الوسوسة والمس:
إن الوسوسات المصحوبة بصداع شديد لا بد أن الجن المتلبس إما خادم سحر أو ساحر من سحرة الجن، ويثبت هذا باختفاء الصداع بالآذان من عدمه، أما إذا كانت غير مصحوبة بصداع فهذا من فعل القرين أو إبليس أو أحد وزرائه.
لإنهاء الوسوسة الغير مصحوبة بصداع أنصح بقراءة سورة (ق) والمعوذات خاصة سورة (الناس) على الرأس مع الآذان، أو غسل الرأس بماء مقروء عليه، وسيشفى الألم سريعًا إن شاء الله تعالى، وتفسير ذلك أن الرأس مكان مخصص لعمل القرين، وهو شيطان وظيفته المنوطة به هي الوسوسة، فهذا مكانه الطبيعي لذلك لا يشعر المريض مع وسوسة القرين بصداع، ومن الملاحظ عدم اعتداء أي جن على هذا المكان إلا أن يكون ساحر من سحرة الجن أو خادم سحر، ولأن هذا الشيطان معتدى ودخيل على هذا المكان الحساس من الجسد فسيشعر المريض بالصداع.
إذا تأكدت من وجود شيطان في رأس المريض، فعالج بهدوء شديد جدًا، خاصة إذا اشتد إحساس المريض بالألم، وإن لم يمكن إخراجه بسهولة فليترك في مكانه حتى ينتهي أجله ببطء تحت تأثير ختم كتاب الله تعالى كل ثلاثة أيام ليس أقل، وخطورة الشدة في التعامل مع الجن المتواجد في الرأس تكمن في احتمال قيامه برد فعل عكسي، ومقاومة قد تؤذى المريض وينتج عنها عاهة مستديمة، فببساطة قد يمزق الجن أو يتلف أو يدمر بعض الخلايا والأعصاب في المخ، لتنتهي حياة المريض بمأساة، وكذلك إذا تواجد في الخصيتين فقد يؤثر على خصوبة الرجل، لذلك ينصح ألا تعالج مثل هذه الحالات الدقيقة إلا على يد معالج خبير متمرس، وحسب تشخيص المعالج، ووفقًا لتقديره لخطورة الحالة.
إذا أردت الحصول على معلومات من الجن الذى على الجسد رغم وجود (سحر ربط لسان الجن)، أو لأن الجن لا يتحدث العربية (رغم أن تعلم أى لغة عند الجن لا يستغرق أكثر من دقائق معدودة) فالأمر عندهم بسيط جدًا، فيمكن إدارة الحوار بينك وبين الجن الذى على الجسد بواسطة (الوسوسة)، بحيث توجه كلامك إلى الجن وسيسمع المريض رد الجن عليك من داخله، ثم يسرد لك المريض ما سمعه، أى أن الحوار سيتم على لسان المريض من خلال (الوسوسة)، فعادة المريض يسمع كلام الجن في داخله أثناء الجلسة، فيسب المعالج، أو يهدد المريض، أو يأمره ببعض المواقف ضد المعالج، وهذا أمر معتاد في الجلسات، ومنه اكتشفنا هذا الطريقة، وهى من أسرار كبار السحرة.
