وجوب طاعة النبي صلى الله عليه وسلم والاقتداء به
سورة آل عمران(3)
قال الله تعالى: {قُل إن كنتُم تُحبُّونَ الله فاتَّبِعُوني يُحبِبكُمُ الله ويَغفِر لكم ذُنُوبَكُم والله غَفُورٌ رحيمٌ(31) قُل أطِيعُوا الله والرَّسُولَ فإن تَوَلَّوا فإنَّ الله لا يُحِبُّ الكَافِرِينَ(32)}
سورة النساء(4)
وقال أيضاً: {ياأيُّها الَّذين آمَنُوا أطيعوا الله وأطيعوا الرَّسولَ وأُولي الأمرِ منكُم فإن تنازعتُم في شيءٍ فرُدُّوه إلى الله والرَّسولِ إن كنتم تؤمنونَ بالله واليومِ الآخِرِ ذلك خيرٌ وأحسنُ تأويلاً(59)}
سورة النساء(4)
وقال أيضاً: {وما أرسَلنا من رسولٍ إلاَّ ليُطاعَ بإِذنِ الله ولو أنَّهُم إذ ظلموا أنفُسَهُم جاءُوكَ فاستغفَروا الله واستغفرَ لهم الرَّسولُ لَوَجدوا الله توَّاباً رحيماً(64) فلا ورَبِّكَ لا يؤمِنونَ حتَّى يُحكِّموكَ فيما شَجَرَ بينهم ثمَّ لا يَجدوا في أنفُسهِم حرَجاً ممَّا قضَيتَ ويُسلِّموا تَسليماً(65)}
سورة النساء(4)
وقال أيضاً: {ومن يُطع الله والرَّسولَ فأولَئِكَ معَ الَّذين أنعَمَ الله عليهِم من النَّبيِّينَ والصِّدِّيقينَ والشُّهداءِ والصَّالِحينَ وحَسُنَ أُولئِكَ رفيقاً(69) ذلك الفضلُ من الله وكفى بالله عليماً(70)}
سورة النساء(4)
وقال أيضاً: {من يُطعِ الرَّسولَ فقد أطاعَ الله ومن تَولَّى فما أرسلناكَ علَيهِم حفيظاً(80)}
سورة الأنفال (8)
وقال أيضاً: {وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيْحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصَابِرِين (46)}
سورة النور(24)
وقال أيضاً: {إنَّما كان قولَ المؤمنينَ إذا دُعُوا إلى الله ورسولِهِ لِيَحْكُمَ بينهم أن يقولوا سَمِعنا وأطَعنا وأولئِكَ هم المفلِحونَ(51) ومن يُطع الله ورسولَهُ ويَخشَ الله ويتَّقْهِ فأولئِكَ هم الفائِزونَ (52)}
سورة النور(24)
وقال أيضاً: {إنَّما المؤمنونَ الَّذينَ آمنوا بالله ورسولهِ وإذا كانوا معَهُ على أمرٍ جامعٍ لم يذهبوا حتَّى يستَئذِنوهُ إنَّ الَّذينَ يستئذنونَكَ أولئِكَ الَّذينَ يؤمنونَ بالله ورسولهِ فإذا استئذنوكَ لبعضِ شأنِهم فَأْذَن لِمن شِئتَ منهم واستغفرْ لهم الله إنَّ الله غفورٌ رحيمٌ(62)}
سورة الأحزاب(33)
وقال أيضاً: {لقد كان لكم في رسولِ الله أُسوَةٌ حسنةٌ لِمَن كان يَرجو الله واليومَ الآخر وذَكرَ الله كثيراً(21)}
سورة الأحزاب(33)
وقال أيضاً: {وما كان لمؤمنٍ ولا مؤمنةٍ إذا قضى الله ورسُولُهُ أمراً أن يكونَ لهمُ الخِيَرَةُ من أمرهِم ومن يَعصِ الله ورسولَهُ فقد ضلَّ ضلالاً مبيناً(36)}
سورة الفتح(48)
وقال أيضاً: {إنَّ الَّذين يُبايعونك إنَّما يُبايعونَ الله يدُ الله فوق أيديهم فمن نكث فإنَّما ينكثُ على نفسه ومن أوفى بما عاهدَ عليهُ الله فسَيُؤتِيه أجراً عظيماً(10)}
ومضات:
ـ كثير من الناس يدَّعون محبَّة الله ورسوله؛ فلئن كانت الطاعة هي البيِّنة الَّتي تشهد بصدق دعوى المحبّة وأصالتها، فإن المعصية تشهد بنقيض ذلك، وعلى الإنسان أن يضع نفسه على هذا المِحَكِّ ليعرف إلى أيِّ الزمرتين ينتمي.
