جواز أخذ الحجام أجره:
عن أنس رضي الله أنه سئل عن أجر الحجام فقال : " احتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم حجمه أبو طيبة وأعطاه صاعين من طعام وكلم مواليه فخففوا عنه وقال :" إن أمثل ما تداويتم به الحجامة والقسط البحري " رواه البخاري ومسلم .
قال أبو عيسى: حديث أنس حسن صحيح وقد رخص بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم في كسب الحجام وهو قول الإمام الشافعي .
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال : " كان النبي صلى الله عليه وسلم يحتجم ولم يكن يظلم أحداً أجره " رواه البخاري ومسلم .
وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجم وأعطى الحجام أجره" أخرجه البخاري ومسلم، وعند أبي داود بعد قوله أجره " ولو علمه خبيثاً لم يعطه ".
وعن رافع بن خديج قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: شر الكسب مهر البغي وثمن الكلب وكسب الحجام " رواه الترمذي والإمام مسلم .
وعن رافع أيضاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ثمن الكلب خبيث ومهر البغي خبيث وكسب الحجام خبيث " رواه البخاري ومسلم .
قال ابن الأثير في شرح الغريب:[ خبيث ] الخبيث الحرام وهو يطلق على المكروه وهو الذي عنى به في كسب الحجام، وأما قوله في ثمن الكلب ومهر البغي " فيريد به الحرام ". قال الخطابي: وقد يجمع الكلام بين القرائن واللفظ ويفرق بينهما في المعنى ويعرف ذلك من الأغراض والمقاصد ".
وعن أبي هريرة رضي الله عنه: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كسب الحجام وعن ثمن الكلب وكسب الفحل " رواه النسائي وأبو داود بسند صحيح ( الأرناؤوط ).
عن ابن محيصة عن أبيه أنه استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أجرة الحجام فنهاه عنها وكان له مولى حجاماً فلم يزل يسأله ويستأذنه حتى قال له آخراً " اعلفه ناضحك وأطعمه رقيقك " أخرجه الترمذي وقال حديث حسن .
وقال الإمام النووي في شرح صحيح مسلم:" وقد اختلف العلماء في كسب الحجام فقال الأكثرون من السلف والخلف لا يحرم كسب الحجام ولا يحرم أكله لا على الحر ولا على العبد وهو المشهور من مذهب أحمد. وقال في رواية عنه قال بها فقهاء المحدثين يحرم على الحر دون العبد، واعتمدوا هذه الأحاديث وشبهها .
واحتج الجمهور بحديث ابن عباس رضي الله عنهما "أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وأعطى الحجام أجره ولو كان حراماً لم يعطه"، وحملوا هذه الأحاديث التي في النهى على التنزيه والارتفاع عن دنيء الأكساب والحث على مكارم الأخلاق ومعالي الأمور، ولو كان حراماً لم يفرق فيه بين الحر والعبد فإنه لا يجوز للرجل أن يطعم عبده مالا يحل".
وقال الحافظ ابن حجر (1):واختلف العلماء في هذه المسألة فذهب الجمهور إلى أنه حلال واحتجوا بحديث " احتجم النبي r وأعطى الحجام أجره " وقالوا هو كسب فيه دناءة وليس بمحرم، فحملوا الزجر على التنزيه،ومنهم من ادّعى النسخ وأنه كان حراماً ثم أبيح وجنح إلى ذلك الطحاوي، والنسخ لا يثبت بالاحتمال وذهب أحمد وجماعة إلى التفريق بين الحر والعبد فكرهوا للحر الاحتراف بالحجامة، ويحرم عليه الإنفاق على نفسه منها ويجوز له الإنفاق على الرقيق والدواب منها وأباحوها للعبد مطلقاً، وعمدتهم حديث محيصة أنه سأل النبي rعن كسب الحجام فنهاه، فذكر له الحاجة فقال:" اعلفه نواضحك " (2) وذكر ابن الجوزي أن أجر الحجام إنما كره لأنه من الأشياء التي تجب للمسلم على المسلم إعانة له عند الاحتياج فما كان له أن يأخذ على ذلك أجراً /إهـ.
