شرح الفارق الثاني
الرؤيا الرحمانيـة: (لها تأويل وتعبير)
أي فك مفرداتها ورموزها، وكشف دلالاتها، وذلك لأنها من علم الغيب فهي صادقة وبحاجة لتوضيح غموض معانيها في عالم الشهادة، وهذا يعني العبور بها من عالم المثل الذي يضربه الملك إلى عالم الحقيقة، وإسقاطها في واقع الحياة، وذلك لأن الرؤيا الرحمانية في الغالب لا تأتي مباشرة للحدث المقصود بيانه إلا للأنبياء، ولكن تأتي مرموزة ومشفرة.
مثال: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (رَأَيْتُ ذَاتَ لَيْلَةٍ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ كَأَنَّا فِي دَارِ عُقْبَةَ بْنِ رَافِعٍ فَأُتِينَا بِرُطَبٍ مِنْ رُطَبِ ابْنِ طَابٍ فَأَوَّلْتُ الرِّفْعَةَ لَنَا فِي الدُّنْيَا وَالْعَاقِبَةَ فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ دِينَنَا قَدْ طَابَ). أخرجه: مسلم (4215).
وهذه الرؤيا ذكرتها من باب ضرب المثل، فهي تحوي رموزا ودلالات كثيرة جدا، فأول (دار عقبة بن رافع) فرمز (دار) بالدار الدنيا، ودلالة اسم (عقبة) كناية عن الآخرة، ودلالة اسم (رفعة) كناية عن الرفعة، وأول في (رطب ابن طاب) جمع بين رمز (الرطب) وأوله بالدين، ودلالة اسم (طاب) كناية على اكتمال الدين.
وهذا التأويل له أصول وقواعد كثيرة، ولأننا لسنا هنا بصدد التصنيف لقواعد التأويل، فسأحيل القارئ إلى كتاب قيم أعجبني كثيرا جدا، وانصح كب طالب علم باقتنائه، وهو باسم (القواعد الحسنى في تأويل الرؤى – أربعون قاعدة في تعليم التأويل) لعبد الله بن محمد السدحاني، وقدم له فضيلة الشيخ الدكتور عبد الله بن جبرين، مكتبة الرشد _ الرياض، وهو كتاب صغير في حجمه، موجز في مادته، عظيم في فائدته، مجدد في أسلوبه وطريقة تناوله للتأويل.
الأحلام الشيطانية: (لا تأويل لها)فلأنها من تلعب الشيطان بالنائم فالأصل فيها الكذب، وهذا لا يمنع صدق بعض ما فيها في بعض الأحيان، لذلك فهي مباشرة الأحداث، وتفتقد للرمز والدلالة وضرب المثل، وبالتالي ليس لها تأويلها، لأن الهدف منها وقوع ضرر نفسي، فيصاب الرائي بالحزن، ولأنها تحزين من الشيطان.
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب، وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثا، ورؤيا المسلم جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة والرؤيا ثلاث فالرؤيا الصالحة بشرى من الله، والرؤيا من تحزين الشيطان، والرؤيا مما يحدث بها الرجل نفسه، فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقم فليتفل، ولا يحدث بها الناس) قال: (وأحب القيد في النوم وأكره الغل القيد ثبات في الدين). أخرجه: الترمذي (2196). قال وهذا حديث حسن صحيح.
تنبيه: والحالات التي قد يصدق الشيطان فيها في الأحلام مثل أن يفضح الناس بعضهم لبعض في مناماتهم، ليوقع بينهم الفتن، وقد يصور خبرا صادقا ليفتن الرائي في نفسه، فيظن بها التقوى والصلاح، فيقع في فتنة الغرور، وكذلك ما يريه الشيطان للسحرة والكهان من أحلام يبث لهم من خلالها الغيبيات، وحصيلة استراق السمع، وهناك الكثير من هذه الضروب التي قد يصدق فيها الشيطان لغرض إيقاع الرائي في الفتنة، فليتنبه الغافل عن هذا، فليست كل رؤية طيبة تغتر بها.
مثال: هذا كما في قصة برصيصا الراهب وهي قصة مشهورة ذكرها المفسرون في تفسير قوله تعالى: (كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِىءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاء الظَّالِمِينَ) [الحشر: 16: 17]، قال ابن عباس رضي الله عنه في قوله تعالى: (كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ): (كان راهب في الفترة يقال له برصيصا، قد تعبد في صومعته سبعين سنة، لم يعص الله فيها طرفة عين، حتى أعيا إبليس، فجمع إبليس مردة الشياطين، فقال: ألا أجد منكم من يكفيني أمر برصيصا؟ فقال (أي أحدهم): أنا أكفيكه.