في رحاب الآيات:
يتجلَّى حُبُّ المؤمن لربِّه ولنبيِّه بصور مختلفة وعلامات شتَّى، وإنَّ من أوضح هذه العلامات وأظهرها، أن يكون المؤمن مؤْثِراً لأوامر الله تعالى على سائر محبوباته، ظاهراً وباطناً، فيلزم الطاعة، ويجتنب التردُّد والتَّهاون واتِّباع الهوى، ويكون هواه تبعاً لما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفي هذا المعنى قال أحد المحبِّين الصادقين:
وأَتْـركُ مـا أهـوى لـما قــد هَــويْتَــه فأرضى بما ترضى وإن سَخِطَتْ نفسي
بينما أنكر محبٌّ آخر ادِّعاء محبَّة الله مع ارتكاب معصيته فقال:
تعصي الإله وأنت تظهر حبَّه هذا لَعَمْري في القيـاس بديع
لو كان حبُّك صادقاً لأطعته إن المحـبَّ لمـن يحـبُّ مطيــع
فاتِّباع الرسول صلى الله عليه وسلم في الأقوال والأعمال والأخلاق، يعني الدخول في دائرة طاعة الله، الَّتي تعني امتثال أوامره تعالى واجتناب نواهيه، واتِّباع سنن رسوله ممَّا ورد عنه من قول أو فعل أو تقرير، قال صلى الله عليه وسلم : «ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم، فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم» (أخرجه مسلم).
وقد يخطئ العقل البشري، ويتأثر بشتَّى التيارات الفكرية، لذلك كان لابدَّ من وجود ميزان ثابت ترجع إليه العقول عند اختلافها، فتعرف من خلاله مدى الخطأ والصواب في أحكامها وتصوُّراتها، والله تعالى يضع هذا الميزان لسائر القيم والأحكام، وفي كلِّ حقل من حقول الحياة، وهو كتاب الله وسنَّة رسوله. فإن تنازعنا في أمر فعلينا أن نخضعه لهذا الميزان، فإن لم نجد له حكماً صريحاً في القرآن أو السنَّة لجأنا إلى القياس، وهو: ردُّ الحكم في القضايا الطارئة الَّتي لا نصَّ يبيِّن حكمها، إلى الأحكام الَّتي نصَّ عليها الشرع للتَّشابُه بينهما، والمماثلة في علَّة تشريع الحكم.
وممَّا تجدر الإشارة إليه أن آيات القرآن الكريم قد ربطت بين طاعة الله وطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم في مواضع كثيرة، دفعاً لتخرُّصات المفسدين وتأويلات المنافقين، الَّذين دعَوْا إلى الاكتفاء بما جاء في القرآن الكريم، وترك ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو عمل.
وممَّا يؤكد وجوب الالتزام بالسنَّة إلى جانب الالتزام بكتاب الله، أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم علاوة على قيامه بتبليغ الرسالة فقد قام بتطبيقها، بل إنه القدوة المثلى لهذا التطبيق. ولقد أخذ المسلمون عنه عليه الصَّلاة والسَّلام تعاليم هذا الدِّين ومناسكه، وراحوا يبنون صرح هذه العقيدة على أسـسها. فالرسول صلى الله عليه وسلم مبلِّغ ومبيِّن عن الله مراده، وقد جاءت سنته شارحة للقرآن تبيِّن مجمله وتقيِّد مطلقه وغير ذلك من أوجه البيان.