وقال ابن قيم الجوزية (3): وأما إعطاء النبي صلى الله عليه وسلم الحجام أجره فلا يعارض قوله "كسب الحجام خبيث " فإنه لم يقل: إن إعطاءه خبيث بل إعطاؤه إما واجب وإما مستحب وإما جائز، ولكن هو خبيث بالنسبة للآخذ وخبثه بالنسبة إلى آكله فهو خبيث الكسب ولم يكن من ذلك تحريمه، فقد سمى النبي r الثوم والبصل خبيثين مع إباحة أكلهما. ولا يلزم من إعطاء النبي صلى الله عليه وسلم الحجام أجره حل أكله فضلاً عن كون أكله طيباً فإنه r قال :" إني لأعطي الرجل العطية يخرج بها يتأبطه ناراً " والنبي صلى الله عليه وسلم قد كان يعطي المؤلفة قلوبهم من مال الزكاة والفيء مع غناهم وعدم حاجتهم إليه ليبتلوا من الإسلام والطاعة ما يجب عليهم بذله بدون إعطاء، ولا يحل لهم توقف بذله على الأخذ بل يجب عليهم المبادرة إلى بذله بلا عوض. وهذا أصل معروف من أصول الشرع، إن العقد والبذل قد يكون جائزاً، أو مستحباً أو واجباً من أحد الطرفين، مكروهاً أو محرماً من الطرف الآخر ".
وبالجملة فخبث أجر الحجام من جنس خبث أكل الثوم والبصل، ولكن هذا خبيث الرائحة، وهذا خبيث لكسبه وهذا هو الذي قرره أهل العلم /إهـ كلام ابن القيم.
ويرى الإمام الطحاوي(1) أن النهي عن كسب الحجام ووصفه له صلى الله عليه وسلم: كسب الحجام خبيث منسوخ بإعطائه r له أجره. وهذا الذي عليه جمهور الفقهاء من علماء المسلمين.
دفن دم الحجامة:
ويستحب أن يدفن دم الحجامة فقد ورد عن أم سعد رضي الله عنها (1) أنها قالت: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بدفن الدم إذا احتجم". وعن عبد الله بن الزيير رضي الله عنهما قال: احتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعطاني دمه وقال: اذهب فواره لا يبحث عنه سبع أو كلب أو إنسان، فتنحيت فشربته ثم أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ما صنعت ؟ قلت: صنعت الذي أمرتني به، قال: ما أراك إلا قد شربته، قلت نعم. قال: ماذا تلقى أمتى منك. قال أبو سلمة: فيرون أن القوة التي كانت في ابن الزبير من قوة دم النبي صلى الله عليه وسلم .
وقال الإمام النووي (2) قال أصحابنا[أي الشافعية]:" والدفن لا يختص بعضو من علم موته، بل كل ما ينفصل من الحي من عضو وشعر وظفر وغيرها من الأجزاء يستحب دفنه وكذلك توارى العلقة والمضعة تلقيها المرأة، وكذا يوارى دم الفصد والحجامة /إهـ .
وفي حاشية الشرواني عن التحفة (للشافعية) قولهم: ويسن دفن ما يزيله من شعر وظفر ودم (مغني المحتاج:حاشية الشرواني 2/476).
وعند الحنفية،ذكر ابن عابدين في حاشيته 5/26:" يستحب دفن الشعر والظفر والدم والمضغة والعلقة اللتين تلقيهما المرأة ".
وعند الحنابلة، ورد في كتاب (المغني1/64)"ويستحب دفن ما قلم من أظفاره أو أزال من شعره ، وكان يعجبه دفن الدم".
الحجامة في التراث العربي الإسلامي:
الحجامة عند ابن قيم الجوزية في كتابه الطب النبوي:
..... وأما منافع الحجامة فإنها تنقي سطح البدن أكثر من الفصد، والفصد لأعماق البدن أفضل، والحجامة تستخرج الدم من نواحي البدن. والتحقيق في أمرها وأمر الفصادة أنهما يختلفان باختلاف الزمان والمكان والأسنان والأمزجة. وقد نص الأطباء على أن البلاد الحارة، الحجامة فيها أنفع وأفضل من الفصد، وتستحب وسط الشهر وبعد وسطه وفي الجملة في الربع الثالث من أرباع الشهر، لأن الدم في أول الشهر لم يكن بعد قد هاج وتبيغ وفي آخره يكون قد سكن، وأما في وسطه وبعيده فيكون في نهاية التزايد.....
