حشراتٌ... بل آيات
قال الله تعالى: {ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذينَ تَدْعُوْنَ مِنْ دُوْنِ الله لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلو اجْتَمَعُوا لَهُ، وَإنْ يَسْلُبهُمُ الذُّبابُ شيئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطّالِبُ والمَطْلُوبُ (73)}.سورة الحج (22)
وقال أيضاً: {إِنَّ الله لا يَسْتَحْي أَنْ يَضرِبَ مَثلاً مَا بَعُوضةً فَمَا فَوْقَهَا..(26) }.سورة البقرة (2)
وقال أيضاً: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ والـجَّرَادَ..(133) }سورة الأعراف (7)
وقال أيضاً: {خُشَّعاً أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ كَأنَّهُمُ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ (7) }.سورة القمر (54)
ومضات:
ـ لقد أكثر الله تعالى من ضرب الأمثلة في القرآن الكريم، ومن ذكر بعض الحشرات من أمثال الذباب والبعوض والجراد، ممَّا أدَّى إلى استهزاء المشركين وتأنُّفهم، حتَّى قالوا: ما بال ربُّك يكثر من ذكر أمثال هذه الحشرات الدنيئة، وماذا يريد من ذلك؟! وما دروا أن الإنسان قد يكون أشدَّ دناءة من أمثال هذه الحشرات، ولو أدركوا سرَّ تكوينها وغرائب حيـاتهـا، رغم صغر حجمها، لأوصلهم هذا الإدراك إلى عظمة الله وقدرته فيما خلق.
ـ لعلَّ العرب في جزيرتهم أكثر النَّاس تعايشاً مع الجراد ومشاكله.. وبسبب هذا التآلف فإنهم لا يلقون بالاً لآليَّة هذا النَّهِم المفرط في الشراهة.
ـ امتلأت الأرض بأرزاق الذباب والبعوض والجراد، وبما أنها لا تعيش للعام القادم، لذلك لم يضع الله في فطرتها غريزة الادخار، أو تشييد مساكن دائمة تأوي إليها.
في رحاب الآيات:
يُعَدُّ الذباب بالرغم من قذارته ودناءته آيةً من آيات إعجاز الله تعالى، ولولا ذلك لما ذكره في القرآن وتحدَّى به الكفار.
ففي الذباب من الغرائب الشيء الكثير منها تعدُّد أنواعه الَّتي زادت عن ثمانين ألف نوع. كما أن لدى الذباب قدرات عالية في الطيران، فسرعته المدهشة تصل إلى ألف وثلاثمائة وعشرين كيلو متر في الساعة إضافة إلى أن لديه قدرة عالية على التوقُّف المفاجئ والانعطاف والانقضاض السريع. وللذبابة زوجان من الأجنحة أحدهما للمساعدة في الطيران والثاني للمحافظة على التوازن، إضافة إلى أن لها دوراً يُشبه دور المكابح. وقد وجد العلماء أن الذبابة عندما تريد لعق غذاء ما فإنها تضع فيه مادَّة كيميائية هاضمة تهضمه قبل أن تدخله إلى جوفها، وذلك تصديقاً لقوله تعالى: {وإن يَسْلِبهُمُ الذُّبابُ شيئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ}، ولكلِّ ذبابة أربعة آلاف عين (سُطيح) بحيث لو نظرتَ إليها بالمكبر لرأيتها كهيئة ثقوب الغربال، كما أن لها خرطوما يرشف السوائل بمضخَّات رئوية، وفكِّين على شكل الخنجر تمزِّق بهما جلد فريستها، ولها ستُّ أرجل في نهاياتها زوائد لحمية تفرز غددا تستطيع الوقوف بها على السقف بالمقلوب ولو كان من الزجاج.
هذه الحشرة، مع قوَّتها وعيونها وأجنحتها، يصطادها العنكبوت الَّذي لا أجنحة له، ويصطادها النبات الصيَّاد الَّذي لا حول ولا قوَّة له إلا بالعسل الَّذي أمدَّه الله به في داخله، وفتح فيه نوافذ أشبه بالمقصورات، وجعلها مسوَّاة ومصقولة تنزلق الأرجل عليها إذا لامستها، فإذا اقتربت الذبابة منها، وشمَّت روائحها الذكيـَّة، تقدَّمت إليها، ودخلت في دهاليزها لتشرب عسلها، لكنَّها سرعان ما تنزلق أرجلها وتنغمس في هذا العسل، فيقتنصها النبات ويهشِّمها ويهضمها بالمادَّة الهاضمة الَّتي هي أشبه بالمادَّة الهاضمة في معدة الإنسان.
أمَّا البعوض، فهذه الحشرة الصغيرة الضعيفة، غنيَّة بأسرار علمية كبيرة، اكتشف الإنسان بعضها في العصر الحديث.. ومنها أنَّه عندما يُهاجم جسد الإنسان يبحث عن أضعف منطقة من جلده، وهي أماكن خروج العرق، ثمَّ ينفث فيها مادَّة تُشبه المخدِّر، ويغرس إبرته فيها..
والحقيقة أنه ليست هناك أدوات للجراحة أكثر دقَّة من أجزاء فم البعوضة، حيث ينتهي خرطومها الطويل بما يُشبه مشارط دقيقة، اثنان منها ذو أسـنان، وثالث ـ وهو أكبرها ـ يتكوَّن من أنبوبة مجوَّفة تمتصُّ بها الدم، وتدفع البعوضة خلال جزء رابع مُجوَّف أيضاً لُعابَها في الجرح لتزيد من تدفُّق الدم، وهذا يزيد من نقلها للأمراض والعدوى. والبعوضة مثال حيٌّ للشراهة، حيث أنها تبقى تمتصُّ الدم حتَّى تَثْقُلَ ويصعب عليها الطيران وربَّما تموت.
أمَّا الجراد فَيُعَدُّ من أشدِّ أعداء المزروعات فتكاً بالمحاصيل الزراعية، وإن هجومه على أحد المناطق الزراعيَّة يسبِّب كارثة اقتصادية أكيدة. لأن الجراد يُهاجم عادة في أسراب كبيرة قد يصل عدد أفراد السرب الواحد إلى أكثر من ألف مليون جرادة تُغطي مساحة عشرين كيلو متراً مربعا.
والجراد شرهٌ جداً في الأكل، فهو يأكل حتَّى تمتلئ معدته، ويتغوَّط مُخْرِجاً ما فيها وهو يتابع أكله دون توقُّف. ويصل ما تأكله الجرادة الواحدة يومياً إلى أكثر من وزنها، كما يقطع الجراد في أثناء رحلته مسافة قد تصل إلى مائة كيلو متر يومياً، وهو يشغل نهاره كلَّه بالطيران وليله كلَّه بالأكل.