فانطلق فتزيا بزي الرهبان، وحلق وسط رأسه حتى أتى صومعة برصيصا فناداه فلم يجبه، وكان لا ينفتل من صلاته، فلما رأى أنه لا يجيبه أقبل على العبادة في أصل صومعته، فلما انفتل برصيصا من صلاته، رآه يصلي في هيئة حسنة من هيئة الرهبان، فندم حين لم يجبه، فقال برصيصا: ما حاجتك؟ فقال له الشيطان: عندي دعوات يشفي الله بها السقيم و المبتلى والمجنون، فعلمه إياها. ثم جاء _ أي الشيطان _ إلى إبليس، فقال: قد والله أهلكت الرجل.
ثم تعرض لرجل فخنقه، ثم قال لأهله، وقد تصور في صورة الآدميين: إن بصاحبكم جنونًا أفأطبه؟ قالوا: نعم. فقال: لا أقوى على جِنيَّته، ولكن اذهبوا به إلى برصيصا، فإن عنده اسم الله الأعظم، فجاءوه فدعا برصيصا بتلك الدعوات، فذهب عنه الشيطان.
ثم جعل الشيطان الذي صاحب برصيصا يفعل بالناس ذلك ويرشدهم إلى برصيصا فيعافون، فانطلق إلى جارية من بنات الملوك بين ثلاثة إخوة، وكان أبوهم مالكًا فمات واستخلف أخاه، وكان عمها ملكًا من بني إسرائيل فعذبها وخنقها. ثم جاء إليهم في صورة متطبب ليعالجها، فقال: إن شيطانها مارد لا يطاق، ولكن اذهبوا بها إلى برصيصا، فدعوها عنده، فإذا جاء شيطانها، دعا فبرئت، فقالوا: لا يجبنا إلى هذا، قال فابنوا صومعة في جانب صومعته ثم ضعوها فيها، وقولوا، هي أمانة عندك احتسب فيها، فسألوه ذلك فأبى، فبنوا صومعة ووضعوا فيها الجارية.
فلما انفتل من صلاته عاين الجارية وما بها من الجمال، فأسقط في يده، فجاءها الشيطان فخنقها فانفتل من صلاته، ودعا لها فذهب عنها الشيطان، ثم أقبل على صلاته، فجاءها الشيطان فخنقها فانفتل من صلاته، ودعا لها فذهب عنها الشيطان، ثم أقبل على صلاته فجاءها الشيطان فخنقها، وكان يكشف عنها ويتعرض بها لبرصيصا، ثم جاء الشيطان فقال: ويحك! واقعها، فما تجد مثلها ثم تتوب يعد ذلك، فلم يزل به حتى واقعها فحملت وظهر حملها، فقال له الشيطان: ويحك! قد افتضحت، فهل لك أن تقتلها ثم تتوب فلا تفتضح؟ فإن جاءوك وسألوك فقل: جاءها شيطانها فذهب بها. فقتلها برصيصا ودفنها ليلاً، فأخذ الشيطان طرف ثوبها حتى بقي خارجًا من التراب، ورجع برصيصا إلى صلاته.
ثم جاء الشيطان إلى أخوتها في المنام، فقال، إن برصيصا، فعل بأختكم كذا وكذا، وقتلها ودفنها في جبل كذا وكذا، فاستعظموا ذلك وقالوا لبرصيصا: ما فعلت بأختنا؟ فقال: ذهب بها شيطانها، فصدقوه وانصرفوا، ثم جاءهم الشيطان في المنام وقال: إنها مدفونة في موضع كذا وكذا، وإن طرف ردائها خارج من التراب، فانطلقوا فوجدوها، فهدموا صومعته وأنزلوه وخنقوه، وحملوه إلى الملك فأقر على نفسه فأمر بقتله، فلما صلب قال الشيطان: أتعرفني؟ قال: لا والله. قال أنا صاحبك الذي علمتك الدعوات، أما اتقيت الله؟ أما استحييت وأنت أعبد بني إسرائيل؟ ثم لم يكفك صنيعك حتى فضحت نفسك، وأقررت عليها وفضحت أشباهك من الناس، فإن مت على هذه الحالة لم يفلح أحد من نظرائك بعدك. فقال: كيف أصنع؟ قال: تطيعني في خصلة واحدة وأنجيك منهم وآخذ بأعينهم. قال: وما ذاك؟ قال: تسجد لي سجدة واحدة. فقال: أنا أفعل، فسجد له من دون الله. فقال: يا برصيصا، هذا ما أردت منك، كان عاقبة أمرك أن كفرت بربك، إني بريء منك، إني أخاف الله رب العالمين).((تفسير القرطبي) (18/36: 37). )
تنبيه: وهنا يجب أن نضع في اعتبارنا التفريق بين ثلاثة أنواع من المنامات وثيقة الصلة بالجن، منها ما هو قابل للتأويل، ومنها ما هو قابل للتفسير، ومنها مردود لا يقبل فيها شيء من التأويل، ويجب عدم قصها لأنها تلعب وتهويل وكذب صريح من الشيطان.
