الحديث التاسع : حديث قول الله تعالى للشهداء : هل تشتهون شيئاً ؟
أخرجه الإمام مسلم في صحيحه ، من فضل الجهاد والسير - باب في بيان
أن أرواح الشهداء في الجنة .. إلخ
عن عبد الله بن مرة ، عن مسروق، قال : ( سألنا - أو سألتُ عبد الله بن
مرة ، عن هذه الآية ( وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ
عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ) - قال : أما إنا قد سألنا عن ذلك ، فقال : أرواحهم في
جوف طير خضر ، لها قناديل معلقة بالعرش ، تسرح من الجنة حيث
شاءت ، ثم تأوي إلى تلك القناديل ، فاطلع إليهم ربهم اطلاعة فقال : هل
تشتهون شيئاً ؟ قالوا : أي شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث
شئنا ؟ ففعل ذلك بهم ثلاث مرات ، فلما رأوا أنهم لن يتركو من أن
يسألوا ، قالوا : يارب ، نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا ، حتى نقتل في
سبيلك مرة أخرى ، فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا ) " صحيح ".
( ولقد اقتصر الكاتب على هذه الرواية لأنها تكون عن غيرها ، والله أعلم ).
وأخرجه الترمذي - رحمه الله تعالى - في صحيحه - باب - من سورة آل
عمران.عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه سئل عن قوله تعالى :
( وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ) -
فقال : أما إنا قد سألنا عن ذلك ، فأخبرنا أن أرواحهم في طير خضر ،
تسرح في الجنة حيث شاءت وتأوي إلى قناديل معلقة بالعرش ، فاطلع
إليهم ربهم
إطلاعه ، فقال : هل تستزيدون شيئاً ، فأزيدكم ؟ قالوا : ربنا ، وما نستزيد
فقال : هل تستزيدون شيئاً فأزيدكم ؟ فلما رأوا أنهم لم يتركوا قالوا : تعيد
أرواحنا ، حتى نرجع إلى الدنيا ، فنقتل في سبيلك مرة أخرى ). " صحيح "
وأخرجه ابن ماجة في سننه عن ابن مسعود أيضاً - في فضل الشهادة في
سبيل الله تعالى - بألفاظ قريبة من ألفاظ الترمذي ، إلا أنه قال فيه :
( سلوني ماشئتم ) مرة واحدة ، وقال فيه ، (وماذا نسألك ، ونحن نسرح
في الجنة ، في أيها شئنا؟ ) وزاد فيه : ( فلما رأى أنهم لم يسألوا إلا ذلك
تركوا ) " صحيح " .
وأخرجه النسائي - في باب ( مايتمنى أهل الجنة ) فقال :
عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - : يؤتى بالرجل من أهل الجنة ، فيقول الله - عز وجل - : يا ابن
آدم ، كيف وجدت منزلك ؟ فيقول : أي رب ، خير منزل ، فيقول : سل
وتمن ، فيقول : أسأل أن تردني إلى الدنيا ، فأُقتل في سبيلك عشر مرات
لما يرى من فضل الشهادة ) " صحيح " .
شرح الحديث :
وهو مأخوذ من تقريرات على هامش متن مسلم المصور لمطبعة الشعب
ورواه مسلم في صحيحه بثلاث طرق إلى الأعمش ، فقال في الأولى : حدثنا
يحيى بن يحيى وأبو بكر بن شيبة ، كلاهما عن أبي معاوية ، ثم حول السند ،
وقال في الطريقة الثانية : وحدثنا إسحاق بن ابراهيم ، أخبرنا جرير ،
وعيسى بن يونس ، جميعاً عن الأعمش ، ثم حوّل السند ، فقال في الطريقة
الثالثة : وحدثنا محمد بن عبد الله بن نمير - واللفظ له - حدثنا أسباط ، وأبو
معاوية ، قالا : حدثنا الأعمش عن عبد الله بن مرة عن مسروق قال : سألنا -
وفي نسخة : سألت عبد الله ( والأكثر على أنه عبد الله بن مسعود ) ويؤيد
مانقله الشارح عن القاضي ، من أنه وقع في نسخ مسلم : ( عبد الله بن
مسعود ) منسوباً - ومن الناس من قال : هو عبد الله بن عمر أي ابن
الخطاب.
وقوله : ( عن هذه الآية ) أي معناها ، وما المقصود منها .
وقوله : ( أما أنا قد سألنا عن ذلك ) يعني سألنا النبي - صلى الله عليه وسلم
- عن تأويل هذه الآية ، فيكون الحديث مرفوعاً يدل على ذلك قرينة الحال ،
فإن ظاهر حال الصحابي أن يكون سؤاله من النبي - صلى الله عليه
وسلم - ، لاسيما في تأويل آية كهذه - مما يتعلق بعلم الغيب - وفي
المرقاة : ( تأوي إلى تلك القناديل ) أي تنزل فيها ، وتأوي إليها - ومأوى
كل حي - هو مسكنه الذي يقيم فيه ، أي تكون تلك القناديل بمنزلة أوكار
لها ، تأوي إليها وتبيت فيها، والله أعلم .
وقوله : ( فاطلع إليهم ) عداه بإلى ، لتضمنه معنى النظر إليهم ، وجملة
الحديث تمثيل لحال الشهداء ، وقربهم من الله تعالى ، وعنايته بهم ، وتمتعهم
بما يشاؤون ، وتمكنهم مما يشتهون من لذات الجنة.
وقوله : ( ففعل ذلك بهم ثلاث مرات ) أي تكرر سؤاله لهم ثلاث مرات وهم
يجيبون لما أجابوا به أولاً ، وإنهم ليس لهم مطلب إلا أن يعيد إليهم أرواحهم ،
حتى يقتلوا مرة أخرى ليحوزوا أجر شهادة ثانية ، تركهم ولم يسألهم بعد ،
وفي حديث غير هذا الحديث وهو لجابر : ( قال الرب : قد سبق مني أنهم لا
يرجعون ). والله أعلم.
-----------
..انتهى النقـــل ..
والله الموفــــق
أسأل الله العظيم أن يرزقنا شهادة في سبيله
وأن يرحم شهداء المسلمين من إخواننا في غزة
وفي كل مكان .. اللهم آمين