التفريق بين وسوسة الشيطان ووسوسة النفس:
اعلم أن القرين يذكرك دائمًا بالفتن والمعاصي، فإذا لم تستجب النفس لفتنة ما انصرف عنها إلى فتنة أخرى، فتجده يتنقل من تذكيرك بمعصية إلى الأخرى، وهكذا حتى تشرب النفس فتنة ما، وعندها تجد النفس تنشغل بها، ليبدأ الإنسان يسبح بخياله معها فلا يستطيع فكاكًا منها، قال: حذيفة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودًا عودًا، فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير على قلبين، على أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مربادًا كالكوز مجخيًا، لا يعرف معروفًا، ولا ينكر منكرًا، إلا ما أشرب من هواه).( )
فإذا استجابت النفس يبدأ الشيطان في تزيين ارتكاب المعصية لها، ثم تبدأ النفس في دفع الإنسان للهم بها، لاحظ دور القلب في الهوى والتمني في قوله صلى الله عليه وسلم: (والقلب يهوى ويتمنى) وهو استمراء تخيل المعصية وطيب النفس بها، فعن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا مدرك ذلك لا محالة، فالعينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد زناها البطش، والرجل زناها الخطا، والقلب يهوى ويتمنى، ويصدق ذلك الفرج ويكذبه).( )
درب نفسك على ملاحظة الآتي: إذا وجدت أنك تتذكر ألوان المعاصي المعصية تلو الأخرى فاعلم أن الشيطان يوسوس لك الآن، فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم، أما إذا انشغلت في تخيل معصية ما، وكلما حاولت فكاكًا منها عدت إليها فاعلم أنها وسوسة النفس، فاستعذ بالله من نفسك، وهذا مجرب كثرًا ونجح بفضل الله تعالى.
وسيان فقد يذكرك الشيطان بامرأة حسناء وربما تكون دميمية، فلا تطيب لها نفسك فيذكرك بامرأة أخرى وأخرى حتى أنه قد يذكرك بالمحارم، وهنا إذا استعذت بالله من الشيطان الرجيم انصرف عنك كيده، وإن استجابت نفسك ورغبت في امرأة ما تصورتها في صور متفحشة مختلفة، وكأنك تفعل بها الفاحشة، فاعلم حينها أن نفسك هي التي توسوس لك الآن، ولو استعذت في هذه اللحظة من الشيطان آلاف المرات فستظل تتخيل ذلك، ولن تنصرف عنك تلك التخيلات، لأنها في الواقع ليست وسوسة من الشيطان، ولكنها من وسوسة نفسك، وهنا عليك الاستعاذة بالله من نفسك واستغفار الله تعالى فسينصرف عنك فورًا ما أنت فيه، وإن لم تفعل فربما بدأت في الهم بالفاحشة، وستبدأ في التخطيط لنيل هوى نفسك، فقد صح عن رسول الله أنه استعاذ من شر النفس ومن شر الشيطان، وفي هذا بيان لضرورة الفصل بين مفهوم الاستعاذة منهما، فعن يعلى بن عطاء قال سمعت عمرو بن عاصم الثقفي يحدث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال أبو بكر يا رسول الله مرني بشيء أقوله إذا أصبحت وإذا أمسيت قال: (قل: اللهم عالم الغيب والشهادة فاطر السموات والأرض، رب كل شيء ومليكه، أشهد أن لا إله إلا أنت، أعوذ بك من شر نفسي، ومن شر الشيطان وشَرَكه) قال: (قله إذا أصبحت، وإذا أمسيت، وإذا أخذت مضجعك). ( )
لكي تتأكد من أن همك بفعل شيء ما هو تبعًا لوسوسة النفس فستجدك تقول: (نفسي في كذا…؟)، فكلمة [نفسي] جاءت من النفس وتمنيها للشهوات، واستجابة لوسوسة الشيطان، فلا تقل (نفسي في كذا) حتى لا تصير عبدًا لرغبات نفسك، وإذا تاقت نفسك لشيء حلال فقل: (اللهم إني أسألك كذا..)، كما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مالا يحصى من المرات، قال تعالى: (وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ) [يوسف: 53].
قال تعالى: (وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ، لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُواْ، وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ، وَاسْأَلُواْ اللّهَ مِن فَضْلِهِ، إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) [النساء: 32]، فانظر أثر وسوسة النفس في قوم موسى عليه السلام أن تمنوا ما لقارون من عرض الدنيا الزائل قال تعالى: (قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) [القصص: 79]، فقد تتمنى نفسك أمنية فيها هلاكك ولا تعلم، فارضى بما قسمه الله تعالى لك من رزق، واسأل الله من فضله، لأن قدر الله تعالى كله خير فهو أفضل ما يلائمك، فقد ترجع فيما تتمناه نفسك كما تراجع قوم موسى في أمنيتهم قال تعالى: (وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ، لَوْلاَ أَن مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا، وَيْكَأَنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ) [القصص: 82].
