طرفا من بعض طرق علاج مشكلات الصدر المتعلقة بالجن
وإن تعدد النصوص حول تخصيص الصدر بالضرب يشير بكل تأكيد إلى أهمية صلته بالشيطان، فقد عالج النبي صلى الله عليه وسلم المس بالتعامل مع الصدر بأساليب مختلفة، فمسح رسول الله صلى الله عليه وسلم صدره ودعا، وضرب الصدري بيده، وتفل في فم عثمان بن أبي العاص، وكذلك أخذ بمجامع ثوب طفل من أعلاه وأسفله، فجعل يضرب ظهره حتى رأي بياض إبطيه، وكذلك أتت امرأة بابن لها به جنة، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم بمنخره، وقد نظر عامر بن ربيعة إلى سهل بن حنيف فعانه، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم فاغتسل وصب ماء غسله على ظهر سهل.
المسح على الصدر للتبريك خصوصية للنبي صلى الله عليه وسلم:
فمسح الصدر مرة، فقد جاءت امرأة بابن لها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن ابني هذا به جنون، وإنه يأخذه عند غدائنا وعشائنا فيفسد علينا، فمسح رسول الله صلى الله عليه وسلم صدره ودعا، فثع ثعة( ) قال عفان: فسألت أعرابيًا فقال: بعضه على أثر بعض، وخرج من جوفه مثل الجرو الأسود وشفي.( ) وفائدة هذا المسح على الصدر خصوصية لبركة يده الشريفةصلى الله عليه وسلم ، فعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينفث على نفسه، في المرض الذي مات فيه، بالمعوذات، فلما ثقل كنت أنفث عليه بهن، وأمسح بيده نفسه لبركتها،( ) فلا نسمع عن رجل يمسح صدور الرجال والنساء لبركة مزعومة في يده، ولكن من الممكن المسح بالماء أو الزيت المقروء عليهما على الصدر رجاء بركة القرآن الكريم كبديل عن بركة يد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعلى هذا يمكن للمريض أن يستغني بيده عن يد المعالج سواء كان رجل أو امرأة، وهكذا يمكن أن نطوع النصوص بلا تحريف لمعناها أومضمونها.
مشروعية الضرب باليد:
ومن العلماء من أجاز ضرب المصروع، تأويلاً منهم لما ورد من ضرب النبي صلى الله عليه وسلم لصدر عثمان وبعض من بهم لمم، فحسب النصوص المستند إليها فالضرب كان مقيدًا باليد على الصدر أو الظهر، والوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ضرب ثلاث ضربات على الصدر، ويحتمل أنه ضرب أكثر من هذا العدد، وفي الثابت ما يغني عن المحتمل، هذا إذا توفر للضارب الحد الأدنى من اليقين بجدوى السنة وفائدتها، وهذا بأن يعلم فائدة الضرب، وأن يحدد موضع الضرب من الجسد، وكيفية وقوع الضرب، وأن يختار الوقيت المناسب للضرب، فإما أن يضعف الجن من الضرب، وإما أن يخرج كما أمره النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه ما يجب أن يتعلمه المعالج، قبل أن يستحل ضرب المريض بغير وجه حق، وإلا فهو ضامن، فعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من تطبب ولم يعلم منه طب قبل ذلك فهو ضامن).( )
قال ابن تيمية رحمه الله: (وقد يحتاج لإبراء المصروع ودفع الجن عنهم إلى الضرب فيضرب ضربًا كثيرًا جدًا، والضرب إنما يقع على الجني ولا يحس به المصروع، ويخبر بأنه لم يحس بشيء من ذلك ولا يؤثر في بدنه، ويكون قد ضرب بعصا قوية على رجليه نحو ثلاثمائة أو أربعمائة ضربة وأكثر وأقل، بحيث لو كان على الإنسي تقتله، وإنما هو على الجني، والجني يصيح يصرخ ويحدث الحاضرين بأمور متعددة. وقد فعلنا نحن هذ وجربناه مرات كثيرة يطول وصفها بحضرة خلق كثير)، ( ) ولا أنكر تأثير الضرب في الجن، هذا في بعض حالات المس وليس كلها، وعلى فرض جدوى الضرب بالطريقة التي أجازها شيخ الإسلام من قوله: (ويكون قد ضرب بعصا قوية على رجليه نحو ثلاثمائة أو أربعمائة ضربة وأكثر وأقل، بحيث لو كان على الإنسي تقتله، وإنما هو على الجني)، فمن يستحلون الضرب كوسيلة دائمة لقهر الجن استنادًا لقول شيخ الإسلام، قد فاتهم اشتراطه في جواز ضرب الجن ثلاثة شروط تفهم ضمنيًا من قوله، وهي كالآتي:
أولها: أن يقع الضرب على الجني، لا على الإنسي، لقوله: (والضرب إنما يقع على الجني) أي أن يستطيع المعالج التفريق بين حضور الجني من انصرافه، فقد يفاجئ المعالج بأن الجني فر من الضرب، وإذا بالضرب يقع على المريض.
