عرض مشاركة واحدة
  #66  
قديم 19-04-2006, 05:08 PM
الصورة الرمزية جند الله
جند الله جند الله غير متصل
دراسات وأبحاث في الطب الروحي
 
تاريخ التسجيل: Mar 2006
مكان الإقامة: القاهرة
الجنس :
المشاركات: 1,516
الدولة : Saudi Arabia
افتراضي

شرح الفارق الثالث


الرؤيا الرحمانيـة: منطقية ومرتبة في تسلسلها
فهي منطقية في خصوصية أحداثها، فرغم غرابة الحدث المصور فيها، إلا أنها متوافقة في عناصرها ودلالات رموزها، ومرتبة في تسلسل أحداثها وفق سياق المثل المضروب في الرؤيا.

مثال: قال تعالى: (وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ) (يوسف: 43)، كأن يرى النائم سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف، أن تأكل العجفاء السمينة أيضا منطقي لعوزها، فالسمينة ممتلئة تشعر بالشبع، خلاف العجاف نحيفة تشعر بالجوع، فرغم غرابة الحدث نفسه، إلا أنه منطقي ومتسلسل بغير تعارض أو تناقض.

تنبيه: يجب أن نفرق بين مخالفة الرؤية للواقع بخيال جامح، وبين منطقية أحداث الرؤية نفسها، فنحن لا نتكلم عن مطابقة الرؤيا للواقع، ولكن نتكلم عن أحداث الرؤية ذاتها، فتتصف الرؤى الرحمانية بأن أحداثها تتسلسل مرتبة ومنظمة ومتوافقة مع بعضها البعض حسبما يجري فيها من أحداث، وبلا تناقض أو تعارض فيما بينها، وبالتالي لا يدخل فيها عنصر التهويل أو التهوين من قيمة الحدث نفسه المشاهد في الرؤية.

فهي منطقية في خصوصية أحداثها، فرغم غرابة الحدث المصور فيها، إلا أنها متوافقة في عناصرها ودلالات رموزها، ومرتبة في تسلسل أحداثها وفق سياق المثل المضروب في الرؤيا.

الأحلام الشيطانية: عشوائية ومتناقضة
تفتقد إلى منطقية الأحداث رغم محالفتها الواقع وجموحها، فهي متناقضة في موضوعاتها، وعشوائية في ترتيب أحداثها، ويصورها الشيطان وفقا لهدفه من التلعب والتهويل.

مثال: فعن جابر قال: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله رأيت في المنام كأن رأسي ضرب فتدحرج فاشتددت على أثره فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للأعرابي: (لا تحدث الناس بتلعب الشيطان بك في منامك). وقال سمعت صلى الله عليه وسلم بعد يخطب فقال: (لا يحدثن أحدكم بتلعب الشيطان به في منامه). أخرجه: مسلم (4212).

فأن يقطع رأس الرجل ويجري وراء رأسه يتبعه، فهذا غير منطقي بالمرة، فبقطع رأسه يموت وتتوقف حركته، وهذا تهويل في الرؤية وتلعب، فالميت لا يجري ويكون له إرادة في تتبع رأسه بعد موته، فهذا تناقض في الأحداث، وعشوائية في تسلسل الحدث، فلو أنه حدث عكس هذا التسلسل السابق بأن رأس الرجل قطع ثم عاد إليه رأسه ثم قام يسعى، لجاز كونها رؤية وأمكن تعبيرها، لأنه تسلسل منطقي، ولكن حدث هنا العكس تماما.

تنبيه: من الممكن أن يرى النائم وكأنه ميت ويبعث يوم القيامة، وهذا شائع كثيرا جدا، فبداية الرؤية منطقي ومتفق في تسلسل الحدث مع البعث يوم القيامة، لكن في الحلم الشيطاني هنا الرجل مات داخل الرؤية وقام يجري فهذا تناقض وعشوائية لا تسلس منطقي فيها، فتنبه لهذا الفارق الهام حتى لا تشت أيها المعبر الحاذق.

