عرض مشاركة واحدة
  #6  
قديم 16-09-2008, 05:29 PM
الصورة الرمزية لنا الله
لنا الله لنا الله غير متصل
عضو متميز
 
تاريخ التسجيل: Apr 2008
مكان الإقامة: Cairo
الجنس :
المشاركات: 398
الدولة : Egypt
افتراضي

النحل


سورة النَّحل(16)

قال الله تعالى: {وأوحى ربُّكَ إلى النَّحل أن اتَّخذي من الجبالِ بُيوتاً ومن الشَّجرِ وممَّا يَعْرِشون(68) ثمَّ كُلِي من كلِّ الثَّمراتِ فاسْلُكي سُبُلَ ربِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ من بطونِها شرابٌ مختلِفٌ ألوانُهُ فيه شِفاءٌ للنَّاسِ إنَّ في ذلك لآيةً لِقومٍ يتـفكَّرون(69)}




ومضات:

ـ ما أجمل أن نتَّخذ من حياة النَّحل وكفاحه وتعاونـه، وإنتاجه الطيِّب الشهي، نموذجاً نقتدي به، ونتعلَّم منه الإخلاص والتضحية، والإيثار وفناء الأنا، في سبيل حياة المجموعة وسلامتها.

ـ كلَّما تقدَّم علم الأغذية، نرى للعسل مكانة الصدارة من حيث قيمته الغذائية، وفعاليَّته المدهشة في معالجة كثير من الأمراض، وهذا مصداق قوله تعالى: {فيه شفاءٌ للنَّاس}.

في رحاب الآيات:

يعرض القرآن الكريم أمثلة قريبة من واقع حياتنا، لنتعرَّف من خلالها عظمة الخالق، ولنأخذ دروساً نستفيد منها في بناء مجتمعنا. ولعلَّ في حياة النَّحل ما يكفي عظة ودرساً للإنسان، فإذا دخلنا عالمه أدهشنا ما فيه من نظام، فمجموعة النَّحل تتحرَّك بإلهام من الغريزة الَّتي أودعها الخالق لديها، وهي تعمل بدقَّة عجيبة قد يعجز عن مثلها كثير من البشر، سواء في بناء خلاياها، أو في تقسيم العمل بينها، أو في طريقة إفرازها للعسل المصفَّى. وهي تتَّخذ بيوتها، بوحي من الله عزَّ وجل، في الجبال والشجر، وما ارتفع من الكروم وغيرها، وقد ذلَّل الله لها سبل الحياة، وجعـل نتيجة جهدهـا، غذاءً شـهيـاً ودواءً شـافيـاً. وكـلُّ هـذه المهمَّـات تقوم بها إناث النحل ـ العاملات ـ ولهذا خاطبهنَّ الله بقوله: {أَنِ اتَّخِذِي}، ولو عمل ذكر واحد في شؤون الخلية لكان الخطاب بصيغة المذكَّر؛ وهذا من إعجاز القرآن الكريم.

وقد تتبَّع العلماء أحوال النَّحل، وكتبوا فيها المؤلفات الكثيرة، وتوصَّلوا من ذلك إلى أمور عديدة منها:

1 ـ يعيش النَّحل ضمن مجموعات كبيرة، وتسكن كلُّ مجموعة منها في بيت خاصٍّ يسمى خليَّة.

2 ـ كلُّ خليَّة يكون فيها نحلة واحدة كبيرة تسمى الملكة، وعدد يتراوح بين أربعمائة نحلة وخمسمائة تسمَّى الذكور، وعدد آخر من خمسة عشر ألفاً إلى خمسين ألف نحلة تسمَّى العاملات.

3 ـ تعيش هذه الفصائل الثلاث ـ في كلِّ خلية ـ عيشة تعاونيَّة على أدقِّ ما تكون نظاماً، فعلى الذكر تلقيح الملكة، وعلى الملكة وضع البيض، ويتمُّ التلقيح دائما في الطبيعة وفي الهواء الطلق، حيث تطير الملكة محدثة لصوت تنجذب إليه الذكور، ومفرزة لمادَّة ذات رائحة خاصَّة؛ حيث يُلقِّحها أسرعها طيرانا، ولكنَّه سرعان ما يلقى حتفه من جرَّاء عملية التلقيح هذه. وعلى العاملات خدمة الخليَّة ومن فيها؛ فتنطلق في المزارع طول النهار لجمع الرحيق، ثمَّ تعود إلى الخلَّية فتفرز عسلاً يتغذَّى به سكَّان الخليِّة، وتفرز الشمع وتبني به بيوتاً تخزن في بعضها العسل، وتربِّي الصغار في بعضها الآخر، كما عليها أن تنظِّف الخلية، وتخفق بأجنحتها لتساعد على تهويتها، وعليها الدفاع عن الملكة والمملكة وحراستها من الأعداء. وتهتمُّ العاملات بخزن العسل وغبار الطلع فيجعلنه في خلايا، ثمَّ يُحكمن إغلاقها، ويتولَّين صنع أقراص الشمع من المادَّة الشمعية، الَّتي تفرزها غدد أربع تقع بين قطع البطن، وتكون هذه المادَّة أوَّل الأمر سائلة، ثمَّ تتصلَّب بتعرُّضها للهواء، فتتحوَّل إلى قشور تلوكها العاملة بالأجزاء الساحقة من فكَّيها، ثمَّ تبني بها سلسلة من الخلايا السداسية الشكل، ذات القعر المحدَّب والمتَّصل بعضها ببعض، وهذا الشكل يعطي أكبر فراغ ممكن بأقل كمية من مواد البناء، وهو في الوقت نفسه من أشدِّ الأشكال متانة وقوَّة. ويتألَّف من مجموع هذه الخلايا القرص. ومن مهام العاملات أيضاً دعم جدران الخلية لتكون صامدة، وهن يستعنَّ على ذلك بالمواد الراتنجية، الَّتي يجمعنها من أشجار الصنوبر والتنوب وبراعم الحور.