وثانيها: أن لا يحس المريض بوقوع الضرب عليه، لقوله: (ولا يحس به المصروع)، أي أن نتأكد أن المريض فاقد لوعيه تمامًا، وأن نضمن أن لا يتنبه فجأة أثناء الضرب، فإن كان المريض متنبهًا، أو لم يستطع المعالج ضمان عدم تنبهه المريض أثناء الضرب لم يجوز له استخدام الضرب.
وثالثها: أن لا يترك الضرب أثرًا في جسد المريض، من كدمات وخدوش، لقوله: (ولا يؤثر في بدنه)، ويجب أن نضع في اعتبارنا أن لا يترك أثرًا نفسيًا سيئًا، ويتسبب للمريض في عقدة نفسية خاصة النساء.
وهناك سؤال هام؛ هل يجدي ضرب المرأة الحامل، أم تراها ستجهض جنينها؟! مقامرة أكثر منها مغامرة أليس كذلك؟! في واقع الأمر أن هذه الشروط الثلاثة لا يستطيع أن يلتزم بها أحد ممن يجيزون الضرب، ولا يملكون أي ضمانات موثقة علميًا تكفل عدم الإخلال بأي من هذه الشروط، فكلام شيخ الإسلام يؤكد أن الحالات التي عالجها بالضرب تمت وفقًا لهذه الشروط، فإن توفر هذا العلم الذي يضمن لشيخ الإسلام الوفاء بهذه الشروط، فإن هذا العلم غير متاح أمامنا في مصنفات علمية إلى الآن، وغير متوفر عند أغلب المعالجين، إن لم يكن كل من يستخدمون الضرب كوسيلة للعلاج، فقول شيخ الإسلام ينقصه بيان كيفية التأكد من توافر شروط الضرب المذكورة!