تنبيه: لا يمكن أن يجتمع الضدين إلا فيما هو باطل، ففي بعض الأحيان يتدخل الشيطان بأحلامه الشيطانية بعد الرؤية مباشرة، ويتم ذلك بمجرد انتهاء عمل الملك أو الجن المسلم الصالح الموكل بالرؤية، وهنا يستمر النائم يرى في منامه أحداثا جديدة منقطعة عن الحدث الأول، فيحدث خلط لدى النائم بين الرؤية والحلم، ولكن الأمر ليس بالعسير، فستجد أن الرؤيا تسير منتظمة وفقًا لصفات الرؤيا الرحمانية، وفجأة تنتقل الأحداث إلى الضد لتظهر عليها صفات الأحلام الشيطانية، وربما أحاديث النفس، لذلك فخذ المعتبر به في التأويل، وهو دائما يكون أول ما رأى النائم ثم يليه عمل الشيطان أو التفس مباشرة، ثم اطرح من الرؤيا المخالف لشطرها الأول، ولا يعتد بما تراه بعد ذلك من خلط وتلعب من الشيطان أو من أضغاث الأحلام، مهما بلغت الرؤيا من الصدق والصلاح فلا تغتر أيها المعبر بما تبعها من باطل، فلا تخلط الحق بالباطل، فتنبه لهذا تربت يمينك.

أضغاث الأحـلام: منطقية مختلطة الأحداث
فهي مزيج بين ما هو منطقي وبين ما هو خيالي، فتكون مختلطة الأحداث، فهي منطقية من جهة أن العقل الباطن يصورها للنائم، وخيالية من جهة أن الحالة النفسية للنائم تؤثر في مسار الأحداث وتسلسلها تبعا للشطط في هوى النفس وما تحمله من أمنيات وكبت.

مثال: كأن يرى النائم أنه يرتدي ثيابه صباحا للذهاب إلى عمله، وبعد انتهاءه وخروجه من البيت، فجأة يتذكر أنه نسي ارتداء الجوارب، أو أن الجورب ممزق، فيقول لنفسه سأسير في اتجاه أحد المحلات لشراء جورب جديد، هذا بدلا من يعود إلى البيت لارتدائه أو استبداله بآخر سليم، ثم يذهب إلى المحل وبدلا من شراء جورب إذا به يطلب من صاحب المحل تناول كوب من العصير المثلج أو اللبن.

فهذه على سبيل المثال أحداث منطقية، لكن ترتيبها وتسلسلها غير منظم، حيث أن شخصية النائم المتكاسل، وحالته النفسية النافرة من البيت تحركان الأحداث تبعا لهذا الشعور المتبطن في داخله، فبدلا من أن يعود إلى البيت لارتداء الجورب أو استبداله بآخر سليم، يمضي في طريقه ربما رغبة منه في الفرار من البيت، وعدم رغبته في العودة إليه، مهما كانت الأسباب ملحة، وهذا التسلسل العشوائي تحركه نفسية المريض، ولكن بشكل منطقي، فالجورب ارتداؤه ضرورة ملحة لراحة القدمين، ولك الحالة النفسية للنائم تحركه بعيدا عن البيت مهما كانت الظروف ملحة.

وطلبه العصير بدلا من شراء الجورب هو تغير في تسلسل الأحداث، وتفسيره قد يكون محاولة منه للشعور بالاستجمام بعيدا عن جو البيت الكئيب الذي يشعر معه بالعطش والجفاف في العلاقة الأسرية، فيعوض عطشه بكوب مثلج من العصير، وقد يوهم النائم نفسه بأن هذه رؤية صالحة وأن الله عوضه عن معاناته في بيته بشرب كوب اللبن كناية عن الفطرة ولجوءه إلى الله، فالنائم هنا هو صانع لأحداث الرؤية حسب مخيلته وتبعا لحالته النفسية.