وبعد أن يورد ابن القيم ما ورد من أحاديث نبوية في الحجامة يخلص إلى القول :
..... ومن ضمن هذه الأحاديث استحباب التداوي، واستحباب الحجامة وأنها تكون في الموضع الذي يقتضيه الحال، وجواز احتجام المحرم وإن آل إلى قطع شيء من الشعر فإن ذلك جائز وفي وجوب الفدية عليه نظر ولا يقوى الوجوب. وجواز احتجام الصائم، لكن هل يفطر بذلك أم لا ؟ مسألة أخرى والصواب الفطر بالحجامة لصحته عن رسول الله r من غير معارض. وفيها دليل على جواز استئجار الطبيب وغيره من غير عقد إجارة بل يعطيه أجرة المثل أو ما يرضيه وفيها دليل على جواز التكسب بصناعة الحجامة فإن النبي r أعطى الحجام أجره ولم يمنعه من أكله .../إهـ
الفصد والحجامة عند البغدادي[المتوفى عام 29هـ](1) .
قال: وهما من حوائط الصحة. بوب عليه البخاري "باب الحجامة من الداء " فقد أمر رسول الله r بالحجامة. وفي كراهة فصد العروق روايتان أظهرهما عدم الكراهة وقد بعث رسول الله r إلى أبي بن كعب طبيباً فكواه وفصد العرق. فالحجامة تنقي سطح البدن والفصد لأعماقه والحجامة تستعمل في البلاد الحارة والفصد في البلاد الباردة وينبغي أن يجتنب الحجامة بعد الحمام إلا لمن غلظ دمه، ويكره على الشبع ..../ .
الحجامة عند ابن القف (1)
" إن الحجامة عند الجراحين تعني بالمادة الدموية المستولية على ظاهر البدن لإخراجها إما بشرط(الحجامة الرطبة) أو بلا شرط (الحجامة الجافة). والتي بغير شرط إما بنار أو بغير نار(بالمص)...
والطبيب خادم الطبيعة يحذو حذو أفعالها وإذا دعت الحركة الطبيعية المادة إلى جهة من الجهات، أو مالت بنفسها إلى تلك الجهة فمن الواجب أن تُعان على إخراجها وتخفيف مقدارها وذلك بفتح مجاريها أو بشرط الجلد ثم وضع ما يعين على بروزها بالمحاجم .
والحجامة تلزم حين الحاجة لا سيما في الأبدان العليلة مع مراعاة مقدار الشرط (طوله وعمقه بحسب مقدار مادة الخلط وقواها )، و يمرخ العضو قبل الشرط تمريخاً قوياً ويعلق عليه المحاجم مرة أخرى بغير شرط لتنجذب المواد المراد إخراجها .
أما المواضع المناسبة للحجامة فمنها النقرة التي فوق القف بأربع أصابع وتنفع من الرمد وثقل الرأس، والقمحدوة والأخدعين في جانبي العنق، والذقن والكاهل(بين الكتفين) والمنكب مقابل الترقوة من الخلف والناغض خلف اليد .
والمحاجم بغير النار تمص مصاً بالغاً وتريح العضو لتسكين الوجع، والمحاجم بالنار، فيوضع قطن داخل المحجمة أو في قدح مناسب وتوقد فيه نار ثم نلقمه العضو فإنه يجذبه ويمصه مصاً قوياً .
كتاب " الفواكه الدوائي على رسالة ابن أبي زيد القيرواني ".
فوائد تتعلق بالحجامة ، منها :
يستحب لمن أراد الحجامة ألا يقرب النساء قبل ذلك بيوم وليلة وبعده كذلك.ومثل الحجامة في ذلك الفصادة. ومنها: أنه إذا أراد الحجامة في الغد أن يتعشى في ذلك اليوم عند العصر ، ولا ينبغي له دخول الحمام في يومه ذلك.
