عرض مشاركة واحدة
  #5  
قديم 06-04-2009, 01:32 AM
الصورة الرمزية اخت الاسلام
اخت الاسلام اخت الاسلام غير متصل
مشرفة الملتقى الاسلامي
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
مكان الإقامة: ارض الله
الجنس :
المشاركات: 6,045
الدولة : Morocco
افتراضي رد: الاستعداد للشهادة ..........فهل انتم مستعدون

ليس الموت هدفا لذاته، ولا ابتغاء مظان الموت انتحارا، ولا تمني الشهادة يأسا من الحياة، كما أنه ليس من الجبن أن تحتمي بخندق، ولا من التعلق بالحياة أن تستكمل الأسباب، ولا من الجرأة عدم التحرز من الأخطار.
بل إن مزيد يوم في عمر المسلم يزداد فيه طاعة، وينكأ فيه عدوا، ويغيظ به كافرا... ولقد عجب الصحابة رضي الله عنهم من رجلين أسلما معا، وكان أحدهما أشد اجتهادا من الآخر، فاستشهد المجتهد، ومات الآخر بعده بسنة، فرأى طلحة بن عبيد الله أن الثاني دخل الجنة قبل صاحبه المجتهد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من أي ذلك تعجبون؟ فقالوا: يا رسول الله! هذا كان أشد الرجلين اجتهادا، ثم استشهد ودخل هذا الآخر الجنة قبله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أليس قد مكث هذا بعده سنة؟ قالوا: بلى، قال: وأدرك رمضان فصام، وصلى كذا وكذا من سجدة في السنة؟ قالوا: بلى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فما بينهما أبعد مما بين السماء والأرض".
إن المستعد للشهادة حقا يكون قد وطن نفسه لما قد يُصيبه من البلاء، وروض نفسه على الصبر عن الفرار، ولو أدى به هذا الصبر إلى الموت، يروي البخاري أن نافعا سُئل: على أي شيء بايع الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ على الموت؟ " قال: لا . بل بايعهم على الصبر"، ويليه في صحيح البخاري حديث عن سلمة يثبت البيعة على الموت، فربط ابن حجر بين الروايتين ربطا لطيفا؛ فقال: " ولا تنافي بين قولهم بايعوه على الموت، وعلى عدم الفرار، لأن المراد بالمبايعة: ألا يفروا ولو ماتوا، وليس المراد أن يقع الموت ولا بد، وهو الذي أنكره نافع وعدل إلى قوله: بل بايعهم على الصبر؛ أي على الثبات، وعدم الفرار، سواء أفضى بهم ذلك إلى الموت أم لا" .
ويؤكد هذا المعنى أن أبا أمامة رضي الله عنه رجا رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ ثلاث مرات ـ في مواقف متفرقة، أن يدعو له بالشهادة، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يزيد على أن يقول: " اللهم سلّمهم وغنّمهم" فالأصل أن حياة المسلم تزيد سواد المسلمين، وتقوي شوكتهم وتغيظ الكفار، ولكنه مع ذلك مهيأ للثبات، مستعد للصبر مهما عظم البلاء.
ومثل هذه التربية على الاستعداد للشهادة هي التي تجعل من ينشد الشهادة جريئا في الحق، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: " أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر". ويعلّق الغزالي على هذا المعنى فيقول: " ولما علم المتصلّبون في الدين أن أفضل الكلام كلمة حق عند سلطان جائر، وأن صاحب ذلك إذا قُتل فهو شهيد ـ كما وردت به الأخبار ـ قدموا على ذلك موطنين أنفسهم على الهلال، ومحتملين أنواع العذاب، وصابرين عليه في ذات الله، ومحتسبين لما يبذلونه من مهجهم عند الله"، وبغير هذه النفسية تكون الأمة غثاء كغثاء السيل، وتكون نتيجة تلك الغثائية أن الله " ينتزع المهابة من قلوب عدوكم ويجعل في قلوبكم الوهن".ولما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوهن قال: " حب الدنيا وكراهية الموت". وذلك الوهن هو الذي يجعل الأمة تستمرئ الذل وترضى بالدنية.
ثم كيف تكون قاصدا منزلة الشهداء إن لم تكن صادق التوكل على الله؟ يروي البخاري عن عائشة في أجر الصابر على الطاعون قوله صلى الله عليه وسلم: "...فليس من عبد يقع الطاعون فيمكث في بلده صابرا يعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتبه الله له إلا كان له مثل أجر الشهيد" ثم يعلق ابن حجر فيقول: " صابرا أي غير منزعج ولا قلق. بل مسلما لأمر الله، راضيا بقضائه ـ و هذا قيد في حصول أجر الشهادة لمن يموت بالطاعون ـ ....وقوله: يعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له ـ قيد آخر ـ " .
وملاك الأمر كله في الاستعداد للشهادة الإخلاص وتجريد النية من الشوائب. وتأمل هذه الصورة من غزوة خيبر لرجل يقاتل المشركين: " رجل لا يدع لهم شاذة ولا فاذة إلا اتبعها يضربها بسيفه، فقيل: ما أجزأ منا اليوم أحد كما أجزأ فلان" فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه في النار؛ لما يعلم من نفاقه، وتبعه صحابي فوجده لم يصبر على جراحه فقتل نفسه، ولذلك جاء في الحديث: " إن أكثر شهداء أمتي أصحاب الفرش، ورب قتيل بين الصفين الله أعلم بنيته".
فربما يموت رجل على فراشه ولا يُحرم أجر الشهداء؛ لما يرى الله من صدقه، وربما يُحمل رجل مضرّج بدمائه من أرض المعركة، وهو عند الله من الخاسرين؛ لما شاب نيته من عُجب، أو فخر، أو عصبية، أو حب سمعه....وقد وردت في ذلك أحاديث كثيرة منها قوله صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم: " من طلب الشهادة صادقا أعطيها ولو لم تصبه"، وأخرجه الحاكم بلفظ: " من سأل القتل في سبيل الله صادقا ثم مات أعطاه الله أجر شهيد"، وفي رواية أخرى للحاكم: " من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه". والإخلاص لا يعلمه إلا الله، ولا تنقيه إلا محاسبة النفس، فحاسب نفسك، وراقب قلبك، وضع نفسك في الميزان، لترى مدى استعدادك للشهادة، عسى أن تكون: " ....مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين و الصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا".
رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 17.07 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 16.46 كيلو بايت... تم توفير 0.61 كيلو بايت...بمعدل (3.55%)]