أمَّا كيفية صنع العسل، فالعاملات يلعقن رحيق الأزهار، حتَّى إذا وصل إلى حواصلهنَّ، امتزج بالأنزيمات اللعابية وتحوَّل إلى عسل، ثمَّ إنهنَّ يُسلِّمن هذا العسل إلى عاملات أصغر منهنَّ سنّاً، ليقمن بتكثيفه باستبعاد الماء عنه، وحين يصبح عسلا مركَّزاً يضعنه في خلايا الأقراص، ومن ثمَّ يُجففنه بأجنحتهن. وقد أثبت الطبُّ الحديث ما للعسل من فوائد، حيث تبيَّن أنه يتركب من: 20% ماء، 70% سكريات بسيطة غلوكوز وفركتوز، 5% سكريات مركَّبة وخاصَّة سكروز، 5% بروتينات وأملاح معدنية، وأنزيمات هاضمة، وأحماض عضوية، ومضاد حيوي، ومركَّبات عطرية، وصبغيات مختلفة، وحبوب طلع.

ويتوافر الغلوكوز في العسل بنسبة أكبر من وجوده في أي غذاء آخر، وهو سلاح الطبيب في أغلب الأمراض، واستعماله مستمرٌّ بتقدُّم الطبِّ، فيُعْطى بصفته مقوياً ومغذياً، ومعالجـاً دوائيا. والعسل يفيد بشكل عامٍّ في معالجة الحروق، ولسعات الحشرات، والجروح الملتهبة، والآفات الجلدية. كما أنه مضادٌّ للجراثيم والتعفُّنات، ويُستخدم في معالجة الالتهابات وخاصَّة الرئوية منها والكلوية والكبدية والقلبية والحصيَّات المرارية، وفي حالات الإرهاق والضعف العام، وهو مضادٌّ للغازات والتخمُّرات والتهاب القولون، وطارد للديدان. كما يُستخدم العسل في معالجة بعض أمراض العيون وخاصة التهاب القرنية، وفي بعض الالتهابات المزمنة في الأنف والبلعوم وجفاف الحنجرة.

لقد عرفت خواص العسل وفوائده، في العصور التاريخية القديمة، سواء عند الفراعنة، أو الرومان أو الهنود أو العرب... ولاتزال هذه المعرفة تزيد وتتطوَّر، مع وضع دراسات لهذه المعرفة حسب أنواع العسل. والَّذي لا خلاف عليه أن العسل هو معالج وشافٍ لبعض الأمراض، والشيء الأهمُّ من ذلك أنه يقي من الأمراض ويقوِّي جهاز المناعة في الجسم، وكلتا الصفتين أشار إليهما رسول الله محمَّد صلى الله عليه وسلم حيث قال: «عليكم بالشفاءين العسل والقرآن» (أخرجه ابن ماجه وابن مردويه والحاكم والبيهقي عن ابن مسعود رضي الله عنه). وقال أيضا صلى الله عليه وسلم : «من لعق العسل ثلاث غدوات كلَّ شهر لم يصبه عظيم من البلاء» (أخرجه ابن ماجه وابن السني والبيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه ). وللعسل أنواع منها الأحمر والأبيض والأصفر، والجامد والسائل، وفيه دليل على أن القدرة الإلهية نوَّعته بحسب تنويع الغذاء، كما يختلف طعمه بحسب اختلاف المراعي، ونجد أن كلَّ نوع منه يفيد في حالة أو حالات معينة.

والآن، وبعد أن عرفنا الدقَّة اللامتناهية لحياة النَّحل، من حيث توزيع الصلاحيات والاختصاصات، وعلمنا أن الكلَّ مؤهَّل لما يقوم به من عمل، وينفِّذه بإخلاص وتفانٍ، فإذا اعتدى على جماعة النَّحل طارق غريب، قامت كلُّها يداً واحدة للدفاع، متماسكة متفانية مضحِّية بحياتها، مقابل سلامة مملكتها ومليكتها.

فهل لنا أن نستخلص العبر والنتائج، حيث يرينا الله تعالى درساً عملياً نموذجياً في سلوك حشرة ضعيفة؟ فكيف بالإنسان العاقل، المدرك، المتكامل البنيان الروحي والفكري؟ فهل يصعب عليه أن يتَّخذ من هذا المخلوق البسيط، مثالاً له، في التعاون والتفاني في سبيل الأسرة الإنسانية؟.
__________________

قـَدْ كـَانَ آخِرَ مَا لـَمَحْتُ عـَلـَي الـْمَـدَي
وَالنبْضُ يخْبوُ .. صُورَة ُالجـَلادِ
قـَدْ كـَانَ يضْحَـكُ وَالعِصَابَة ُحَوْلـَــــــهُ
وَعَلي امْتِدَادِ النَّهْر يبْكِي الوَادِي
وَصَرَخْتُ ..وَالـْكـَلِمَاتُ تهْرَبُ مِنْ فـَمِي:
هَذِي بـِلادٌ .. لمْ تـَعُـــدْ كـَبـِلادِي
رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 18.20 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 17.57 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (3.49%)]