فهناك حالات أفضى فيها الضرب إلى الموت ونشرتها وسائل الإعلام، وشهروا فيها بالمعالجين وانتقدوا العلاج، وعدوه ضربًا من صنوف الدجل والشعوذة، وأعطوا بذلك سلاحًا للمخالفين لنا يتطاولون به علينا، ففي بعض الحالات يؤثر الضرب في الجن فينتقم من المعالج بقتل المريض أثناء الجلسة، خاصة في حالات (سحر الموت)، ليتحمل المعالج المسؤلية الجنائية كاملة، ليدان بعدة تهم منها (ضرب أفضى إلى الموت)، و(مزاولة طقوس الدجل والشعوذة) فطالما أن طريقته لم يشفى بها المريض من أول جلسة إذًا فهو دجال، و(ازدراء الأديان) فالمعالج يستند إلى أدلة شرعية واهية لا تروق لبالهم، وبذلك هو يستهزء بالدين ويشوه صورته، و(مزاولة مهنة بدون ترخيص) فالمعالج في نظرهم يدعي أنه طبيب يداوي الأمراض العضوية وهذا لا بد له من استخراج تصريح بمزاولة مهنة الطب من نقابة الأطباء، و(النصب والاحتيال) وإذا أخذ المعالج أجرًا عدوه مرتزق ونصاب يحتال على الناس ليأخذ أموالهم بدجله وشعوذته، و(التحرش الجنسي) فلو وضع المعالج يده على رأس امرأة ليرقيها عدوه يتحرش بها، و(هتك الأعراض) هذا إذا رمته ساحرة أو امرأة متفحشة بتهمة مواقعة أنثى بالإكراه ، فلو نجا من واحدة فلن ينجو بأي حال من التهم الأخرى، فهو صيد ثمين لكل متسلق ووصولي، فسيتأول الجميع أي تصرف من تصرفات المعالج بحسب هواه طالما لم يعترف بعلم العلاج الروحاني، أو لم تظهر عليه خوارق تلجم ألسنة الجميع وتخرسهم، فالرخصة بالضرب فتحت الباب لكل جاهل وقانط أن يستحل ضرب الناس بغير وجه حق، فيحمل عصاه وينهال بها على المرضى، فهناك شرط هام أغفله شيخ الإسلام هو (جدوى العلاج بالضرب بالعصى)، وهذا ما سنبينه لاحقًا، وإذا فرضنا أن أحد الشيطين ضرب فخرج، فمن المحال أن نضرب جنوده القابعين داخل الجسد وهم بالملايين.
الفرق بين الضرب والجلد:
وإن الضرب بالعصا والنعال وما شابه يأخذ حكم الجلد لا الضرب، لأن الجلد في اللغة (مصدره جلد بالسوط يجلده جلدًا ضربه.. ويقال: جلدته بالسيف وبالسوط إذا ضربت جلده)،( ) أي أن الجلد لابد أن يكون بشيء في اليد كالسوط والسيف والعصا وما شابه، لذلك يسمى ضارب الحد بالسيف جلادًا، و(المجلدة: قطعة من جلد تمسكها النائحة بيدها وتلطم بها وجهها وخدها)، ( ) فضرب الخد يسمى لطمًا، والضرب على قافية الرأس صفعًا، والضرب باليد مجموعة لكمًا، وضرب الصدر ودفعه لكزًا. أما الضرب الثابت في السنة كان لكزًا، أي ضربًا في الصدر باليد فقط، وليس جلدًا بشيء في يده، كالعصا والنعل والسوط، إذًا فالجلد يخالف الثابت في السنة. وهذا يعني أنه ضرب محتمل غير مؤلم ولا يترك أثرًا، أما تأثيره في الجن فليس الهدف منه إيلام الجن، ولكن هناك هدف آخر سنبينه في مكانه. وقد تبين لي بعد البحث أن الضرب بالعصي، أو الجلد بمعنى أصح من الإسرائيليات التي تسربت إلينا، فقد ورد في سفر صموئيل أن داود (أخذ العود وضرب بيده فكان يرتاح شاؤول ويطيب ويذهب عنه الروح الرديء). فدين الإسلام بريء تمامًا من استحلال الجلد أو الضرب بالعصي، وهو الذي قد يفضي إلى الموت وتعذيب المرضى.
