عرض مشاركة واحدة
  #7  
قديم 02-09-2008, 02:02 AM
الصورة الرمزية لنا الله
لنا الله لنا الله غير متصل
عضو متميز
 
تاريخ التسجيل: Apr 2008
مكان الإقامة: Cairo
الجنس :
المشاركات: 398
الدولة : Egypt
افتراضي

الـمــوت




قال الله تعالى: {وما كان لنفسٍ أن تَموتَ إلاَّ بإذنِ الله كِتاباً مؤَجَّلاً ومن يُرِدْ ثَوابَ الدُّنيا نؤتِهِ منها ومن يُرِدْ ثَوابَ الآخرةِ نؤتِهِ منها وسَنَجزي الشَّاكرينَ(145)}آل عمران(3)



وقال أيضاً: {حتَّى إذا جاءَ أحدَهُمُ الموتُ قال ربِّ ارجعونِِ(99) لعلِّي أَعملُ صالحاً فيما تركْتُ كلاَّ إنَّها كلمةٌ هو قائِلُها ومِن ورائِهِم برزخٌ إلى يومِ يُبْعَثون(100)}سورة المؤمنون(23)



وقال أيضاً: {وأنفِقُوا ممَّا رزقْناكُم من قبلِ أن يأتيَ أحدَكُم الموتُ فيقولَ ربِّ لولا أخَّرْتني إلى أَجَلٍ قريبٍ فأصَّدَّقَ وأكن من الصَّالحين(10) ولن يُؤخِّرَ الله نفْساً إذا جاء أَجَلُها والله خبيرٌ بما تعملون(11)}سورة المنافقون(




ومضات:

ـ الحياة الأرضية معبر إلى حياة الخلود، وكلُّ مَنْ على هذه الأرض فان، والمهمُّ هو الاستفادة من رحلة العمر هذه، في تهيئة أرواحنا للحياة الأبدية، حيث حصاد زرعنا ونتاج أعمالنا، دون الالتفات إلى بريق الدنيا الكاذب وزخارفها الخدَّاعة.

ـ الله تعالى غنيٌّ عن العالمين، ومن يكفر به وبآلائه فإنه لا يضرُّه ولا ينقص من ملكه شيئاً، وأمَّا من آمن به حقَّ الإيمان وشكره على أنعمه فإنه سيُجزل عطاءه ويُحسن مثواه.

ـ الوقت سلاح ذو حدين، إن أحسنَّا استعماله ذلَّلنا الصعاب ووصلنا إلى الغاية المرجوَّة، وإذا أسأنا اسـتعماله خسـرنا وندمنـا، وإن عجلة الزمن لا يمكن أن تعود إلى الوراء، وما كان لندم ـ مهما اشتدَّ على ما فوَّتنا أو ضيَّعنا من عمرنا ـ أن يعيد دورة الزمن لنأخذ فرصتنا من جديد.

ـ إن التجارب اليومية كثيرة وهي تمرُّ بنا وبسوانا، وعند كلِّ تقصير أو إهمال نبديه، تفوتنا فرص عديدة في الحياة قد نعجز عن استدراكها، وهكذا هو قانون الله تعالى، حيث أعطى الإنسان كلَّ الفرص للاستفادة منها في إعمار قلبه وعقله ومحيطه المسؤول عنه، فمن ضيَّعها فقد فاتته هذه الفرص، وليس أمامه سوى الندم والويل والثبور وفظائع الأمور.


في رحاب الآيات:

الموتُ هو النهاية الَّتي ينتهي إليها كلُّ حيٍّ على هذه الأرض، فلكلِّ نفس موعد مؤجَّل إلى وقت لا يعلمه إلا الله تعالى، ولن تموت نفس حتَّى تستوفي أجلها، وبذلك تستقرُّ حقيقة الأجل في النفس، فلا تنشغل بالتفكير فيه عن أداء واجباتها، والوفاء بالتزاماتها، وتكاليفها الإيمانية.

