(الربي _ القديس _ السيد):
وأما عن معنى التقديس في اللغة فهو (التطهير والتبريك، وتقدس أي تطهر، وفي التنزيل (ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك)، الزجاج معنى نقدس لك، أي نطهر أنفسنا لك، وكذلك نفعل بمن أطاعك نقدسه أي نطهره، ومن هذه قيل للسطل القدس، لأنه يتقدس منه أي يتطهر)،( ) فكيف لهم نسبهم إلى القدسية بدون سند ودليل من الله؟ حيث ينعدم دليلهم في حالة إقرارهم بعجزهم عن تمييز مصدر مواهبهم، أهي من الروح القدس، أم من الشيطان؟ ويطلق النصارى كلمة السيد والسيدة على مريم وابنها عليهما السلام، فيقولون (السيدة العذراء)، ولا يقولون القديسة العذراء، و(السيد المسيح)، ولا يقولون القديس المسيح، والمراد بذلك إقرارهم بألوهية المسيح، هذا على أساس عقيدة التثليث، والتي تأله الابن أو المسيح، باعتباره أحد الأقانيم الثلاثة، على اعتبار أن القداسة أو الألوهية أصل في المسيح، وليست مضافة إليه كما في حالة القديسين من البشر العاديين، وعلى هذا فالتبجيل بلقب (قداسة)، يعني نسبه إلى القدوس، وإقرار باتحاده مع الله، وأنه صار يحمل صفات إلهية، وهذا ما يؤكد صلة لقب القديس بلقب السيد، وأن معناهما واحد، وهو اكتساب القدسية المضافة باتحاد البشر مع الله عز وجل، ولهم عدة درجات، فمنهم البابا والكاهن والراهب. وأما كلمة (مار) فهي (كلمة سريانية تعني السيدة، ومؤنثها (مرت) بمعنى السيدة).( ) وكلمة (نيافة) كلمة تعني (لقب يسبق الأسقف أو المطران، وهو من الكلمة القبطية (نيف Nhb)، والتي تعني السيد).( )
فيطلق النصارى الأقباط على باباواتهم لقب (نيافة) تسييدًا لهم، فيقولون نيافة الأنبا فلان. ونجد أن كلمة سان وسانت تأتي في اللغة العربية بمعنى (السيد والسيدة)، بإضافة الـ التعريف في أولهما، وهو لقب درج العوام من المسلمين إطلاقه على الأولياء الصالحين، والذي يحمل في طياته دلالات خاصة تفيد قداسة هؤلاء البشر، مثل (السيد البدوي)، و(السيدة رابعة) وغيرهما.
وإن كلمة (قديس) عند النصارى يقابلها في الإنجليزية كلمة سان (San)، بمعنى القديس، وكلمة سانت (Sant) بمعنى القديسة، فيقولون (سان بولس)، أي القديس بولس، أو (سانت كاترين)، أي القديسة كاترين.
ولكلمة (سان) ترجمة بالعربية بمعنى (القدوس)، وهو من أسماء الله الحسنى، لذلك فهي تعني اتحاد البشر مع الله، وحمل بعض صفاته، وهي من الألقاب التي تم تمريرها بطريقة أو أخرى إلى المسلمين، فيقال السيدة عائشة، وسيدنا رسول الله، لكن من الملاحظ أننا لم نسمع مطلقًا من قال (السيد محمد)، كما قالوا (السيد المسيح)، ولكن شاع القول (السيد البدوي)، وإن كان الشائع تسييد النبي صلى الله عليه وسلم بالمعنى الذي لا يخالف الإقرار بعبوديته لله عز وجل، في الوقت الذي لا نجد في الكتب المسندة وكتب السير والتاريخ أن الصحابة أطلقوا هذا اللقب على النبي صلى الله عليه وسلم وأزواجه وأصحابه، والذي ظهر في الأزمان المعاصرة مع شيوع خفة الدين وانتشار الضلالات، وإن ورد أحاديث كثيرة تفيد بأن لفظ (سيد) كان مستخدمًا بخلاف المعنى التسييدي المستخدم عند النصارى في زمن النبي صلى الله عليه وسلم.