فقد يؤدي الجلد إلى نفور المريض من العلاج، وخاصة النساء وهن أغلب المشتكين من هذا الداء، وقد يؤذي مشاعر ولي أمرها وهو يراها تضرب، ولا يستطيع مع ذلك حيلة إلا الاستسلام للأمر الواقع، عسى أن يكون الضرب مجديًا، والحقيقة أنه ينتظر الوهم والخيال، فعند إجراء الكشف على إحدى المريضات وجدتها ترتعد بعنف من تحت نقابها، وبدء جسدها يترنح حتى كاد يغشى عليها، فظننت من أول وهلة أن الجن حاضر، وبإجراء الكشف والاختبارات تبين لي أنها ترتعد خوفًا من الضرب، رغم أنه معروف عني أني لا ألجأ لضرب أي مريض، سواء كان رجلاً أو امرأة، لما يجلبه من سمعة سيئة للمعالجين، ويدعو إلى التشكك في مشروعية منهج العلاج، خاصة وأن الجلد غير مجدي، وقد يفضي إلى قتل المريض أحيانًا، وإن الجلد المجدي له أسلوب آخر تمامًا، حيث يقع في عالم الجن، وليس في عالم الإنس، بحيث لا يشترط فيه حضور الجني، ولا يجدي معه فراره، وسوف نشرحه في مكانه المناسب.
حيل الجن للإفلات من وقوع الضرب عليه:
والضرب قد يؤثر في الجن إذا حضر على الجسد حضورًا كليًا خارجيًا فقط، وتمييز هذا النوع من الحضور لا يعلمه إلا خبير متمرس، إلا أن للجن القدرة على الفرار عند بداية وقوع الضرب، وعليه فلن يجدي الضرب، ما لم يكن غرض النبي صلى الله عليه وسلم شيء آخر خلاف إيلام الشيطان بالضرب، وهذا ماشرحناه سابقًا بما يغني عن إعادته، وما يجب أن أذكره هنا؛ أن الجن المتلبس قد يتحمل ضربة أو ضربتين، ثم يهرب إلى المخ فيصيب المريض بالتبلد، فلا يشعر بالضرب، فيظل المعالج يضرب حتى تكل يداه، فيغفل عن الدعاء، وربما سحب قرين المريض ليتلقى الضرب عنه، أو يأسر أهل أحد عمار البيت من الجن المسلمين، ثم يهدده بقتلهم إن لم يتلقى الضرب عنه، وغالبًا ما يكون هذا العامر من الجن المسلم المستضعفين، فيقع الضرب عليه لا على الشيطان، لذلك يصرخ العامر فيقول: (أنا مسلم.. مسلم)، فمن سيصدقه؟! وقد ينطق بالشهادتين تحت طائلة تعذيب المعالج وتهديد الشيطان، فيظن المعالج أن الصارع أسلم، ثم يكتشف استمرار بقائه في الجسد، وأنه لا يزال كافرًا ولم يخرج، ثم يعلو صراخه تلعبًا بالمعالج فيظن مشروعية الضرب، خاصة وأن المريض لم يشعر بالضرب، وإنما الضرب وقع على الجن المسلم أو على المريض، وربما مات المريض من جراء وحشية الضرب، فعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من تطبب ولم يعلم منه طب قبل ذلك فهو ضامن)،( ) لذلك فالضرب يدخل المعالج في دائرة الشبهات، لتضيع منا السنة بين الشك واليقين.
كثيرًا ما يفر الشيطان خوفًا من دعاء المعالج، فإذا انصرف المعالج عاود الشيطان المريض مرة أخرى، خاصة إذا كان شيطانًا ساحرًا أو جنًا طيارًا، وقد يمكث الجن في الجسد سنين عديدة بدون أي أعراض ظاهرة كالصرع وما شابه، ثم يعاود الظهور في وقت لاحق يلائم مهمته الموكل بها، لذلك يجب تلقي المريض عدة جلسات بعد شفاءه، للتأكد من خلو جسده تمامًا من الجن.
