الســــلام عليكم ورحمـــة الله وبركـــــاته
الحديث الســــابع : حديـــث *(( أتانــي ربي في أحســن صـورة ))*
عن ابن عباس - رضي الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم قال :
( أتاني ربي في أحسن صورة فقال : يامحمد ، قلت : لبيك ربي وسعديك ،
قال : فيم يختصم الملأ الأعلــى ؟ قلت : ربي لا أدري ، فوضع يده بين
كتفي،فوجدت بردها بين ثديي ، فعلمت مابين المشرق والمغرب ، قال : يا
محمد ، فقلت : لبيك ربي وسعديك ، قال : فيم يختصم الملأ الأعلى ؟ قلت :
في الدرجات ، والكفارات ، وفي نقل الأقـــدام إلى الجماعات ، وإسباغ
الوضوء في المكروهات ، وانتظار الصلاة بعد الصلاة ، ومن يحافظ عليهن
عاش بخير ، ومات بخير ، وكان من ذنوبه كيوم ولدته أمه ). " صحيح ".
شرح الحديث:
بداية :
إن أول مايجب على المؤمن أن يعتقد تنزيه الله تعالى عن مشابهة خلقه ، قال
تعالى :( ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ) وقال تعالى ( قل هو الله أحد،
الله الصمد ، لم يلد ولم يولد ، ولم يكن له كفوا أحد ) واعتقاد غير ذلك مخل
بالإيمان ، واتفق أئمة المسلمين قاطبة على أن ماورد من الكتاب والسنة مما
ظاهره يوهم تشبيه الله تعالى ببعض خلقه ، يجب الإيمان بأن ظاهره غير
مراد ، ولا يصح وصف الله تعالى بما يفيده هذا الظاهر من حيث عمومه ؛
بل يسمون مثل هذا بالمتشابه ، ولعلماء الأمة فيه مذهبان : مذهب السلف ،
ومذهب الخلف ؛ فمذهب السلف يعتقدون أن ظاهره غير مراد ، ويفوضون
علمه إلى الله مع إيمانهم بأن الله منزه عن مشابهة خلقه ، ولا يعينون معنى
خاصاً لهذا التشابه ، بل عقيدتهم هي التفويض الكلي في علمه
إلى الله تعالى ، يقول الله تعالى : ( ومايعلم تأويله إلا الله ) ثم يبدؤون في
القراءة بقوله تعالى : ( والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا
وما يذكر إلا أولوا الألباب ) . ومذهب الخلف مع اعتقادهم تنزيه الله تعالى
عن مشابهة خلقه - يؤولون اللفظ المتشابه بمعنى ليس من المستحيل إطلاقه
على الله تعالى ، مثلاً يؤولون الصورة هنا المذكورة في قول النبي - صلى
الله عليه وسلم - :
( أتاني ربي في أحسن صورة ) _ مراد به صفات الجلال والكمال التي تليق
به تعالى ، وهي التي تجلى بها ربه له - صلى الله عليه وسلم - .
كما أنهم يقولون: إن وضع الكف بين كتفيه - صلى الله عليه وسلم - هو
كناية عما أفاض ربه على قلبه - صلى الله عليه وسلم - من العلوم
والمعارف ، لأن القلب يحاذي ذلك المكان من البدن ، بدليل قوله - صلى الله
عليه وسلم - ( حتى وجدت برد ذلك بين ثديي ) والمقصود من ذلك امتلاء
قلبه - صلى الله عليه وسلم - بالعلوم التي يطمئن ، فإن اليقين يثلج الصدر ،
ويطمئن قلبه ، كما قال الخليل - صلى الله عليه وسلم - : ( ولكن ليطمئن
قلبي ) .
والذي يقوي ذلك أيضاً قوله - صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك ( فعلمت
مابين المشرق والمغرب ) - وفي رواية : ( فعلمت مافي السموات وما في
الأرض )، وفي رواية : ( فتجلى لي كل شيء وعرفت ) ، وكانت نتيجة
امتلاء قلبه - صلى الله عليه وسلم - بالعلوم والمعارف أن أجاب عن سؤال
ربه تعالى : ( فيم يختصم الملأ الأعلى ؟ ) والله أعلم .
والملأ الأعلى الملائكة سكان السموات وما فوقهن من الكرسي والعرش ،
والحافين بالعرش ، واختصاصهم في ذلك يحتمل وجهين : أحدهما أنهم
يتخاصمون في التسابق إلى كتابة ثواب هذه الأمور - أو يتخاصمون في
معرفة كنه ثوابها ، فبعضهم يزيد عن الآخر في تقدير له .
الوجه الثاني يحتمل أنهم يتمنون أن يكونوا من أهل الأرض ، حتى يتمكنوا
من التسابق في هذه الأعمال ، لما أنهم على يقين من جزيل ثوابها ، وحسن عاقبتها.
ثم إن في بعض هذه الروايات إجمالاً ، يفسره بعض ماورد في الروايات
الأخرى ، فالمفهوم من جملة الروايات الثلاث : إن الملأ يختصمون في
شيئين : في الكفارات وفي الدرجات ، أي في الأعمال التي تكون سببا لتكفير
الذنوب والخطايا وفي الأعمال التي تكون سببا في رفع الدرجات ثم بين
الكفارات بأنها مشي الأقدام إلى الحسنات من صلاة جماعة أو حضور علم
أو زيارة مريض أو غيرها والجلوس في المساجد لانتظار الصلوات ، وإسباغ
الوضوء على المكاره.
ورفع الدرجات يكون بإطعام الطعام ، ولين الكلام والصلاة بالليل والناس
نيام، والله أعلم.
والمراد بإسباغ الوضوء على المكاره هو الوضوء في البرد وغيره ومثله
جميع أنواع الطهارات ، والله أعلم .
..انتهى النقل ..
نسأل الله تعالى أن ينفع بما كتبنا
وفق الله الجمــيع