أخي الكلم الطيب ,, وفيك بارك ,, ووقاك ربي عذاب السموم
راعية الأغنام ، والجني الثعبان
( كانت ترعى الغنم ، ولا تعرف المس واللمم ) ، ( ولا خبط الشيطان ، ولا الجني الثعبان ) ، ( ولم يخطر لها ذاك على بال ) ، ( بدوية ، شديدة قوية ) ، ( بماء الشباب رَيَّانة ) ، ( وبنبض الحياة ملآنة ) ، ( في الخامسة والثلاثين ) ، ( لا مرض في جسدها تشكوه ) ، ( ولا داء بالدواء تجلوه ) ، ( ممشوقة القوام ) ، ( نشيطة على الدوام ) ، ( وكم هي اليوم سعيدة في باديتها البعيدة )(؟) ، ( بل كانت أشد سعادة مما كانت ) ، ( فههي ترى أطفالها الصغار هنالك يجرون ) ، ( ويرتعون حيث يلعبون ) ، ( فلا شيء يكدر صفاء طفولتهم ) ، ( ويعكر سماء فرحتهم )(!) ، ( ترعاهم قبل أن ترعى مواشيها ) ، ( وتحرسهم قبل أن تحرس فواشيها ) ، ( ترعى الأغنام ، وتسلك بها من الذئاب سبل السلام ) ، ( تهديها إلى المرعى الخصيب ، والكلإ الغض الرطيب ) ، ( وَتَرِدْها عذب المياه ، من كل بئر بماء السماء محلاة )(!).
( لله يومها هذا في عينيها ما أجمله(؟!) ، ( تَفَتَّقَتْ أزهَارُه ، وغردت على أفنان أيكها أطيارُه ) ، ( أعلن عن نفسه حُضُورُه ..وحل في قلبها حُبُورُه ) .. ( فأخذت من الفرحة ، تهش على غنمها لترعى ) ، ( وهي لا تعلم أن الدهر يلد كل عجيبة ، وأن ساعتها هذه حُبْلَى بمصيبة )(!) ، ( قد آن أوان ولادتها ، لتلبس ثياباً حاكتها ) ، ( فهذا اليوم هو يوم الجني الثعبان ، قد جاء على قدر له شأن )(!) ، ( ما أسوءَ حظَّهَا من إنسان ، بل وحظَّكَ أيضاً يا ثعبان )(؟؟!) ، ( آالآن ، الآن ، آالآن ، جئت لتخيف الصبيان )(؟!).
( تعالت صيحات الأطفال عند رؤيته في الحال ) ، ( صيحات رعب انطلقت من الحناجر ، فوقعت في قلب الأم كالخناجر ) ، ( لله المصائب كيف تحل ، وتَفْجَأُ ، وتدهم المرء بمرة على حين غِرَّة )(؟!) ، ـ ( فأخذت للثعبان الحجر ، وهي لا تعلم مخبوء القدر ) ، ( لعل الحجر قال لها : دعيني ) ، ( بل ضعيني )(!) .. ـ فـ (( رب سلاح قال لصاحبه : ضعني )) ، ـ .. ( ربما ) .. ( لكن لم تفقه لغة خطابه )(!).
( ولعل الثعبان قال لها : لا تضربيني ) ، ( خلِّيني )( أمُر لشأني ) ، ( خلِّيني )(!) .. ( ربما ) .. ( غير أنها لم تسمع نداء الحقيقة الصَّمَّاء ) .. ( وَأَرْسَلَتِ الحجرَ ـ في ضربة عَنُودٍ عَاتية ، انتهزتها في لحظَةٍ سَرِيْعَةٍ مُوَاتِيَة )(!) ـ ، ( صوب ظهر الثعبان ، الذي حاول أن يروغ ، ويزوغ .. وقد أحس أن الخطر أدركه .. ولكن ) ؛ ( أين المفر )(؟) ، ( لا وزر ) .. ـ ( كانت القاضية لها قبل أن تكون له ) ـ ، ( حاول الثعبان للوهلة الأولى أن يتحرك ، فلم يستطع ، حاول من جديد فعجز ، وحاول ثم حاول ، فتحرك قليلاً بعضه دون سائر جسده ، وأخذ يحاول ) ، ( لم يفقد الأمل في النجاة ، والزحف من أجل الحياة ) ، ( وهي قائمة تنظر ، ماذا سيكون من أمره(؟) ) ، ( لقد فقد السيطرة على جسمه ، ولم يعد يستطيع الانسياب ) ، ( هكذا تراه ) ، ( نعم ) ، ( حل بالثعبان أمر تباب ، أورده العجز ، والعذاب ، فقد كسرت بالفِهْرِ ظهره ) ، ( واكتفت لسوء حظها بهذا فلم تُجْهِزْ عليه ) ، ( ليتها فعلت ) ، ( لكن أنَّى تدري أن ضربتَهَا قد حَطَمَتْ سعادَتَهَا )(؟!) ، ( وأن سعادتها هذا يوم نهايتها )(!) ، ( ومصيبتها هذا يوم بدايتها )(!).
