عرض مشاركة واحدة
  #7  
قديم 08-09-2008, 03:41 AM
الصورة الرمزية لنا الله
لنا الله لنا الله غير متصل
عضو متميز
 
تاريخ التسجيل: Apr 2008
مكان الإقامة: Cairo
الجنس :
المشاركات: 398
الدولة : Egypt
افتراضي

وفاء الأجور على الأعمال


قال الله تعالى: {والَّذين كفروا أعمالُهُم كسرابٍ بِقِيعَةٍ يحسَبُهُ الظَّمآنُ ماءً حتَّى إذا جاءَهُ لم يجدْهُ شيئاً ووجدَ الله عندَهُ فوفَّاهُ حسابَهُ والله سريعُ الحساب(39) أو كظلُماتٍ في بحرٍ لُجِّيٍّ يغشاهُ موجٌ من فوقِهِ موجٌ من فوقِهِ سحابٌ ظلماتٌ بعضُها فوق بعضٍ إذا أخرجَ يدَهُ لم يكدْ يراها ومن لم يجعلِ الله له نوراً فما له من نور(40)}
سورة النور(24)



ومضات

إن الله تعالى عادل لا يُضيع أجر من أحسن عملاً، فالمؤمن بالله المتمسِّك بتعاليمه، المواسي للفقراء بماله وجهده، امتثالاً لأمر الله، سينال الأجر العظيم أضعافاً مضاعفة في الدار الآخرة. أمَّا غير المؤمن والَّذي لا يرجو ثواب الآخرة لأنه ليس مؤمناً بها، فإن حدث أن أسدى إلى أحد معروفاً أو قدَّم لفقير مساعدة، فإن الله عزَّ وجل لا يضيع له ذلك الخير، بل يكافئه عليه في دار الدُّنيا، وليس له في الآخرة من نصيب.

ـ الغاية من التعاليم السماوية هي جمع النَّاس على عبادة الله الواحد الأحد، في سبيل تكوين مجتمع موَّحِد متراحم مترابط، لا انحراف فيه ولا خلل. ولما كان عمل الكافر خالياً عن هذه الضوابط، ويأتي بتصرُّف عشوائي، إذ لا تعاليم شرعية تلزمه، ولا عواطف روحية نورانية تحرِّكه، فيكون كالموجة الَّتي تسير دون هدف، لذلك وجب تهذيبه وضبط دوافعه ضمن دائرة الإيمان بالله، حتَّى لا يتخبَّط في ظلام الهوى والرغبات فتضيع ثمرات عمله.


في رحاب الآيات:

ما أصعب أن يقطع المسافر أشواطاً طويلة من رحلته، ليكتشف فجأة أنه قد أخطأ الطريق، وأنَّ عليه أن يعود إلى نقطة البداية ويعاود السير في الاتجاه الصحيح. ومع ذلك فإن وضعه أيسر وأسهل ممن يخطئ الطريق في رحلة الحياة، إذ أن هذه الرحلة إذا بلغت نهايتها، فلا رجوع فيها ولا عودة للوراء، وحين يكتشف المرء أنه قد ضلَّ الطريق، يكون قد دخل في دائرة الحساب الإلهي، وانحبس في إسارها. وهنا تبرز أهميَّة دور الأنبياء والرسل والمصلحين والهُداة، فهم رحمة إلهية مهداة للناس الَّذين يقفون على مفارق طرق الحياة، فيرشدونهم إلى الاتجاه الصحيح. فمن وعى كلامهم وعمل بإرشاداتهم فقد سعد وأسعد، ومن أعرض ونأى بجانبه، يجد أن ما جرى وراءه طوال حياته، ما هو إلا سراب لا يروي ظمأً، ولا يشفي غليلاً!.

والمؤمن يتمتَّع بوضوح الرؤية في مسيرة الحياة، ويعرف الهدف الَّذي يصبو إليه، بل هو قادر على تعريف الآخرين وتبصيرهم بحقائق العلوم الإلهية، الَّتي جاء بها رسل الله عليهم السَّلام، وإرشادهم إلى دائرة المعارف الربَّانية. بينما الجاحد لطريق الإيمان العقلاني يتخبَّط في متاهات الحياة، وكأنَّ به مسّاً من الجنون، أو كأنَّه غريق تتقاذفه أمواج الضلال وظلماته، لا منارة تهديه سواء السبيل، ولا بصيص أمل ينقذه من الضياع والإحباط الَّذي هو واقع فيه.

