رد: روائع الطب الإسلامي الجزء الأول
الفصل الخامس
الهدي النبوي في ضبط تصرفات الإنسان
وأثر ذلك في صحته
ويضم الفصل بعد المقدمة المباحث التالية:
المبحث الأول:لا تغضب.
المبحث الثاني:ولا تكثر الضحك.
المبحث الثالث:العطاس والتثاؤب.
المبحث الرابع:الحسد.
المبحث الخامس:الإسلام والطب يحاربان الضوضاء.
الهدي النبوي في ضبط تصرفات الإنسان
الانفعالية وأثر ذلك في صحته
قد ينفعل المرء ويتصرف تبعاً لانفعالاته تصرفات قد تورده الردى أو تجلب له المرض أو الأذى.فكم من مريض قلبي أصيب بنوبة قلبية مؤلمة بعد تعرضه لنوبة من الضحك،وكم من رجل ولّد عنده الضحك المتواصل وهناً جنسياً كاملاً،وكم من إنسان أصيب بارتفاع ضغط دموي مفاجئ تبعه نزيف دماغي صاعق بعد نوبة من الغضب الشديد،والذي يمكن أن يصيب صاحبه بداء سكري أو قرحة هضمية،والحسد كثيراً ما يؤدي بصاحبه للإصابة بخناق الصدر أو بقرحة معدية أو بداء السوداء [المانيخوليا].والضوضاء التي يحدثها البشر بصراخهم تعتبر من أهم أسباب الإصابة بالصمم أو بالانزعاجات القلبية الوعائية.
والإسلام،لم يترك صغيرة ولا كبيرة في حياة البشر إلا وقد تدخل فيها من أجل إسعادهم وإبعادهم عما يعرضهم للخطر،كيف وقد نزلت الشرائع كلها من أجل حفظ الإنسان في ضروراته الخمس ومنها حفظ النفس والعقل.من هنا تأتي التربية القرآنية الرشيدة ومن بعدها الهدي النبوي المعجز بتدابير تروض الإنسان المسلم كي يضبط انفعالاته،ويتحكم في تصرفاته ليصون نفسه ويحفظ جسده مما يمكن أن ينتج عن هذه الانفعالات من الضرر والأذى.
من هذه التدابير قوله تعالى واغضض من صوتك)ومنها قول النبي r :" ولا تكثر من الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب ".ومنها قوله r:" إن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب ".ومنها وصيته r لرجل:" لا تغضب ".وقوله r:"إذا غضب أحدكم فليسكت ".وقوله r:" لا تحاسدوا ولا تقاطعوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخواناً ".
إن التزام الفرد المسلم بتوجيهات النبي الكريم r في ضبط تصرفاته والتحكم في انفعالاته،عدا عما يرافقها من لذة الطاعة وسمو الروح والارتقاء بالعلاقات الاجتماعية إلى ذروة القمة،فإن هذا الالتزام يصرف عنه ما يمكن أن ينتج عن هذه الانفعالات من انحراف الصحة والتهلكة في البدن أو النفس.
يقول النبي r:" مثلي ومثلكم كمثل رجل استوقد ناراً فجعل الجنادب والفراش يقعن فيها وهو يذبهن عنها،وأنا آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تفلتون من يدي ".
وسنفصل في الأبحاث التالية الهدي النبوي في تدبير الغضب والضحك والحسد وغض الصوت وفي العطاس والتثاؤب وأثر هذا التدبير الحكيم في صحة الفرد والمجتمع.
المبحث الأول
لا تغضب
قال تعالى والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون)الشورى الآية 42.
وقال تعالى الذين ينفقون في السرّاء والضرّاء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين)آل عمران.
وقال تعالى ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم) سورة فصلت.
وقال تعالى وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً) الفرقان الآية 63.
عن أبي هريرة رضي الله عنه”أن رجلاً قال للنبي r:أوصني فقال:لا تغضب فردد مراراً فقال:لا تغضب”رواه البخاري.
وعن أبي الدرداء tقال:قلت يا رسول الله دلّني على عمل يدخلني الجنة قال:" لا تغضب”رواه الطبراني بإسناد حسن.