أما اليهود فيطلقون كلمة (صديق) أو (رِبِّي Rebbi)، ولها نفس الدلالات المرتبط بالقدرات الإعجازية الخارقة، فالصديق لديهم جاءت من صداقة الرب لمن يصدقه، فيهبه الحماية الإلهية، وقدرات خاصة، كالبركة والقوة الروحية، ولهم أيضًا درجات عديدة، فمنهم الحالمون، القاضي العادل، الشخص الورع، الكهنة الصالحين. وتفصل ذلك الدكتورة سوزان يوسف فتقول: (يعرف الصديق باسم (ربِّي) Rebbi، تمييزًا له على الراب Rabbi، المعروف في اليهودية التلمودية أو الحاخام (وهو رجل الدين المتبحر في دراسة التلمود). ويطلق على الصديق في إسرائيل اليوم لقب (الادمور)، وهو اختصار لثلاث كلمات عبرية هي (أدينينوا، مورينوا، رابينو) بمعنى (سيدنا، أستاذنا، معلمنا).
والصديق بمعنى رجل الدين، وفي العبرية بمعنى رجل مستقيم، هو رجل عرف أثناء حياته بالتقوى والاستقامة، ويطلق عليه أيضًا الشخص الورع، وهو لا يطلق إلا على الذكور فقط، في حالة استخدامه اللفظ (ولي).
وقد يكون حاخامًا أو شخصًا حكيمًا، غير أن مدلول اللفظ قد تطور بمرور الوقت، وأصبح لا يدل على الرجل المتدين التقي فقط، بل وعلى صاحب القدرة الإعجازية في التأثير على الأحداث، فهو يمتلك البركة التي تحمل في طياتها القوة الروحية ذات السحر الخاص، كما أن الأحلام والرؤى طرق ووسائل هامة في الاتصال بين الصديق وهؤلاء المرتبطين به، فعادة ما يقص المؤمنون أنهم رأوا الصديق في الحلم، وفي لحظات الخطر تظهر روح الصديق وترشد الأمة إلى طريق الخلاص. ويدل لفظ الصديق على صداقة الرب للشخص الذي يصدقه فيهبه قدرات خاصة.. أما الصديق بالمعنى الاصطلاحي فيعني ذا القدرات الإعجازية الخارقة التي تؤثر في الأحداث، وقد يكون أحد المتصوفة أو تلميذًا للحاخام وقد يكون شخصية أسطورية..).( )
ولا يصح تعميم استخدام كلمة (الصديق) أو (الربيون)، خاصة وأن الكلمتين ذكرتا في القرآن الكريم، فالصديقون قد يكونون على درجات متفاوتة فتذكر الدكتورة سوزان فتقول: (الحالمون) الذين يرون أحلامًا ويفسرون الأحلام لغيرهم.. (القاضي العادل) الذي يحكم بالعدل أيضًا من الصديقي.. (الشخص الورع) الذي يراعي الشريعة بأفعاله وقلبه يرتفع أيضًا إلى مرتبة الصديقين، وهو يتصف بالكرم والرحمة، ويتمتع بالحماية الإلهية..(الكهنة) مثل الكاهن حزقيال قبل خراب المعبد الأول.. (الصالحين) عدد من الصديقين قدموا العون للأمة اليهودية مثل مردخاي الصديق واستير الصديقة وقد يخطئ بعض الصديقين ولكن تغفر خطاياهم مثل داواد.. (المتصوفة) وقد يكون الصديق أحد المتصوفة ولكن ليس بالضرورة أن يكون كل المتصوفة أو الرجال الصالحين صديقين، فالعلامة الأساسية التي تميز الصديق هي قدرته الإعجازية الحارقة (الكارزما)). ( )