إن التعبير القرآني في هذه الآيات المباركة يمثِّل حال الكافرين في هذه الدُّنيا، ومآلهم في الدار الآخرة، بمشهدين حافلين بالحركة والحياة. ففي المشهد الأول يصوِّر أعمالهم في الدعوة إلى كفرهم كسراب في فلاة يلمع لمعاناً كاذباً، يراه الظمآن فيحسبه مورد ماء، فيُسرع الخُطى نحوه، وكلُّه ثقة أنه عثر على ضالَّته المنشودة، الماء الَّذي يروي ظمأه الشديد، وما أن يبلغ ذلك المكان، حتَّى تنكشف له الحقيقة،

ويعلم أنه كان واقعاً في خداع النظر، فهو أمام سراب كاذب وليس أمام مورد ماء نمير يطفئ عطشه، وما أيسرها من نتيجة، نتيجة ذلك المخدوع بالسراب، إذا ما قيست بنتيجة المخدوع بزخارف هذه الحياة الدُّنيا وزينتها، فأعماه ذلك عن حقائق الدار الآخرة، وعندما يأتيه الموت يجد نفسه وجهاً لوجه أمام حساب الله وعذابه، وهو مستحقٌّ ذلك، لأنه كفر بالله تعالى وجحد وجوده وخاصمه، وتنكَّر لرسله الَّذين حملوا له رسالة الهداية والإنقاذ، لكنَّه أعرض عنهم ووقف في طريقهم، وآثر الفانية الخدَّاعة على الباقية الَّتي يستحقُّها بالإيمان والعمل الصالح.

إن هذا المخدوع سيؤول إلى موقف يدعو إلى الشفقة، لو أنه فوجئ بعد الموت، بعدوٍّ بشريٍّ لم يستعدَّ لملاقاته، فكيف يكون حاله والواقع أنه سيفاجأ بلقاء الله، المنتقم الجبَّار، وهو في أشدِّ الغضب عليه، إنه الهلاك الحقيقي والخسارة الكبرى الَّتي لا تُعوَّض. فما أحوج الإنسان إلى أن يُعرِض عن هذا السراب الكاذب، ويتتبَّع الحقائق، ويتلمَّس سبل النجاة الحقيقية، باتِّباع الهداة المهديين، والإعراض عن كلِّ ما يشغله عن ذلك أو يصرفه عن الصراط المستقيم، قبل أن يفوت الوقت، ويصل المخطئ إلى مرحلة اللاعودة، فيندم حين لا ينفع الندم قال تعالى: {وقدِمْنا إلى ما عمِلوا من عملٍ فجعلناهُ هَباءً منثوراً} (25 الفرقان آية 23).

إن هذا المثال مثالٌ لذوي الجهل المُرَّكب من الكفرة، أمَّا أصحاب الجهل البسيط، وهم الحمقى المقلِّدون لأئمَّة الكفر، فمثلهم كما قال تعالى: {أو كظُلُماتٍ في بحرٍ لُجِّيّ يغشاهُ موجٌ من فوقِهِ موجٌ من فوقِهِ سحابٌ ظُلماتٌ بعضُها فوق بعضٍ إذا أخرَجَ يدهُ لم يكد يراها ومن لم يجعلِ الله له نوراً فما له من نور}.

فهذا مثل قلب الكافر الجاهل البسيط المقلِّد، الَّذي لا يعرف حال من يقوده، ولا يدري أين يذهب، إنه يعيش في ظلمات الكفر والجهل والتبعية العمياء، وحاله كحال من كان في بحر محيط متلاطم الأمواج، موج في الظاهر وموج في باطن الماء، وفوق كلِّ ذلك سحاب قاتم أسود يحجب ضوء الشمس أو القمر والنجوم، فأنَّى لهذا أن يبصر؟ وكذلك أنَّى لذلك الجاهل أن يهتدي؟.

والهداية الحقيقية من الله تعالى، فمن سلك سبيل الهُداة هداه الله، ومن سلك سبيل الغُواة أغواه الله، ومردُّ الأمر كلِّه إلى الله العلي العزيز، فمن كان أهلاً لأن ينير الله طريقه أناره أمامه، ومن لم يكن أهلاً لذلك، فلا يزال غارقاً في الظلام، حتَّى يوافيه الأجل، ليكون من الخاسرين الخسران المبين.

إن قلب الكافر الغارق في الظلام، بعيد عن نور الله المنتشر في هذا الكون الفسيح، وإن سلوكه ضلال واضح لا يرى فيه القلب أدنى علامات الهدى، وإن البعيد عن الله يعيش في ظلمات ثلاث، ظلمة الاعتقاد، وظلمة القول، وظلمة العمل، وقال ابن عباس رضي الله عنه : (هي ظلمة قلبه وبصره وسمعه).
__________________

قـَدْ كـَانَ آخِرَ مَا لـَمَحْتُ عـَلـَي الـْمَـدَي
وَالنبْضُ يخْبوُ .. صُورَة ُالجـَلادِ
قـَدْ كـَانَ يضْحَـكُ وَالعِصَابَة ُحَوْلـَــــــهُ
وَعَلي امْتِدَادِ النَّهْر يبْكِي الوَادِي
وَصَرَخْتُ ..وَالـْكـَلِمَاتُ تهْرَبُ مِنْ فـَمِي:
هَذِي بـِلادٌ .. لمْ تـَعُـــدْ كـَبـِلادِي
رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 17.47 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 16.84 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (3.63%)]