وقد حث رسول الله r على كتمان الغضب فقد روى أبو هريرة رضي الله عنه،أن النبي r قال:"ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب” رواه البخاري ومسلم.
وعن أنس tأن النبي r مرَّ بقوم يصطرعون فقال:ما هذا ؟ قالوا فلان لا يصارع أحداً إلا صرعه فقال النبي r:" أفلا أدلكم على من هو أشدُّ منه ؟ رجلٌ كلمه رجل فكظم غيظهُ فغلبه وغلب شيطانه وغلب شيطان صاحبه”·.
وعن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال:قال رسول الله r:" يا معاوية إياك والغضب،فإن الغضب يفسد الإيمان كما يفسد الصبر العسل”··.
وقد رفع الإسلام من أجل ذلك من مرتبة الحلم،وجعل من كظم الغيظ وسيلة إلى التقرب إلى الله عز وجل ورفع درجات صاحبه يوم القيامة.عن معاذ بن أنس الجهني tأن النبي r قال:" من كظم غيظاً وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله على رؤوس الخلائق يوم القيامة حتى يخيره من الحور العين فيزوجه منها ما شاء”·.
وقد مدح النبي r الأشجَّ tقائلاً له:"إن فيك خصلتين يحبهما الله الحلم والأناة" رواه مسلم.
وقد روي عن عكرمة في قوله تعالى :[وسيّداً وحصوراً] قال:السيّد الذي لا يغلبه الغضب.كما روى الإمام الغزالي (1) عن الحسن tقوله:" يا ابن آدم كلما غضبت وثبت وأوشك أن تثب وثبة فتقع في النار ".
قال الخطابي (2):معنى قوله [لا تغضب] اجتناب أسباب الغضب وألا تتعرض لما يجلبه،وأما نفس الغضب فلا يتأتى النهي عنه لأنه أمر طبيعي لا يزول من الجبلة.وقال غيره:ما كان من قبيل الطبع الحيواني فلا يمكن دفعه،وما كان من قبيل ما يكتسب بالرياضة فهو المراد.وقيل:لا تفعل ما يأمرك به الغضب.
قال ابن بطال (2):يعني أنّ مجاهدة النفس أشد من مجاهدة العدو لأنه r جعل الذي يملك نفسه عند الغضب أعظم الناس قوة.وقال ابن حيان:أراد لا تعمل عند الغضب شيئاً مما نهيت عنه.ويجمل الإمام الغزالي (1) رأيه في الغضب:" فأقل الناس غضباً أعقلهم،فإن كان للدنيا كان دهاء ومكراً وإن كان للآخرة كان حلماً وعلماً.وقد قيل لعبد الله بين المبارك:أجمل لنا حسن الخلق.فقال ترك الغضب.
الآثار الصحية السيئة للغضب على البدن :
إن الانفعالات الشديدة والضغوط التي يتعرض لها الإنسان كالخوف والغضب يحرض الغدة النخامية (3و4) على إفراز هرمونها المحرض لإفراز كل من الأدرينالين والنور أدرينالين من قبل الغدة الكظرية،كما تقوم الأعصاب الودية على إفراز النور أدرينالين.
إن ارتفاع النور أدرينالين في الدم يؤدي إلى تسارع دقات القلب،وهذا ما يشعر به الإنسان حين الانفعال،والذي يجهد القلب وينذر باختلاطات سيئة.فهو يعمل على رفع الضغط الدموي بتقبيضه للشرايين والأوردة الصغيرة،كما أن الارتفاع المفاجئ للضغط قد يسبب لصاحبه نزفاً دماغياً صاعقاً يؤدي إلى إصابة الغضبان بالفالج،وقد يصاب بالجلطة القلبية أو الموت المفاجئ،وقد يؤثر على أوعية العين الدموية فيسبب له العمى المفاجئ.وكلنا يسمع بتلك الحوادث المؤلمة التي تنتج عن لحظات غضب (4).
