عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 03-09-2008, 02:18 AM
الصورة الرمزية لنا الله
لنا الله لنا الله غير متصل
عضو متميز
 
تاريخ التسجيل: Apr 2008
مكان الإقامة: Cairo
الجنس :
المشاركات: 398
الدولة : Egypt
افتراضي

الحساب والجزاء


قال الله تعالى: {ليس بأمانيِّكُم ولا أمانيِّ أهلِ الكتابِ من يعملْ سُوءاً يُجزَ بهِ ولا يجدْ لهُ من دونِ الله وليّاً ولا نصيراً(123) ومن يعملْ من الصَّالحاتِ من ذكرٍ أو أنثى وهو مؤمنٌ فأولئِكَ يدْخلُونَ الجنَّة ولا يُظلَمونَ نقيراً(124)} سورة النساء(4)


ومضات:

ـ إن استحقاق الثواب أو العقاب ليس موكولاً إلى الأماني، بل يرجع إلى أصل ثابت، وسنَّة لا تتبدَّل، وقانون لا يحابي، قانون يستوي أمامه جميع النَّاس من جميع الشرائع، فصاحب السوء مجزي بالسوء، وصاحب الحسنة مكافأ بالحسنة، وصاحب القرار في ذلك هو ربُّ العالمين وحده ولا أحد سواه.

ـ الإيمان الحقيقي المقرون بالعمل الصالح ـ المثمر علماً وأخلاقاً ـ هو معيار النجاح والتوفيق في سائر الشرائع السماوية، وهو يسري على الأجناس البشرية كافَّة، في الأزمنة والأمكنة كافَّة، دون تفريق بين ذكر وأنثى.


في رحاب الآيات:


قال النبي عليه الصَّلاة والسَّلام: «ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلِّي، ولكنَّ الإيمان ما وقر في القلب وصدَّقه العمل» (رواه ابن النجار والديلمي في مسند الفردوس عن أنس رضي الله عنه ).
فالعقيدة والعمل هما ركنا الإيمان، عقيدة التَّوحيد والعبودية الخالصة لله تعالى، والعمل بمقتضى شريعة الله. ولكنَّ بعض النَّاس ممَّن التبست عليهم الأمور، اغترُّوا بمغفرة الله وحلمه وسعة رحمته، وحصروها في أنفسهم، وادَّعَوا انغلاق باب الرجاء والرحمة عن غيرهم من أتباع الرسالات السماوية. وإنَّ هذا الوهم ليس وقفاً على فردٍ دون آخر، ولا على أصحاب ملَّة دون أخرى، إذ ربما وقع فيه المسلمون غروراً بانتمائهم إلى الإسلام، وبأن هذا الانتماء سوف ينجيهم من عذاب الله، وكذلك أهل الكتاب من الَّذين غرَّتهم الأماني فقالوا: {وقالوا لن تَمَسَّنا النَّارُ إلاَّ أيَّاماً معدودةً قُلْ أتَّخذتُم عند الله عهداً فلن يُخْلِفَ الله عَهْدَهُ أمْ تقولون على الله ما لا تعلمون * بلى من كسبَ سيِّئةً وأحاطتْ به خطيئَتُهُ فأولئك أصحابُ النَّارِ هم فيها خالدون * والَّذين آمنوا وعملوا الصَّالحاتِ أولئك أصحابُ الجنَّة هم فيها خالدون} (2 البقرة آية 80ـ82).

والأديان أصلاً لم تشرَّع للتفاخر والتباهي، ولا تحصل الفائدة بالانتساب إليها دون العمل بمضمونها، وليس هناك شريعة تعلو على شريعة في نظر الله، لأن الشرائع نزلت من مشرِّع واحد، وليس هناك أتباع شريعة يتجاوزون القوانين الإلهية دون أن تطالهم عدالة السماء، فلن يُعذر مسلمٌ سَرَق، ولن يُستثنى مسيحيٌ أو يهوديٌ قتل، فالكلُّ أمام الله مسيء وسيحاسَبُ على قدر إساءته بغضِّ النظر عن انتمائه الديني.

ولقد شقَّ على المسلمين قول الله لهم: {من يعملْ سُوءاً يُجزَ به} لأنهم كانوا يعرفون طبيعة النفس البشرية، ويعرفون أنها لابُدَّ أن تعمل سوءاً، مهما صلحت ومهما عملت من حسنات، فلم يخدعوا أنفسهم عن حقيقتها، وارتعشت قلوبهم كالَّذي يواجه العاقبة فعلاً ويلامسها، ولبثوا حين نزلت لاينفعهم طعام ولا شراب حتَّى أنزل الله قوله: {ومن يعملْ سُوءاً أو يَظْلِمْ نفْسهُ ثمَّ يستغفِرِ الله يجدِ الله غفوراً رحيماً} (4 النساء آية 110). روي أنه لـمَّا نزل قوله تعالى: {من يعملْ سُوءاً يُجز به} راع ذلك أبا بكر رضي الله عنه فسأل النبي صلى الله عليه وسلم من ينجو مع هذا يارسول الله؟ قال له النبي صلى الله عليه وسلم : «أما تحزن، أما تمرض، أما يصيبك البلاء؟ قال بلى يارسول الله، قال: هو ذاك» (رواه الإمام أحمد بن حنبل عن أبي بكر رضي الله عنه ).

ونطالع الوجه المقابل لهذا الوعيد فنراه وعداً مبشِّراً، مسفراً، يومض بريق الأمل في صدورٍ آمنت بربِّها وأسلمت قلبها له، واتجهت بأبصارها وبصائرها نحوه، فتغلغل نوره في حناياها، وطهَّرها وزكَّاها، فلم يلتبس عليها الحقُّ بالباطل، وترفَّعت عن تلبية شهوات الجسد، الَّتي تلقي بصاحبها في دوَّامة من الجوع الروحي لا شبع له، ومتاهة من الظمأ لا ريَّ يطفئها، أولئك الَّذين أحرقوا شهواتهم في أتون الإرادة الصلبة، والاستقامة الصادقة فلن تمسَّهم النَّار، بل إن مصيرهم إن شاء الله إلى الجنَّة والرضا من الله عزَّ وجل.

وتراعي الآية الدقَّة في تقرير الحُكْمِ، وفي ترتيب الثواب والعقاب، فالذكر والأنثى في نظر الشريعة سواء، وهما أمام محكمة الله سواء، ولا يُنقص الله من ثواب أحدهما شيئاً. وتُوَجِّهُ الآية الكريمة الأنظار والقلوب إلى الله، وإلى لزوم تفويض الأمر إليه، والتوكُّل عليه، مع العمل الصالح الَّذي أمر بهالله ورسوله. وقد عبَّرت الآية عن توجُّه القلب بإسلام الوجه، لأن الوجه مرآة القلب، على صفحته تنعكس طهارة الروح، ونقاوة الضمير، وصفاء السريرة.
__________________

قـَدْ كـَانَ آخِرَ مَا لـَمَحْتُ عـَلـَي الـْمَـدَي
وَالنبْضُ يخْبوُ .. صُورَة ُالجـَلادِ
قـَدْ كـَانَ يضْحَـكُ وَالعِصَابَة ُحَوْلـَــــــهُ
وَعَلي امْتِدَادِ النَّهْر يبْكِي الوَادِي
وَصَرَخْتُ ..وَالـْكـَلِمَاتُ تهْرَبُ مِنْ فـَمِي:
هَذِي بـِلادٌ .. لمْ تـَعُـــدْ كـَبـِلادِي
رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 16.58 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 15.94 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (3.83%)]