تلاوة القرآن
قال الله تعالى: {فإذا قرأتَ القرآنَ فاستَعِذْ بالله من الشَّيطانِ الرَّجيم(98) إنَّه ليس له سُلطَانٌ على الَّذين آمنوا وعلى ربِّهم يتوكَّلون(99) إنَّما سلطَانُهُ على الَّذين يتَوَلَّونَهُ والَّذين هم به مُشْرِكُون(100)}سورة النحل(16)
ومضات:
ـ الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، تهيئة للجو الَّذي يُتْلى فيه كتاب الله، وتطهير للقلب من الوسوسة، وإخلاصٌ لله بحيث لا يشغله عنه شاغل.
ـ لا يمكن لظلمة الشيطان أن تصمد أمام نور الله، المستقر في قلب المؤمن ولا أن تقاومه.
ـ أولياء الشيطان هم من استسلموا لنوازعه وفِتَنِهِ، وتحالفوا مع أعوانه وأتباعه، وهم أوَّل من ينزلق بين براثنه، فينالهم من شروره ألوان شتَّى.
في رحاب الآيات:
نور القرآن يباعد بين الإنسان والشيطان، ويحيي قلب الإنسان بماء الإيمان، ويحقِّق له الصلة مع حضرة الله والتوكُّل على فضله. فالشيطان حقيقة واقعة، وخلق من مخلوقات الله، أعطي العلم والقوَّة، ولكنَّ العُجْبَ والاستكبار سيطرا عليه، فتعالى على غيره من مخلوقات الله ـ وأَوَّلُهُمْ آدم عليه السَّلام أبو البشريَّة ـ فباء بالخسران والطرد من رحمة الله. لذلك ما فتئ يخطِّط ويكيد لكي يبعد آدم وذريَّته عن ورود موارد عطاءات الحضرة الإلهية، وعن كلِّ ما يُقَرِّبهم إليها.
والقرآن الكريم هو ألدُّ أعداء الشيطان لأنه يكشف خططه وحبائله وينير للمؤمنين الطريق إلى حضرة الله، لذلك نصب الشيطان شِراكه ليبعد الناس عن تلاوته. إلا أن الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم تفقده القوَّة والسيطرة، فتردُّ كيده إلى نحره، ويندحر مذموماً مقهوراً، لأن قدرته على الإغواء والإضلال، تتلاشى أمام نور الإيمان وقوَّة التوكُّل، فسلطان الإيمان والتوكُّل مبدِّد لكيد الشيطان ووسوسته.
والمؤمنون الَّذين يتوجَّهون إلى الله وحده، ويخلصون قلوبهم له، لا يملك الشيطان أن يسيطر عليهم مهما اجتهد في ذلك، لأن صلتهم بالله تعصمهم من الاستسلام له، ولو أخطؤوا مرَّة وانزلقوا وراء وساوسه فإنهم لا يسترسلون، وسـرعان ما يتـوبون إلى ربِّهم ويستغفرون. وإنما سلطانه على الَّذين يجعلونه وليّاً لهم، ويُسْلِمُون له قيادتهم لإرضاء شهواتهم وإشباع نزواتهم.
وأمَّا الاستعاذة عند قراءة القرآن الكريم فلها فوائد كثيرة، منها:
1 ـ أنها تجعل القارئ يتذكَّر حقيقة الشيطان، ويتفكر في أمره، وكيف صار شـيطاناً رجيماً ـ بعد أن كـان مخلوقاً كريماً ـ بفسـقه عن أمر ربِّه؛ حيث أبى السـجود لآدم واستكبر. هذا التذكُّر يدفع القارئ إلى أن يهيِّيء نفسه لأن يأتمر بما جاءه من أوامر الله تعالى في القرآن، وينتهي عما نهاه عنه احترازاً عن المخالفة، فيزداد خشوعاً وتواضعاً أمام جلال الله وعظمته.
2 ـ للاستعاذة تأثير فعَّال على تالي القرآن، حيث تمنحه الصفاء من وساوس الشيطان، وتنقِّيه من حديث النفس وهواجسها؛ ليشعر بحلاوة كلام الله، فتزكو نفسه وينجلي قلبه بنور الله.
3 ـ الاستعاذة خطوة أوَّلية نحو فهم وإدراك كلِّ كلمة وإشارة في القرآن الكريم، إذ أنَّ هناك حقائق ومعانيَ لا يعيها إلا قلب مطهَّر من الوساوس.
وللاستعاذة بالله في سائر الظروف، فضل كبير في إزالة الغضب وإشاعة الهدوء في النفس، فقد روى البخاري ومسلم عن سليمان بن صرد رضي الله عنه قال: «استبَّ رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم فجعل أحدهما يغضب ويحمَرُّ وجهه وتنتفخ أوداجه، فنظر إليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب ذا عنه، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم».
إلا أن التلفُّظ بالاستعاذة وحده لا يُجدي، إن لم يَجْمَعِ القارئ في قلبه بين الإيمان والتوكُّل على الله؛ فالإيمان نور والتوكُّل يقين، فلابدَّ أن يستقِرَّا معاً في وعاء القلب، ليشكِّلا رادعاً في وجه الشيطان، ولجوءاً لقوَّة الله وحفظه وأمنه. وتبقى للشيطان سيطرة على ضعاف النفوس، ممَّن حكمت الأنانية تصرُّفاتهم، واحتلَّت الأهواء ساحة قلوبهم، لتصبح مرتعاً له، فصاروا بذلك أدواتٍ منفِّذةً لرغائبه في الإفساد والتخريب، وأولياء له من دون الله الواحد القهار.