( تحركت المرأة ، جمعت أطفالها ـ وكلها خوف عليهم ـ ، وحاشت أغنامها ، وجاءت بهم البيت لفيفا ) ، ( وما إن وصلت حتى صُرعتْ صرعاً مُريعاً مُخيفا ) ، ( وحلَّ بها أمر جَليل ، ونزل بها خطب وبيل ) ، ( فأخذت تقوم ، وتقع ، وتغير لونـها وامتقع ) ، ( وجحظت عيناها ، وانتفخت أوداجها ، وخداها ) ، ( وجاء أهلها ، وذووها ، واجتمع حولها أخوتها وبنوها ) ، ( ظنوها تموت ، وهم الذين لا يعرفون كيف الإنسان يموت )(؟!) .. ( كلموها .. ولكن لا تتكلم ) ، ( خاطبوها .. ولكنها تتخبط ) ، ( فأخذوا يجرون بها هناك وهناك ، بين المشعوذين ، والدجالين ) ، ( وقِبَلَ السحرة الملاعين ، تراهم مهطعين ) ، ( فلا يعرفون من الرقية والعلاج ، ـ فِجَاجاً ـ ؛ غير هذه الفجاج )(!).
( وجاءهم الخبر اليقين بعد حين ) : ( الثعبان ، إنه جان ) ، ( ونطق الجني الثعبان ، وأخذ يهدد ويعد ، ويُرغي ويزبد ) ، ( وحاولوا إخراجه ) ، ( فأقاموا حفلات الزار ، وذبحوا الدَّجَاجَـ ( ـا )(!) ، والخرافَ ، والنِّعَاجَـ ( ـا )(!) ، ( ولكن .. ما استطاعوا له إخراجـا ) ، ( ولم ينفع معه شيء ، وكأنَّ الثعبان الجني مَيْتٌ ، وليس بحي )(!) ، ( ثم وقفوا أمامه عاجزين ، ـ جمهورهم ، مع السحرة والمشعوذين ، وأسلموها لقدرها خاضعين ) ، ( فقد كان الجني الثعبان ، قدراً مقدوراً له شأن )(!) ، ( رماها عن قوس انتقامه ، بسهم آلامه ، فما أخطأها ، أصاب مُهْجَتَهَا ، وَبَذَّ مُقْلَتَهَا ) ، ( وذهبت حفلات الزار ، وخلفت في الدار الخراب بعد العمار ).
( وبعد خمسة وثلاثين عاماً جئت على قَدَرٍ لأقف على قصتها ، وأسمع بحكايتها ) ، ( وقد حَصْحَصَ الثعبان فيها ، فلوى يديها ، وعوَّج ساقيها ) ، ( وعن القيام أقعدها ، وبالخنق كل ليلة أجهدها )(!) ، ( هدمها كما هدمته ، هدماً بهدم ، وصرعها كما صرعته ، صرعاً بصرع ، والخنق زيادة ).
( كانت عجوزاً في السبعين لم يبقَ لها من عمرها إلا ظِمْءُ حمار ، ولم تكن تعرف الرقية ، ولا الأذكار )(!) ( قالت لي : يابني ماذا ستفعل لي)(؟!) ( فقلت : سأقرأ عليك القرآن ) ، ( قالت : سيزيدني فوق العذاب عذابا ، ويجعل ليلي تباباً يبابا ، يا بني ، يخرج عليْ ، والناس في نوم هنيْ ، كل ليلة ، ويلف جسمه حول رقبتي وعنقي ، وينصب لي المشانق والعيدان ، فيشنقني ، ويخنقني ، ويركب أحلاسي ، ويكاد يخرج أنفاسي(!) ، وأتعذب بخنقه ، وحبل شنقه ، من غير أن أموت ، وأحياناً يخرج ، ويتمدد على ذراعي ، ثعبان أحمر ، أقصر من باعي ).