تنبيه: وقس على هذا أن بعض الناس من شدة انشغاله بموضوع ما خاصة من المواضيع العامة، كظهور المهدي، والحرب الصليبية المعاصرة، وتعلقه بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وسيرة أصحابه الأطهار، فقد يتخيل النائم أحداثا تجري بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم، أو بينه وبين صحابته الكرام، فكما أنه هناك أحلام يقظة وهي من حديث النفس، فنفس ما يحدث في أحلام اليقظة يتصوره النائم في حديث النفس، فيظن الرائي أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم فعلا، ولكن رآه تبعا لمخيلته هو، لا تبعا لصورة النبي صلى الله عليه وسلم التي كان عليها، ولو أنك طلبت منه أن يصفه لك لاختلفت الأوصاف ولما تطابقت، خاصة في الرؤى المفصلة لا الرؤى المجازية.

أو يرى النائم أنه يشارك في هذه الصراعات الآن على الساحة العسكرية، رغم أنه في الواقع بعيدا عنها كل البعد، والصلة التي تجمعه بهذه الأحداث مجرد ما تنشره الصحف وتبثه الفضائيات، وما يتكلم فيه العامة من الناس، فيتخيل أنه يشارك في رد عدوان هذه الحروب، وأن الصحابة معه ينصرونه ويؤيدونه، وكأنه القائد المغوار الذي سيفتح الله العالم على يديه، فهذا أمر منطقي ولكنه يتعارض مع واقع الرائي، وواقع حاله، وبالتالي يصنف كحديث نفس لا كرؤية صالحة، بحيث أن الرؤيا لا تتفق وحال الرائي، ولا تليق به، كأحداث وتأويل.

فمن جهة واقع الأمة اليوم فلا يظهر على الساحة الإسلامية من يصلح لقيادتها في مواجهة أعداء الله، لا من جهة الصلاح والتقوى، ولا من جهة الكفاءة في قيادة الأمة، فلابد من اجتماع التقوى والكفاءة معا، وهناك فارق بين الخبرة والكفاءة، فليس كل من خاض غمار الجهاد وصار لديه خبرة فيها يصلح قائدا، بل الكفاءة ومهارة القيادة هي المعول الأساسي بعد الخبرة، وللأسف أن كل النماذج ذات الخبرة على الساحة اليوم أفل نجمها، وللأسف لم تحقق إنجازا تستحق معه أن يشار إليها بالبنان، فهما شرطان غير مجتمعان في أي شخص على الساحة الإسلامية الآن، لذلك يجب أن نقيس الرؤية على واقع الأمة من جهة، وعلى واقع المريض نفسه من جهة أخرى.

وهذا الخلط بين أنوا ع المنامات المختلفة والخطأ في التأويل من الأخطاء الشائعة اليوم، والتي وقع فيها كثير من المعبرين في زماننا، لأن هذه المنامات كثرت بشكل غزير جدا، واستفحل أمرها مع الضغوط النفسية التي يتعرض لها المسلمون، حتى أن البعض يجزم بأن المهدي موجود الآن حي يرزق، وهم في انتظار ظهوره في أي لحظة، ويتتبعون الفضائيات ليل نهار أملا أن تذيع خبر ظهوره!! وهذا يجعل الناس تعيش في وهم يخالف واقع حياتهم والوضع الراهن الذي عليه حال الأمة اليوم، وهذا بكل تأكيد له ضرره على المجتمعات فكريا وعقائديا، هذا بخلاف أنه تأويل للرؤى بخلاف أصولها المعتبر بها بين المعبرين، وهذا يعد تلعب بالنبوة.

.
__________________




موسوعة دراسات وأبحاث العلوم الجنية والطب الروحي
للباحث (بهاء الدين شلبي)
 
[حجم الصفحة الأصلي: 19.65 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 19.02 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (3.19%)]