قال القاضي أبو الحسين بن القاضي أبي يعلى بن الفراء الحنبلي في كتاب طبقات أصحاب الإمام أحمد، سمعت أحمد بن عبيد الله قال: سمعت أبا الحسن على بن أحمد بن على العكبري قدم علينا من عكبرا في ذي القعدة سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة قال: حدثني أبى عن جدي قال: كنت في مسجد أبى عبد الله أحمد بن حنبل فأنفذ إليه المتوكل صاحبًا له يعلمه أن له جارية لها صرع، وسأله أن يدعو الله لها بالعافية فأخرج له أحمد نعلي خشب بشراك من خوص للوضوء فدفعه إلى صاحب له وقال له: تمضى إلى دار أمير المؤمنين وتجلس عند رأس هذه الجارية، وتقول له (يعنى الجني): قال لك أحمد: أيما أحب إليك تخرج من هذه الجارية، أو تصفع بهذه النعل سبعين؟ فمضى إليه وقال له مثل ما قال الإمام أحمد، فقال له المارد على لسان الجارية: السمع والطاعة، لو أمرنا أحمد أن لا نقيم بالعراق ما أقمنا به، إنه أطاع الله، ومن أطاع الله أطاعه كل شيء، وخرج من الجارية وهدأت ورزقت أولادًا، فلما مات أحمد عاودها المارد، فانفذ المتوكل إلى صاحبه أبى بكر المروزي وعرفه الحال، فأخذ المروزي النعل ومضى إلى الجارية فكلمه العفريت على لسانها لا أخرج من هذه الجارية، ولا أطيعك ولا أقبل منك، أحمد بن حنبل أطاع الله فأمرنا بطاعته.( )
فالشيطان استكان فترة من الزمن، ولم يخرج بلا عودة، لكنه عاود الجارية بعد وفاة الإمام، فسكونه لم يكن خوفًا من الصفع بالنعل، فهو يستطيع التخلص من الضرب الواقع عليه كما سبق وبينا، لذلك لما عاود أبي بكر المروزي إلى الجارية بالنعل لم يخشى الشيطان الصفع، فرفض الخروج وعصاه، ولو كان الضرب يعد تهديدًا حقيقيًا للشيطان لأطاعه وخرج، وهذا شاهد قوي على أن الشيطان يحسن التخلص من الضرب.
زعم الشيطان أنه خرج لأنه أمر بطاعة الإمام أحمد، فلو صدق لكانت طاعة الله أوجب من طاعة الإمام أحمد، فلم يعتدي على الجارية في بادئ الأمر، ولم يعاودها بعد وفاته، ليس طاعة للإمام إنما طاعة لله تعالى وقد نهى عن العدوان فقال: (وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) [المائدة: 87]، فالشيطان استجاب لتهديد الإمام خشية أن يدعو الله عليه فيستجاب له، فاختلق الملعون مقولته: (إنه أطاع الله، ومن أطاع الله أطاعه كل شيء)، فجميع الأنبياء أطاعوا الله أكثر من الإمام أحمد ورغم ذلك ناصبتهم شياطين الإنس والجن العداء، قال تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ) [الأنعام: 112]، وعداوتهم للأنبياء تقتضي معصيتهم، فمن الجن من عصوا سليمان عليه السلام، رغم أن الله سخرهم له، فكان جزاءهم أن الله يعذبهم عذاب السعير قال تعالى: (وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ) [سبأ: 12]، وبناء عليه فقد كذب الشيطان فيما زعم من خروجه طاعة للإمام.
لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم الشيطان بالخروج هو في واقع الأمر قام بتهديده، فذكره بمقام النبوة وأنه رسول الله، فخرج خشية دعاء النبي صلى الله عليه وسلم عليه، فالمتوكل سأل الإمام أحمد أن يدعو الله لها بالعافية، لكن الإمام قام بالتهديد أولاً، فلما استكان الجن ترك الدعاء ولم يشرع فيه، وكان الأوجب الجمع بين التهديد والدعاء كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، على الأقل حتى يتم التأكد من مغادرة الجن لجسد الفتاة، بالإضافة إلى تحصينها بالدعاء، ولو جلدت الجارية صفعًا بالنعل على قافيتها لتم تجاوز المسنون من الضرب على الصدر أو الظهر، وقد طبقنا سنة الضرب ثلاث ضربات باليد على الصدر مرات عديدة فأجنى الله ثمارها فضعف الجن بفضل الله تعالى، مما شل قدراته ويسر التعامل معه، فإذا دعونا الله أحرقهم وقتلهم وعذبهم حسب يقين الداعي، فالذي يذيقهم العذاب هو الله وليس نبي الله سليمان عليه السلام، وهذا يدلل على أن الدعاء له أكبر تأثير فيستنزل العذاب على الجن والشياطين.