فليس المهم إذاً موعد الموت، بل أن نكون جاهزين في كلِّ لحظة لهذا الرحيل، وذلك بأن نكون مستغفرين من ذنوبنا، تائبين منيبين إلى الله، مؤدِّين ما علينا من حقوق لعباده، فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال صلى الله عليه وسلم : «إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء وخذ من صحَّتك لمرضك ومن حياتك لموتك» (رواه البخاري). فالإنسان الموفَّق هو الَّذي يصحو من سُبات الجهل، ويبتعد عن طريق الشرور والآثام في الوقت المناسب، وقبل أن يمضي قطار العمر، بحيث يبادر وما زال أمامه متَّسع من الوقت لترميم ما أفسد، ولتعويض ما فاته من الطاعات والعمل الصالح. فما الفائدة من أن يصحو المرء من سكرة ذنوبه ومعاصيه، ليقع في سكرة الموت، ويجد نفسه وقد أضاع ماله وشبابه وصحَّته وعمره.

إن المرء ليتمنَّى عندما تنتابه صحوة الموت، وينكشف له الغطاء عن عالم الآخرة، أن يُعطى ولو ساعة من حياة، ليَهَبَ كلَّ ما يملك من مال في سبيل الله، أو أن يعيد كلَّ ما اغتصبه من حقوق لأهلها، ولكنَّه موعد مع القدر الإلهي لا يستقدم لحظة ولا يستأخر: {وَلِكُلِّ أُمَّةٌ أَجَلٌ فإذا جاءَ أَجَلُهُم لا يَسْتأخِرونَ ساعةً ولا يَسْتَقْدِمون} (7 الأعراف آية 34). وماذا بوسع المُحْـتَضر أن يفعل فيما إذا طلب تأخير موته عن موعده المحدد ولو لساعات أو لأيام؛ بعد أن بدأت ظواهر عالم الغيب تتكشَّف له؟ وهل يكفيه أن يسجد طيلة مدة التمديد، صائماً مسبِّحاً لله ومستغفراً؟ وهل يكفيه إذا أُعطي مهلة تأخير التنفيذ، أن ينفق جميع ما يمكنه أن ينفقه في سبيل الله، كفَّارةً لذنوبه واستدراكاً لما تأخر عن إنفاقه؟.

ذلك المال الَّذي ضيَّع عمره بحثاً عنه، وتهالُكاً على جمعه، هل هو مستعدٌّ الآن أن ينفقه في لحظة واحدة في سبيل إرضاء الله؛ بعد أن تحقَّق من وجود الحساب واليوم الآخر؟ وهل هو مستعدٌّ أن يعيد كلَّ مال حرام اغتصبه إلى أصحابه؟؟. أما وإن الروح لن تعود إلى الجسد في الحياة الدنيا بعد أن حان أجلها، وأنَّ الموت حقٌّ، والحساب حقٌّ، واليوم الآخر حقٌّ، فلماذا لا ننفق ما فرضه علينا الشارع الحكيم، أثناء حياتنا وبهدوء ورويَّة، وعلى أفضل وجه يرضاه الله، من أجل مصلحة المجتمع وتحقيق توازنه وسلامة بنيته الأخلاقية؟.

إن من أهمِّ المعوِّقات عن مثل هذا الإنفاق هو تعلُّقنا بالمزيد من الكسب وتجميع الثروات، ورغبتنا بإشباع شهواتنا بالمزيد من المتع الحسيَّة، مما يغلِّف قلوبنا بأستار كثيفة تبعدنا عن حضرة الله، وعن تذكُّر تعاليمه الَّتي ما فُرضت علينا إلا لأجل سعادتنا في الدارين.

لذلك فإن الله جلَّ وعلا يردُّ على هذا السائل المتمني الرجوع إلى الدنيا كي يعمل صالحاً بقوله: كلا، وهو حرف ردع وزجر، أي لا نجيبه إلى طلبه ولا نقبل منه، فسؤاله الرجوع ليعمل صالحاً هو قول لا عمل معه، ولو رُدَّ لما عمل صالحاً، ولكان كاذباً في مقالته كما قال تعالى: {..ولو رُدُّوا لعادوا لما نُهوا عنه وإنَّهم لكاذبون} (6 الأنعام آية 28).

فعودة الناس إلى الحياة الدنيا بعد الموت أمر مستحيل، فَمِنْ أمامهم حاجز يحول بينهم وبين هذه العودة وهو عالم البرزخ، قال مجاهد: (البرزخ الحاجز بين الدنيا والآخرة) وقال محمد بن كعب: (البرزخ ما بين الدنيا والآخرة، ليسوا مع أهل الدنيا يأكلون ويشربون، ولا مع أهل الآخرة يُجازون بأعمالهم).