هذا وإن ارتفاع النور أدرينالين في الدم يحرر الغليكوجين من مخازنه في الكبد ويطلق سكر العنب مما يرفع السكر الدموي،إذ من المعلوم أن معظم حادثات الداء السكري تبدأ بعد انفعال شديد لحزن أو غضب.أما ارتفاع الأدرينالين فيزيد من عمليات الإستقلاب الأساسي ويعمل على صرف كثير من الطاقة المدخرة مما يؤدي إلى شعور المنفعل أو الغَضِبْ بارتفاع حرارته وسخونة جلده (4).كما ترتفع شحوم الدم مما يؤهب لحدوث التصلب الشرياني ومن ثم إلى حدوث الجلطة القلبية أو الدماغية كما يؤدي زيادة هذا الهرمون إلى تثبيط حركة الأمعاء ومن ثم إلى حدوث الإمساك الشديد.وهذا هو سبب إصابة ذوي المزاج العصبي بالإمساك المزمن.
ويزداد أثناء سورات الغضب (4) إفراز الكورتيزول من قشر الكظر مما يؤدي إلى زيادة الدهون في الدم على حساب البروتين،ويحل الكورتيزول النسيج اللمفاوي مؤدياً إلى نقص المناعة وإمكانية حدوث التهابات جرثومية متعددة،وهذا ما يعلل ظهور التهاب اللوزات الحاد عقب الانفعال الشديد،كما يزيد الكورتيزول من حموضة المعدة وكمية الببسين فيها مما يهيئ للإصابة بقرحة المعدة أو حدوث هجمة حادة عند المصابين بها بعد حدوث غضب عارم.
وقد أثبتت البحوث الطبية الحديثة (5) وجود علاقة وثيقة بين الانفعالات النفسية ومنها الغضب وبين الإصابة بالسرطان.وتمكن العلم أن يبين مدى خطورة الإصابات السرطانية على إنسان القرن العشرين،قرن القلق النفسي،وأكدت الدراسات أن الأشخاص الذين يعانون من انفعالات نفسية مريرة بصورة مستمرة يموتون بالسرطان باحتمال نسبي أكبر.فالانفعالات النفسية تولد اضطراباً هرمونياً خطيراً في الغدد الصماوية يؤدي إلى تأرجح في التوازن الهرموني بصورة دائمة،هذا التأرجح يساعد على ظهور البؤرة السرطانية في أحد أجهزة البدن.
ويرى بعضهم (4) أن التأثيرات التي تحصل في البدن نتيجة الغضب الشديد والذي يسبب فيضاً هرمونياً تؤدي إلى ما يشبه التماس الكهربائي داخل المنزل بسبب اضطراب الدارة الكهربائية،وما ينتج عن ذلك من تعطل في كافة أجزاء الدارة الكهربائية.
ولا شك أن نبي الرحمة r قد عرف بنور الوحي خطورة هذه الانفعالات النفسية على مستقبل المجتمع الإنساني قبل أن يكتشف الطب آثارها،ودعا أتباعه بحكمة إلى ضبط انفعالاتهم – قدر المستطاع – [لا تغضب] محاولاً أن يأخذ بأيديهم إلى جادة الصواب – رحمة بهم – وحفاظاً على صحة أبدانهم من المرض والتلف،لكنه – عليه الصلاة والسلام – كان يعلم في نفس الوقت طبيعة النفس البشرية،ويعلم أن الإنسان لحظة غضبه قد لا يقوى على كتم غضبه،خاصة إن كان يغضب لله أو لعرضه أو ماله،فإذا به يصف العلاج قبل أن يستفحل الغضب،وقبل أن يقدم الغاضب على فعل لا تحمد عقباه.
· رواه البزار بإسناد حسن(ابن حجر العسقلاني ).
·· أخرجه البيهقي وهو حديث ضعيف.
· رواه الترمذي وحسنه وأبو داود وصححه الألباني(صحيح الجامع الصغير)وروى البخاري نحوه.
__________________
يا قارئ خطي لا تبكي على موتي.. فاليوم أنامعك وغداًفي التراب..
فإن عشت فإني معك وإن مت فاللذكرى..! ويا ماراً على قبري لا تعجب من أمري..
|