الضرب على الصدر يضعف الشيطان:
وتكرر من النبي صلى الله عليه وسلم الضرب على الصدر بيده الشريفة عدة مرات، فعن عبد الله بن عامر قال: انطلق عامر بن ربيعة وسهل بن حنيف يريدان الغسل، قال: فانطلقا يلتمسان الخَمَرَ قال: فوضع عامر جبة كانت عليه من صوف، فنظرت إليه فأصبته بعينى، فنزل الماء يغتسل قال: فسمعت له فى الماء قرقعة، فأتيته فناديته ثلاثا فلم يجبنى، فأتيت النبى صلى الله عليه وسلم فأخبرته، قال: فجاء يمشى فخاض الماء كأنى أنظر إلى بياض ساقيه، قال: فضرب صدره بيده ثم قال: (اللهم أذهب عنه حرها وبردها ووصبها) قال: فقام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا رأى أحدكم من أخيه أو من نفسه أو من ماله ما يعجبه فليبركه، فإن العين حق).( )
وعن عثمان بن أبي العاص قال: لما استعملني رسول الله صلى الله عليه وسلم على الطائف جعل يعرض لي شيء في صلاتي حتى ما أدري ما أصلي، فلما رأيت ذلك رحلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (ابن أبي العاص)، قلت: نعم يا رسول الله، قال: (ما جاء بك؟) قلت: يا رسول الله عرض لي شيء في صلواتي حتى ما أدري ما أصلي، قال: (ذاك الشيطان، ادنه؟) فدنوت منه فجلست على صدور قدمي، قال: فضرب صدري بيده، وتفل في فمي، وقال: (اخرج عدو الله)، ففعل ذلك ثلاث مرات، ثم قال: (الحق بعملك)، قال: فقال عثمان: فلعمري ما أحسبه خالطني بعد.( )
والضرب على الصدر يفيد في تعطيل الطاقة السحرية الكامنة في الصدر، لاحظ أن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب صدر الممسوس بالنظرة بيده ثم قال: (اللهم أذهب عنه حرها وبردها ووصبها)، وحرها وبردها ووصبها هم الطاقة السحرية التي أصابته، إذًا فالنبي صلى الله عليه وسلم دعا بذهاب وتبديد الطاقة السحرية مع الضرب على الصدر، بينما في حالة الضرب على الظهر أمر بالخروج، فالضرب على الصدر يبطل الطاقة السحرية، بينما الضرب على الظهر يطرد الشيطان من الجسد، أما مع عثمان بن أبي العاص فق جمع بين الضرب على صدره والتفل في فمه لبركة ريق النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: (اخرج عدو الله)، وبهذا جمع بين فائدة الضرب على الصدر والضرب على الظهر معًا.