وبهذا يمكن فهم مقام السنَّة بالنسبة للكتاب، فالتشريع الدِّيني المحض ـ كأحكام العبادات ــ لم يكن يصدر إلا عن وحي الله لنبيه صلى الله عليه وسلم من كتاب أو سنَّة، أو بما يُقِرُّه عليه من اجتهاد. وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم في ذلك معصوماً، لأنه لو أخطأ لما أمر تعالى بطاعته
في قوله: {من يُطعِ الرَّسول فقد أطاع الله ومن تولَّى فما أرسلناك عليهم حفيظاً} (4 النساء آية 80)، ومادامت المسائل الدِّينية قد بُنيت على هذا النحو، ومادام الأصل الَّذي يُرجَعُ إليه عند التحاكم معلوماً، فلا معنى للاختلاف حول منزلة النبي صلى الله عليه وسلم من الشريعة الإسلامية، فلا ريب أن الرسول صلى الله عليه وسلم هو قائد مسيرة الإيمان، والدليل الروحي والمرشد الحكيم، وهو الَّذي يتكلَّم بوحي الله: {وما يَنْطقُ عن الهوى * إن هوَ إلاَّ وحيٌ يُوحى * علَّمهُ شديدُ القُوى} (53 النجم آية 3ـ5)
وعلى هذا فإن أقواله وأعماله هي من وحي الله عزَّ وجل، فصَحَّ بذلك أن تكون مصدراً ثانياً للتشريع بعد القرآن الكريم، وإن ترك هذا المصدر هَدْمٌ لركن من أركان التشريع، فمن أعرض عن السنَّة فقد حرم نفسه من ثمرات التطبيق النبوي، فَتاهَ وضلَّ عن سواء السبيل.
ـ تؤكِّد هذه الآيات حتمية إطاعة المؤمنين لله عزَّ وجل ولرسوله الكريم ولأولي الأمر منهم، وفَرْضِيَّة ردِّ الخلافات الَّتي تنشأ بينهم إلى الله ورسوله، لحلِّها في ضوء القواعد الإيمانية.
ـ طاعة الرسول الكريم واجبة، واستغفاره للمؤمنين المذنبين التائبين مقبول لدى ربِّ العالمين، وإذا اتبعوه بصدق أحبَّهم الله وأنعم عليهم بالمغفرة.
ـ من دلائل الإيمان السليم، أن يُحَكِّم المسلمُ الشرعَ الإسلامي القويم فيما يعرض له من أمور، ثمَّ يقبل بحكمه ولا يجد في نفسه حرجاً أو ضيقاً من الالتزام به.
ـ إن المطيع لله ورسوله، يتبوَّأ منزلته في علِّيِّين، مع الأنبياء والصدِّيقين والشهداء والصالحين، في ظلال عرش الرحمن، وحَسُنَ أولئك رفيقاً.
ـ طاعة الرسول هي طاعة لله عزَّ وجل ومعصيته معصية لله، لأن أوامره ما هي إلا وحي من الله وعمل بكتابه الكريم، فقد أرسل تعالى الرسل وأيَّدهم بوحيه لتكتمل مقوِّمات وجوب طاعتهم على الناس، فإذا قضى الرسول قضاءً بإذن الله فلا مناص من تنفيذه والإذعان له لأنه من أمر الله.
ـ في طاعة الله ورسوله وحدة وقوَّة للمؤمنين، ولا تتحقَّق تربية النفس على الطاعة إلا بالصبر.
ـ رسول الله صلى الله عليه وسلم هو القدوة النموذجية المثالية، لكلِّ من آمن بالله وذكره ذكراً كثيراً.
ـ على المؤمنين أن يبقَوْا تحت لواء رسول الله صلى الله عليه وسلم في جميع الملمَّات والطوارئ، وألا يفارقوه دون استئذان، فالمؤمن الَّذي يشعر بارتباطه الكامل مع المجموعة المؤمنة لا يتخلَّى عنها، إلا إذا عرض له أمر قاهر؛ ومع ذلك فهو لا يترك الرسول صلى الله عليه وسلم دون استئذان، تأدُّباً معه واحتراماً لمجلسه.
ـ عدَّ الله تعالى مبايعة الناس لرسوله صلى الله عليه وسلم ، وتقديم عهد الولاء والطاعة له، والاستجابة لأوامره، مبايعة مباشرة لحضرة الله، وبيَّن أنه يؤيِّد الأيدي المتشابكة الَّتي تصافح يد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لأنه تعالى راضٍ عن هذه البيعة، ممَّا يؤكِّد قدسيتها، فمن نكث فقد نكث مع الله، ومن أوفى بعهده فقد وفَّى مع الله وله الأجر والثواب الجزيل.