الأول: وهو الرؤى الرحمانية مما يريه الجن المسلم، وهذا خلاف ما يريه الملك، وسوف نشرحه مفصلا في مكانه بإذن الله تعالى، وهنا ينبه الجن المسلم الرائي إلى شيء ما، ويبلغه رسالة ما، أو أمر بالمعروف ونهي عن المنكر، ومثل هذه الرؤى لها تأويل.
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَكْرٍ السَّهْمِيُّ عَنْ حَاتِمِ بْنِ أَبِي صَغِيرَةٍ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَتَلَتْ جَانًّا فَأُتِيَتْ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ فَقِيلَ لَهَا: أَمَا وَاَللَّهِ لَقَدْ قَتَلْت مُسْلِمًا، قَالَتْ: فَلَمْ يَدْخُلْ عَلَيَّ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقِيلَ لَهَا: مَا تَدْخُلُ عَلَيْك إلَّا وَعَلَيْك ثِيَابُك، فَأَصْبَحَتْ فَزِعَةً وَأَمَرَتْ بِاثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ. (منصف أبن أبي شيبة / كتاب الإيمان والرؤيا / رُؤْيَا عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا)
حدثنا روح بن عبادة ثنا حاتم بن أبي صغيرة ثنا عبد الله بن أبي مليكة أن عائشة بنت طلحة حدثته أن عائشة أم المؤمنين قتلت جنانا فأريت فيما يرى النائم فقيل لها والله لقد قتلت مسلما فقالت والله لو كان مسلما ما دخل على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فقيل لها: وهل كان يدخل عليك إلا وأنت متجلببة أو مخمرة؟! فأصبحت وهي فزعة فأمرت باثني عشر ألفا فجعلتها في سبيل الله عز وجل. (مسند الحارث بن أبي أسامة كتاب الصيد والذبائح وما أمر بقتله باب في جنان البيوت).
فهذه رؤية مباشرة تفاعلت معها أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، تسأل وتجاب، وأخذتها بعين الجد فأمرت باثني عشر ألفا في سبيل الله، وهذا من طبيعة ما يصوره الجن لا من طبيعة ما يصوره الملك، وواضح بكل تأكيد أنهم جن مسلم من عمار بيتها نبهوها إلى قتلها جن مسلم منهم.
الثاني: (الكشف البصري المنامي) وهو موازي (للكشف البصري اليقظي)، والذي يحدث للمرضى أثناء الرقية وعقد الجلسات، وفيها يرى المريض عالم الجن وما يحدث فيه من أحداث. ومنها يعلم المعالج تطور حالة المريض، وكل التفاصيل المطلوب معرفتها عن الحالة، وهذا يحصل منه المعالج على استنباطات ومعلومات كثيرة جدا تفيد في سلامة التشخيص، وتحديد مسار العلاج.
مثال: وهذا نموذج (للكشف البصري اليقظي)، فقد رأى ابن صائد يقظة وهو في الجزيرة العربية عرش إبليس على الماء، رغم بعد المسافة، وهذا لا يتم إلا عن طريق جن حضر على عينيه، فرأى بعين الجن ما لا يراه الإنس، فعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لابن صائد: (ما ترى؟) قال: أرى عرشًا على الماء أو قال: على البحر حوله حيات، قال صلى الله عليه وسلم: (ذاك عرش إبليس). أخرجه: مسلم (5031) (5208).
وقس على هذا ما يراه المصابون بالأمراض الجنية من أحداث تتم بينه مبين الشياطين، سواء مطاردات أو معارك، وحيات وعقارب ووحوش وطيور، وغير ذلك مما يراه يقظة في أثناء الجلسات، أو مناما.
الثالث: هو الأحلام الشيطانية، وهذا غير القابل للتأويل هو الحلم الشيطاني، وهذه يقوم بتصويرها الشيطان، ليتلعب بالنائم ويروعه.
والأحداث المباشرة في تصوير المنام للناس (باستثناء ما يراه الأنبياء) هو في الأصل من طبيعة ما يصوره الجن، خصوصا الكافر منهم، لا من طبيعة ما يصوره الملك، وإن كان الجن المسلم يصورون كثير من المنامات بنفس طريقة الملك، إلا أن الحلم الشيطاني يختلف عن تصوير الجن المسلم من جهة التهويل والتلعب في أحداث الرؤية.