وسوسة الشيطان الماس لابد وأن يصاحبها شعور بالصداع، وذلك لأنه دخيل على الرأس، لأن هذا المكان مختص بالقرين، وحتمًا ولابد أن يكون هذا الشيطان ساحرًا يعمل تحت إمرة أحد ملوك الجن، أو خادم سحر مكلف بالدخول إلى الرأس، فمن الممكن أن يكون المريض مصابًا بمس أو بسحر، فتنبه.
علاج الوسوسة:
هناك ثلاثة مصادر تنشأ عنها الوساوس، وسوسة النفس ووسوسة أو لمة الشيطان ولمة الملك. فعن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن للشيطان لمة بابن آدم، وللملك لمة، فأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق، وأما لمة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق، فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله فليحمد الله، ومن وجد الأخرى فليتعوذ بالله من الشيطان الرجيم)، ثم قرأ (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ) الآية.( )
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول: من خلق ربك؟ فإذا بلغه فليستعذ بالله، ولينته). ( )
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال: هذا خلق الله الخلق فمن خلق الله فمن وجد من ذلك شيئا فليقل: آمنت بالله) و في رواية عن هشام بن عروة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق السماء؟ من خلق الأرض؟ فيقول: الله) ثم ذكر بمثله وزاد (ورسله). ( )
وإنه يحضر عند الصلاة يلبس على المصلي صلاته، عن أبي العلاء أن عثمان بن أبي العاص أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي يلبسها علي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (ذاك شيطان يقال له خنزب، فإذا أحسسته فتعوذ بالله منه، واتفل على يسارك ثلاثا) قال: ففعلت ذلك فأذهبه الله عني.( )
وشيطان آخر يأتي للمتوضأ فيوسوس له، فعن أبي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن للوضوء شيطانًا يقال له: الولهان فاتقوا وسواس الماء). ( )
وهذه هي إحدى طرق الشيطان في صرف المصلي عن صلاته، وليست كلها، فهناك أساليب أخرى يسيطر بها على المصلي، فقد قال أبو هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن أحدكم إذا كان في الصلاة جاءه الشيطان فأبس به كما يأبس الرجل بدابته، فإذا سكن له أضرط بين أليتيه ليفتنه عن صلاته، فإذا وجد أحدكم شيئًا من ذلك فلا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا لا يشك فيه).( )
وعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الشيطان يأتي أحدكم وهو في صلاته فيأخذ شعرة من دبره فيمدها فيرى أنه قد أحدث فلا ينصرفن حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا).( )
وفي رواية صحيحة عن أبي هريرة أن النبي قال: (إذا كان أحدكم في الصلاة فوجد حركة في دبره أحدث أو لم يحدث، فأشكل عليه فلا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا).( )
الصيام يذهب وساوس الصدر:
عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صوم شهر الصبر وثلاثة أيام من كل شهر يذهبن وحر( ) الصدر)،( ) فوحر الصدر هو الغيظ والحقد وبلابل الصدر ووساوسه، وهو رجز من عمل الشيطان، والذي يؤدي إلى العذاب، فتعبد الله عز وجل بصوم شهر رمضان من كل عام، وثلاثة أيام من كل شهر هو مما يذهب هذه الوساوس ويجعل جهد الشيطان يذهب سدى، وإن صيام ثلاثة أيام من كل شهر يعدل صوم الدهر وإفطاره، فعن أبي قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صوم ثلاثة أيام من كل شهر، ورمضان إلى رمضان صوم الدهر وإفطاره)،( ) وقد حدد النبي صلى الله عليه وسلم هذه الأيام الثلاثة وحصرها في الأيام البيض، عن جرير أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صيام ثلاثة أيام من كل شهر صيام الدهر، وهي أيام البيض: صبيحة ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة).( )
.
__________________
موسوعة دراسات وأبحاث العلوم الجنية والطب الروحي للباحث (بهاء الدين شلبي)
|