بمثله، نهاره صائم لله تعالى وليله قائم يصلي ، ويبكي وينوح على نفسه كأنّ ذنوب العباد هو المطالب بها. [ من كتاب التوابين لابن قدامة]
يا باغي الخير أقبل فالباب غير مقفل ؛ يا من أذنب وعصى وأخطأ وعتا ، يا من بقلبه من الذنوب جروح ، تعال فالباب مفتوح، والكرم يغدو ويروح، يا من ركب مطايا الخطايا تعال إلى ميدان العطايا، يا من اقترفوا فاعترفوا لا تنسوا } قل يا عبادي الذين أسرفوا ** يا من بذنب باء وقد أساء تذكـّر(( يا بن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثمّ استغفرتني غفرت لك ولا أبالي( من حديث طويل صحيح)
التـّوبة تجب ما قبلها وتعمّ بركتها أهلها يقول صلـّى الله عليه وسلـّم: (عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النـّبي صلـّى الله عليه وسلم قال التـّائب من الذنب كمن لا ذنب له) (صححه الألباني رحمه الله تعالى) .
فهنيئاً لمن تاب وأناب قبل أن يغلق الباب،وروي عن النـّبي صلـّى الله عليه وسلـّم قال : إنّ الشيطان قال : وعزّتك يا ربّ لا أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم فقال الرّبّ تبارك وتعالى : وعزّتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني ( السلسلة الصحيحة للألباني رحمه الله تعالى)
فلنسرع عباد الله بالتـّوبة إلى الله تعالى ولنسأله العفو والعافية ولنكثر من الاستغفار .