مثال: وها هو نموذج من أسلوب الشيطان المباشر في تصوير المنامات، فهذا رجل رأى أن رأسه قطع فتتدحرج أمامه، وهذا تصوير مباشر لا رمز فيه، وفيه ترويع للنائم، وهو مما يتعارض مع أصول الرؤى الرحمانية، فأين الرحمة في قطع الرأس وتدحرجها؟ ومثل هذا لا تأويل له، فعن جابر قال: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله رأيت في المنام كأن رأسي ضرب فتدحرج فاشتددت على أثره فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للأعرابي: (لا تحدث الناس بتلعب الشيطان بك في منامك). وقال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم بعد يخطب فقال: (لا يحدثن أحدكم بتلعب الشيطان به في منامه). أخرجه: مسلم (4212).
أضغاث الأحـلام: لا تأويل لها
فلأنها لا أصل لها في ضرب الأمثلة، ولأن عناصرها ورموزها ودلالاتها متضاربة، مثل أن يرى النائم عناصر متضادة في التأويل، وغير متفقة مع بعضها البعض، إلا ما يحدث المرء به نفسه إذًا فلا تأويل لها، لكن من الممكن للمحلل النفسي أن يستقرئ منها الحالة النفسية للإنسان، ويكتشف تكوين وملامح شخصيته، ودوافعه وانفعالاته.
مثال: كأن يرى أنه يلعق العسل من كأس خمر مثلا، فالعسل هو القرآن، والكاس الزجاجي كناية عن النساء، واستخدام الكأس في شرب الخمر أصلا كناية عن فساد هذه المرأة، وأنها تستخدم فيما حرم الله، وهذه عناصر متضاربة مع بعضها، فإذا أولناها قلنا بأن هذا الشخص سيتعلم القرآن من امرأة سكيرة أو ما جنة، وهذا تعارض في التأويل، فامرأة كهذه ليست ممن يحفظ القرآن، وإن حفظته القرآن وكان الرائي رجلا، وكانت امرأة أجنبية عنه، ما صح أن تعلمه القرآن وهناك من الشيوخ كم موفور أولى بتعليمه منها، فهذه عناصر متضاربة في التأويل، وبالتالي لا يصح تأويلها.
ولكن يقوم الأطباء والمحللون النفسيون بالتعرف عليها لتحليل شخصة الإنسان من خلال عناصرها، وهذا له تفصيل في علومهم الخاصة.
تنبيه: بالنسبة للرؤى الرحمانية قد تأتي في بعض الأحيان مباشرة وتأول كما رآها النائم، لكن هذا الحال على الاستثناء وليس على الأصل، وعلى المعبر أن ينظر في عناصر الرؤية، وصفاتها، فإن وجد ما ينفي وجود حديث نفس أو تلعب من الشيطان أولها كما رآها النائم.
مثال: ومن هذا رؤى الأنبياء، كرؤيا إبراهيم عليه السلام عندما رأى في المنام أنه يذبح ولده، قال تعالى: (فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ) (الصافات: 102)، مع التنبيه بعدم جواز القياس على رؤية الأنبياء بالنسبة لغيرهم، ولكن ذكرته هنا من باب البيان والتوضيح فقط، فرؤيا الأنبياء تشريع.
لذلك فرؤيا غيرهم من البشر هي من (القدر الكوني)، فيقدر الله تعالى أن تقع الرؤيا على ما تحمله من معنى ودلالة، ولا تقع كما رآها من تصوير، ولا تقع في (القدر التشريعي) كما للأنبياء والرسل فلا يؤخذ منها تشريع، لأن التشريع كمل وتمت نعمة الإسلام، وهذا له مبحثه في موضع آخر بإذن الله هنا.
فأن تقع الرؤيا كما رآها مصورة فهذا غالبا من تلعب الشيطان، أو نادرا جدا ما تكون من جن مؤمن، ولا يفعلوه إلا لأهداف ومصالح عامة، وليس لمصلحة شخصية أو فردية، لأن هذا قد يفضي إلى فتنة للرائي، كأن يرى في منامه أن يزوره قريب له، فيراه قادما عليه في زي كذا بلون كذا، فمثل هذا إن حدث فهو من تلعب الشيطان، فيعلم الشيطان بقدوم هذا الآتي فيصور للنائم قدومه فيحسب انه شيخ مبروك وفيه شيء له، وما أكثر ما يحدث هذا لكثير من الناس.
أما بالنسبة للجن المؤمن فعلى سبي المثال قد يأتي لقائد المسلمين في معركة ما فيصوروا له ثغرة من الثغور ويكشفوا له مخطط العدو، فيستيقظ فيجد كما رأى، أو عالم حار في مسألة فقهية حاسمة دلوه على مفتاح الوصول إليها، فهذه مصلحة عامة، أما أن رؤية صديق أو عروس قادم فهذه مصالح فردية وشخصية، والجن المؤمن لا يفعل مثل هذا، فتنبه.
.