وقد حذَّر الله تعالى عباده من هذه اللحظة العصيبة، لحظة الموت، وما وراءها من حياة البرزخ، وما بعدها من الحساب والعقاب، وجاء هذا التحذير على ألسنة الأنبياء وفي الكتب السماوية المقدَّسة، وحضَّ عباده على أن يلهجوا بذكره آناء الليل وأطراف النهار، وأن يؤدُّوا ما فُرِضَ عليهم من العبادات، فلا يشغلهم عن ذلك زخرف الحياة الدنيا من مال ونسب وولد وجاه وسلطان، فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل. وكذلك أمرهم أن ينفقوا أموالهم في أعمال البرِّ ووجوه الخير، وألا يؤخِّروا ذلك حتَّى يفجأهم الموت فيندموا حيث لا ينفع الندم، ويتمنَّوا أن يطيل الله أعمارهم ليعوِّضوا بعض ما فاتهم، ولكن أنَّى لهم ذلك، ولكلِّ نفس أجل محدود لا تتعدَّاه، والله خبير بأعمالهم، وهو مجزيهم عليها، إن خيراً فخير وإن شراً فشر؟.

فمن جعل الدنيا همَّه فقد يصيبه حظٌ منها ويخسر نصيبه في الآخرة، لأن حيازة الإنسان على الدنيا ليس بموضع غبطة لأنها مبذولة للبَرِّ والفاجر على السواء، أمَّا من أراد الآخرة وجعلها همَّه فإنه يُوفَّى أجره كاملاً، ولا يُنْقصه ما قد يحصل عليه في الدنيا، وسيجزي الله الشاكرين الَّذين يدركون نعم الله ويؤدُّون حقَّها من الشكر.

هذه هي ميزات الإسلام الحنيف، فما طلب من المؤمنين أن يكونوا مادِّيين يتكالبون على جمع حطام الدنيا، ولا أن يكونوا روحانيين يجرِّدون أنفسهم من لذَّات الحياة، ويدلُّ على ذلك قـوله تعـالى: {قـلْ من حـرَّمَ زينَـةَ الله الَّـتي أخـرَجَ لـعبـادِهِ والطَّيِّبـاتِ من الرِّزق..} (7 الأعراف آية 32). ومِنْ أكثر ما يقرِّب العبد من ربِّه، ويجعله يفوز برضوانه، رحمته بالبائسين من عباده، وبذل المال في الوجوه الَّتي فيها سعادة الأمَّة، وإعلاء شأنها، ونشر الدعوة. جاء في الحديث الشريف: «لأن يتصدَّق المرء في حياته بدرهم خير من أن يتصدَّق بمائة عند موته» (أخرجه أبو داود وابن حبان عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «قال رجل يارسول الله! أي الصدقة أعظم أجراً؟ قال صلى الله عليه وسلم : أن تتصدَّق وأنت شحيح، تخشى الفقر وتأمل الغنى، ولا تُمْهِل حتَّى إذا بلغت الحلقوم قلتَ: لفلان كذا ولفلان كذا وقد كان لفلان» (رواه البخاري). ومن أَلْهَتْهُ الدنيا وشغلته عن حقوق الله والعباد، فقد باء بغضب من ربِّه، وخسرت تجارته، إذ باع خالداً باقياً، واشترى به فانياً زائلاً، فكيف يرضى عاقل بمثل هذه التجارة الخاسرة؟.
__________________

قـَدْ كـَانَ آخِرَ مَا لـَمَحْتُ عـَلـَي الـْمَـدَي
وَالنبْضُ يخْبوُ .. صُورَة ُالجـَلادِ
قـَدْ كـَانَ يضْحَـكُ وَالعِصَابَة ُحَوْلـَــــــهُ
وَعَلي امْتِدَادِ النَّهْر يبْكِي الوَادِي
وَصَرَخْتُ ..وَالـْكـَلِمَاتُ تهْرَبُ مِنْ فـَمِي:
هَذِي بـِلادٌ .. لمْ تـَعُـــدْ كـَبـِلادِي
رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 19.19 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 18.55 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (3.31%)]