وإن كان الأصل أن كل المسلمين أولياء لله عز وجل، وإلا فهم أولياء للشيطان، والصالحين منهم يقال لهم: (أولياء الله الصالحين)، ولا يشترط أن يجري الله على يديه الخوارق، وإن أجراها الله، فلا يجريها إلا على يد ولي صالح، وإلا فهو ساحر أو مشعوذ، وهذا اللفظ يشيع استخدامه بين الفرق الصوفية الضالة، من أصحاب عقيدة الحلول والاتحاد مع الله، ولهم أيضًا درجات وأنواع. عن عبد الله بن الشخير أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (السيد الله)،( ) قال النووي: (والمنهي عنه استعماله على جهة التعاظم، لا التعريف، واستدل بعضهم بهذا الخبر أن السيد اسماً من أسماء اللّه تعالى).( )
فاستعمال لفظ (السيد والسيدة) جائز في غير الله،? وإنما الذي يحرم هو ادعاء السيادة الحقيقية التي ليست إلا لله عز وجل، وهذا الاستعمال المحرم هو ما تحمله كلمة (قديس)، فلها عندهم دلالات خاصة، من ادعاء السيادة الحقيقية التي ليست إلا لله عز وجل لغيره من عباده، هو ما وقع فيه مطلقي لقب القديس عند النصارى، والسيد عند الصوفية من المسلمين، فهما لفظان لهما دلالات مشتركة في العقائد الصوفية والمذاهب الباطنية لدى جميع الأديان، فمفهوم لقب قديس والذي يطلق على الرهبان والكهان والباباوات، تعني عندهم مرتبة الاتحاد بالذات الإلهية، وهو اتحاد إرادة ومشيئة، أي أن القديس أو الراهب صار شريكًا لله عز وجل في إرادته ومشيئته، تعالى الله وتنزه عما يقولون.
أثبت الكاتب جورجي كنعان في كتابه (تاريخ يهوه)، صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قال: (السيد الله)، فيقول: (.. ما نراه عند سائر البشر، فإن مسكن (الآلهة) بمفهومهم هو السماء، أي العلاء. والسماء مأخوذة من (سما) أي علا وارتفع. واسم السماء مرادف لاسم الإله في لغات العالم بغالبيتها.. هذه القوة وهذه السلطة المطلقة اللتان توحي بهما السماء، أطلق عليهما السومريون في حوض النهرين الأدنى (ان) ـ (السيد ـ السماء).
وأطلق عليهما الأكاديون في البادية السورية، وهم في حالتهم الفطرية قبل الأزمنة التاريخية، صفة العلو (عل) ـ (العالي). وأطلق عليهما البابليون صفة (ماردوك) ـ (السيد العظيم). والآشوريون صفة (أشور) ـ (السيد)..
وباختصار، إن القدماء أطلقوا على القوة والسلطة المطلقتين اللتين توحي بهما السماء صفة السيد) أو صفة مرادفة لها. والصيغ المعبرة عن هذه الصفة جاءت متنوعة تبعًا لتنوع البيئات والألسنة. فهي بلغة السومريين (ان). وعلى لسان الكنعانيين في سوريا الغربية (اون). وهي بلسان الآشوريين (شار). وبلسان الأموريين (مار). وبلسان الآراميين (رب). وبلسان شعب مملكة أوغاريت (بعل). وبلسان شعب مملكة جبيل (أدون).
ومن الصفات المرادفة لصفة (السيد) نذكر مثلاً (ملك) و(يشع) (المخلص) بلسان شعب سوريا الجنوبية. و(ملقات) (ملك القرية) بلسان شعب مملكة صور في الساحل السوري. و(شيع القوم) (مخلص القوم) و(عطرسم) (مجد السماء) بلسان شعوب سوريا الجنوبية الشرقية. و(عل) (العالي) بلسان الأكاديين في سوريا الشمالية الشرقية، التي تطورت صيغتها إلى (ايل ـ ايلاه ـ الله) وأصبحت في الألف الأولى ق.م. اسمًا للقوة العالية. المهم أن (ان) ليس اسمًا للقوة العالية كما يزعم المؤرخون والباحثون جميعهم في الغرب الأوربي والأميركي. وإنما هو صفة تعني (السيد).