( فآلمني حالها ومقالها ، مما رأت عيناي ، وسمعت أذناي ) ، ( ومما زادني ألماً أن علاجها يحتاج إلى زمن طويل ، وأنا على سفر في أرض غربة ، وكنت التقيت ابن أخيها فجأة ، وكان صديقاً من أصدقاء الدراسة القدامى كاد أن يذهب بتطاول السنين من الذاكرة رسمه ، ويدرس اسمه ، ولما علم أني أعالج الناس عرض عليَّ حالة عمته هذه ، ودعاني إلى علاجها ، ورقيتها ، فأعتذرت عن ذلك بدواعي السفر ، فألح عليَّ ، وأحفى السؤال ، وعرض عليَّ أن أقيم عنده وأقتطع من أيام سفري يومين أو ثلاثة لعل الله أن ييسر.. فاستجبت غير طربان على استحياء تطييباً لخاطره ، ووافقته على يومين ، وأنا على يقين أنني سأذوق في علاجها الأمرَّيْن ، فالجني الذي في جسدها زَمِيْنٌ مكين ).
( عندما قالت لي العجوز : سيعذبني إذا قرأت عليَّ ) ، ( قلت لها : ( يا عمة ) لا تخافي سأنهكه الليلة بالقراءة ، فينشغل بنفسه عنك ، فلن يخنقك كعادته ، أو يضرك إن شاء الله بشيء ) ، ( فاطمأنت قليلاً ، وسكتت على تخوُّفٍ ) ، ( ترجو العافية ، وإن كانت عجوزاً ، ومن الذي لا يريدها ، أو يرجوها )(؟!).
( جهزت للرقية ماءً ، وطلبت كي أغطي العجوز ساعة الرقية رِدَاءً ، وبعد أن شَرِبَتْ الماء ، ووضعتُ عليها بيديَّ الكساء ، وشرعت في قراءة القرآن ؛ كلام ربنا الرحمن ، أخذتُ أسمع وشيش الثعبان ، وصوت صفيره ، كان صوتاً حقيقياً ، ولولا أني وضعت الغطاء بِيَدَي ، ورأيت العجوز بعينَي ، لظننت أن تحت الغطاء ثعباناً ، وليس إنساناً )(!) ( استمريت في القراءة وزاد الوشيش ، ثم بدأ الثعبان يتحرك ، ويتمايل تحت الرداء ويتلوَّى ، وأنا أعجب مما أسمع وأرى ، وأخذ يبتعد عني رويداً ، رويداً يريد الفرار ، وكلي عزم وإصرار على أن ألحق به ـ كما أضرها ـ الأضرار ، إذ لم يسبق أن قرأ عليها أحد القرآن ، فطلبت من ابنها ، وابن أخيها أن يعيدوها ، ومن الفرار أن يمنعوها ، فحاولوا ذلك جاهدين ، والمرأة العجوز تزحف نحو الباب بعزم متين ، وتقاوم للخروج بغير رجلين ) ، ( يقول لي ابنها : حرَّم علينا هذا الثعبان في البيت القرآن ، والأذان ، إذا سمع القرآن في المذياع ، أو الأذان ، قال : ( أغلقوه أو سأكسر رقبتها )(!) ، فنغلقه خوفاً عليها ، يتحكم فينا كيف يشاء )(!).
( أخذت أقرأ عليها عدة ساعات ثم أرسلتها لتستريح بقية ليلتها ، وفي اليوم الثاني قالت لي : لم يخنقني الجني ) ، ( فقلت لها : ألم أقل لك ، سأشغله بنفسه عنك )(؟!).
( في الليلة الثانية من ليالي العلاج شددت عليه في القراءة حتى ختمت سورة البقرة كلها ، فلم يُبدِ الجني الثعبان حركة أو مقاومة ، ولم يحاول هذه المرة الفرار ، بل كان مستسلماً ، وكان ابن أخيها يطل بين الفينة ، والفينة من تحت الرداء عليها ، ينظر وجهها ، وعينيها ، ويقول لي : سيتمزق فمها فقد فُتِحَ على آخره ، فكنت أطمئنه ، وأقول له : لا تخف لن يتمزق ، هذا حال الجني ).
( لم تنعم العجوز بنوم وراحة منذ أن صرعها الجني الثعبان إلا أيام الرقية هذه ، ولولا أن شَطَّ مزارها ، ولم تكن أَمَماً دارها ، لرقيتها دهراً ، ودافعت ثعبانها إلى أن يحكم ، ويفتح الله بيننا بالحق ، وهو خير الفاتحين ).
الجنة من الجنة