والضرب بهذه الطريقة مؤثر وفعال جدًا، وذو نتائج سريعة ومشابه لتأثير العجوة المعطل للسحر، بل لبعض الضربات اليسيرة على الصدر تأثيرًا فوري يربك الشيطان، ويجعله يحضر بسرعة وهو خائر القوى، كما أثبتت الأبحاث التطبيقية، فهذه الضربات اليسيرة والمخففة تحدثت خلخلة في الصدر، سواء صدر المريض إن كان الشيطان مغيبًا في الجسد، أو كان الشيطان حاضرًا على الجسد، فكما أن صدر الإنسان مركز طاقة سحرية فكذلك صدر الشيطان، وهذا الضرب المزدوج على الإنسي والجني يفسد محتويات الصدر من المكونات السحرية المنظمة التركيب في الدم بعد وصولها إلى الرئتين للفظ الكربون والحصول على الأكسجين، وبالتالي تفقد قوة تأثيرها الذي تنقاد له الشياطين، فتصير هذه المكونات السحرية عديمة الفاعلية، وهذا هو ما تفعله الحجامة الجافة إذا أجريت على المواضع التي تتجمع فيها الأسحار في الدم، حيث تفكك التركيب المنظم للمكونات السحرية في الدم قبل أن تنقل إلى الرئتين لتجديد طاقتها، وهذا سيكبد الشيطان خسائر فادحة، مما يجعله عرضة للوقوع تحت طائلة العذاب والتنكيل من الساحر الجني جزاءًا على تفريطه في عهدته السحرية، حيث لا تعترف الشياطين بالأعذار، ولا تقبل أسفًا، ليتعرض خادم السحر للعذاب على يد المعالج، والعقاب من الساحر.
الضرب على الظهر يطرد الشيطان:
وعلى العكس فقد ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة على الظهر بيده فقط، حتى ظهر بياض إبطيه، وهذا كناية عن شدة الضرب على الظهر، فعن أم أبان بنت الوازع عن أبيها أن جدها انطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بابن له مجنون أو ابن أخت له، فقال: يا رسول الله إن معي ابنًا لي أو ابن أخت لي مجنون أتيتك به لتدعوا الله تعالى له قال: (إيتني به) قال فانطلت به إليه وهو في الركاب، فاطلقت عنه، وألقيت عليه ثياب السفر، وألبسته ثوبين حسنين، وأخذت بيده حتى انتهيت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (ادنه مني واجعل ظهره مما يليني) قال: فأخذ بمجامع ثوبه من أعلاه وأسفله، فجعل يضرب ظهره حتى رأيت بياض إبطيه، ويقول: (أخرج عدو الله)، فأقبل ينظر نظر الصحيح، ليس بنظر الأول، ثم أقعده رسول الله صلى الله عليه وسلم بين يديه، فدعا له بماء فمسح به وجهه ودعا له، فلم يكن في الوفد أحد بعد دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم يفضل عليه.( )
والضرب على الظهر ليس بديلاً عن الضرب على الصدر، بل يختلف عنه تمامًا في الوظيفة، فله تأثير دافع للشيطان للخروج من الجسد، فهو يفيد في دفع الجني وطرده من الجسد، فعندما ضرب النبي صلى الله عليه وسلم المريض على ظهره قال للشيطان: (أخرج عدو الله)، وهذه فائدة جديدة أثبتتها التجارب التطبيقية للسنة الشريفة، وهذا يفيد أن ظهر الشيطان من نقاط ضعفه، فتنبه لمثل هذه الإشارات جيدًا، ربما يفيدك في اكتشاف نقاط ضعف جديدة في جسد الشيطان، والضرب على الظهر لا يفيد في خروج الجني إلا بعد أن تخور قواه، في أثر فقده لقوته وطاقته السحرية تمامًا، والأفضل إن كان حاضرًا على الجسد حضورًا كليًا، فقول راوي الحديث: (فأقبل ينظر نظر الصحيح، ليس بنظر الأول)، شاهد على أن الشيطان كان حاضرًا على الولد حضورًا كليًا، ودليل شرعي على الحضور الكلي، لأن انقلاب العين أحد أهم علامات الحضور الكلي، وبناء عليه يجب التأني في اختيار اللحظة المناسبة للضرب على الظهر، مع عدم الإسراف في الضرب إن لم تظهر نتائجه الفورية، فاعلم أن الوقت لازال مبكرًا، وما عليك إلا الانتظار مجددًا حتى تأتي لحظة أخرى مناسبة أكثر، ولا أجد بأسًا إن تم الجمع بين الضرب على الصدر والظهر في آن واحد، أو الأخذ بالأنف مع الضرب على الظهر أو الصدر، فكل هذا له نتائج مدهشة أيضًا.
.