وكذلك فإن (عل) ـ (العالي) ـ (ايل) ـ الله) ليس اسمًا، وإنما هو صفة. ثم إن أشور وماردوك وبعل وأدون ورب وملكوم وملقات ويثع وشيع القوم وعطرسم، ليست أسماء آلهة كما يزعم أولئك المؤرخون. وإنما هي صفات تعني (السيد) أو بمعناها.. ).( )
وعرفت كلمة (السيد) في الحضارات الوثنية، وقد ارتبطت بمعنى السيادة والألوهية، ففي سومر نجد أن الإلهة اينانا لم تكتفي فقط أن تكون ملكة السماء (الأعلى العظيم)، بل طمحت أن تصير ملكة بلاد اللاعودة (الأسفل العظيم) أيضًا، ولذلك تخلت عن (السيدية Lordship)، و(السيدتية Ladyship)، فهجرت السماء والأرض إلى عالم الأموات، أو العالم السفلي، وعن هذا نجد الشاعر الوثني يقول: من الأعلى العظيم قر عزمها على الأسفل العظيم الإلهة من الأعلى العظيم قر عزمها على الأسفل العظيم اينانا من الأعلى العظيم قر عزمها على الأسفل العظيم سيدتي هجرت السماء هجرت الأرض إلى العالم الأسفل نزلت عن (السيدية) وعن (السيدتية) إلى العالم الأسفل نزلت)،( ) وفى الحقيقة إن كنا كمسلمين لا ننكر حدوث الكرامات، إلا أننا نستنكر تلك الفوضى من الخرافات والخزعبلات التي ينسجها بعض المرتزقة والمنافقين والزنادقة الذين التفوا حول قبور من هم على شاكلتهم أو من الصالحين فعلا فنسجوا حولهم تلك الأساطير في غفلة عن الدين ألمت بالأمة التي اتبعت سنن اليهود والنصارى، بينما واقع الأمر والتاريخ يثبت خلاف ما تتناقله الألسن حولهم، إن من هم مثل البدوي و جميع من على شاكلته ممن نسبوا إلى الولاية لله كذبًا وزورًا هم أبعد ما يكونوا عن الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين.
(كما يروى عن أحد علماء المالكية أنه كان كثير الإنكار على السيد البدوي، حتى ذهب إلى ذلك العالم ومعه جماعة من طلبته إلى طنطا لاستجلاء حقيقة ذلك الصوفي الذي كثر حوله الكلام. وهناك في طنطا جلسوا بجوار الدار التي يعيش فوق سطحها السيد البدوي، حيث أخذوا يتكلمون عنه وينتقدونه، وكان أن سمعهم السيد البدوي وهو فوق السطح، فأتى إلى طرف السطح فوق رؤوسهم وبال عليهم.. ).( )
وهكذا يتسرب إلينا الدجل والخرافات، حتى صرنا أتباع كل ناعق، لا نحق حقا، ولا نبطل باطلاً، وكلما خرج علينا رجل دجال بالسحر والحيل والشعوذة حسبناه من أولياء الله الصالحين. ومن هنا أجاد أعداء الإسلام و تفننوا في استغلال العاطفة الدينية في غياب الوعي الديني وحرص المسلمون على الدنيا، وهذا ما يجب أن ننتبه إليه، ونحرص على تجنب أخطاء الماضى، ونستفيد من تلك الدروس التي دفعنا حسابها من دمائنا وعقولنا على مدار القرون السابقة.
مختصرات منقولة من مخطوط (الدخان الأسود) للكاتب: بهاء الدين شلبي
.
__________________
موسوعة دراسات وأبحاث العلوم الجنية والطب الروحي للباحث (بهاء الدين شلبي)
|