ومنها أنه ينبغي أن لا يأكل مالحاً إثر الحجامة فإنه يخاف منه القروح والجرب، نعم يستحب له إثرها الحلو ليسكن ما به، ثم يحسو شيئاً من المرقة ويتناول شيئاً من الحلو إن قدر، وينبغي له ترك اللبن بسائر أصنافه ولو رائباً، ويقلل شرب الماء في يومه.
ومنها اجتناب الحجامة في نقرة القفا لما قيل من أنها تورث النسيان، والنافعة في وسط الرأس لما روي عنه عليه الصلاة والسلام " إنها في هذا المحل نافعة من وجع الرأس والأضراس والنعاس والبرص والجذام والجنون".
ومنها أنه يستحب ترك الحجامة في زمن شدة الحر في الصيف، ومثله شدة البرد في الشتاء، وأحسن زمانها الربيع، وخير أوقاتها في الشهر عند أخذه في النقصان قبل انتهاء آخره /إهـ.
مقالة في الفصد لأمين الدولة بن التلميذ ( المتوفى 560هـ)
الفصد هو تفرق اتصال إرادي، يتبعه استفراغ كلي من العروق خاصة ويتوسطها من جميع الجسم، وقولنا من العروق خاصة لنفصله عن الحجامة لأن الحجامة هي تفرق اتصال لكن أكثر استفراغها من نواحي الجلد والفضل لا من العروق خاصة .
الأغراض المقصودة في الفصد ثلاثة وهي إما نقص الكمية وإما إصلاح الكيفية وإما هما معاً .
[ثم ذكر أبواباً يفصل فيها في كيفية الفصد لسنا هنا في معرض إيرادها حتى وصل إلى الباب السادس في ذكر العلل التي يفصد لها كل واحد من هذه العروق]:
تفصد عروق الهامة لقروح الرأس والسعفة والصداع ويفصد عرق الجبهة للسدد، وثقل الرأس وغلظ الجفون، وعرق المآقين للسبل والأرماد العنيفة. وعرق الأرنبة للبثور في باطن الأنف وبخر الأنف ونتن ريحه ونتن رائحة الفم، ويفصد شريانا الصدغين للشقيقة الصعبة والنوازل الدموية إلى العينين. والعرق التي خلف الأذنين لقروح مؤخر الرأس، وأما عرق الذقن فيقال أن فصده ينفع في البخر.
والودجان يفصدان للجذام والأمراض السوداوية وخشونة الصوت والبحة المزمنة. والعرق الذي على الكبد يفصد للمستسقين الذين يحتاجون إلى إخراج الدم. والباسليقان ينفعان من أمراض التنفس وأمراض الأحشاء الامتلائية.والشريان الذي بين الإبهام والسبابة وهو الذي أمر جالينوس بفصده من اليمنى من امرأة لوجع كان في كبدها . وهو شديد النفع من الأمراض المزمنة في الكبد والحجاب .
وأما عرق النسا فيفصد من ألم مفصل الورك الممتد إلى القدم والمسمى وجع عرق النسا، والصافن يفصد لإدرار الطمث ولأصحاب الشقيقة.
الباب السابع في العلل التي ينفع بها الفصد : ينفع من أصناف سوء المزاج الحار مع مادة كالحميات الحارة والحميات الحادثة من عفونة الأخلاط كما ينفع في الأورام الحارة كالسرسام والرمد الحار وذات الرئة وذات الكبد وسائر أورام الأحشاء. وينفع في الخفقان الحار والصداع الحار والتشنج الامتلائي ويفصد من يخاف عليه حدوث ورم بعد ضربة، ويفصد من يعتريه نفث الدم من انصداع عرق في الرية لأن الدم إذا كثر في أوردتها صدع ذلك العرق فعلاً بغته الدم، فيفصد ليؤمن الانصداع .
وأما الأصحاء، فإن أصحاب الكباد الحارة وهم الذين عروقهم واسعة وألوانهم حمر جيدة ذات رونق يكون الأقدام إلى فصدهم أكثر ./إهـ(1).
.
__________________
موسوعة دراسات وأبحاث العلوم الجنية والطب الروحي للباحث (بهاء الدين شلبي)
|