الإنفاق والقرض الحسن والصدقات
قال الله تعالى: {ياأيُّها الَّذين آمَنُوا أنفقوا ممَّا رزقناكُم من قبلِ أن يأتيَ يومٌ لا بيعٌ فيه ولا خُلَّةٌ ولا شفاعةٌ والكافرُونَ هُمُ الظَّالمون(254)}سورة البقرة(2)
ومضات:
ـ يُحسن الله تعالى إلى خلقه بالعطاء والرزق، والمؤمنون يقابلون هذا الإحسان بالإحسان إلى النَّاس؛ فينفقون من أموالهم في وجوه الخير والبِرِّ الَّتي تُرضي الخالق سبحانه.
ـ الدار الدنيا دار العمل والآخرة دار الجزاء، ومن لم ينفق اليوم في سبيل تحقيق ما يحبُّه الله تعالى، فسيواجه يوماً تتوقَّف فيه آلة العمل عن الدوران، فلا يعود بقدرته أن يفتدي نفسه بحسنة أو عمل صالح، فقد جفَّت الأقلام وطُويت الصحف، فلا حسنة تسجَّل ولا سيئة تمحى، ولن يجد المرء في ذلك اليوم من يدفع عنه العذاب، أو يشفع له لينجو من عاقبة ذنوبه، وعليه منذ الآن أن يختار الطريق الآمن المنجي من الشقاوة الأبدية والموصل إلى السعادة السرمدية.
ـ الكافر ظالم لنفسه قبل أن يكون ظالماً لغيره، لأنه انحرف عن مسبِّبات السعادة السرمدية، واتخذ خطوات عدوِّه الشيطان مرشداً له وسبيلاً.
في رحاب الآيات:
إذا نشأ حبُّ الله في القلب وترعرع، ارتقى بالإنسان إلى مصافِّ الأتقياء ومراتب الأبرار، حتَّى يصبح كلُّ ما يملكه أداة طيِّعة يسخِّرها في سبيل هذا الحبِّ الإلهي. ولا غرابة في ذلك فإن نفس المؤمن الزكية تجود في سبيل محبوبها بالنفيس من مالها قبل الرخيص. ومن رحمة الله وسعة عطائه، أنه يرزق العبد ويهديه لينفق في وجوه الخير والبِرِّ فيُجزل له الثواب على ذلك، فهو المعطي للمال وهو المثيب على إنفاقه.
أمَّا نفس البخيل والَّتي لم يتغلغل في حناياها حبُّ الله، ولم يهذِّبها حبُّ السخاء في سبيله، فهي أسيرةُ نوازعِ الطمع والتقتير، مكبَّلَة بأغلال المخاوف والوساوس، حتَّى يغدو صاحبها عبداً لماله بدلاً من أن يكون المال خادماً له. بينما تتحرَّر نفس المؤمن السخي من هذه القيود، فينطلق إلى ما فيه إعمار مجتمعه وازدهاره. والله تعالى لم يجعل في الصدقات إرهاقاً ولا حرجاً على الغني، فقد فرض في ماله حقاً يسيراً للفقير يكفل له الحصول على مصدر للكسب والإنتاج، فيحقِّق له عيشاً كريماً ويحوِّله إلى متصدِّق بدلاً من أن يكون آخذاً للصدقات.
جاء في الحديث الشريف: «إن الله فرض على أغنياء المسلمين في أموالهم بقدر الَّذي يسع فقراءهم، ولن يجهد الفقراء إذا جاعوا أو عروا إلا بما يصنع أغنياؤهم، ألا وإن الله يحاسبهم حساباً شديداً ويعذبهم عذاباً أليماً» (رواه الطبراني).
وبهذا نجد أن أمام المؤمن فرصاً كثيرة مبثوثة في ساعات عمره كلِّها، وعليه أن يغتنمها ليجني منها ما استطاع من ثمرات الخير والبِرِّ الَّتي تعود عليه في الدارين حُسناً، مصداقاً لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم : «اغتنم خمساً قبل خمس: شبابَك قبل هرمك، وصحَّتَك قبل سُقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغَك قبل شغلك، وحياتَك قبل موتك» (رواه البخاري ومسلم) وإلا فاته قطار العمر، وندم حيث لا ينفع الندم، في يوم لا يجد فيه مالاً يفتدي نفسه به، وتنقطع فيه الصلة بين الأخِلاَّء إلا المتَّقين منهم، قال تعالى: {الأخِلاَّءُ يومئذٍ بعضُهُم لبعضٍ عدوٌّ إلاَّ المتَّقين} (43 الزخرف آية 67)، ولا تُقبل فيه شفاعة إلا لمن أذن له الله من الرسل والأبرار، ولا يجد إلا ما قدَّمته يداه وسيُجزى عليه إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.
ولا ريب في أن من الحكمة بمكان أن يضع المرء الأشياء في مواضعها الصحيحة ومن جملتها المال، فمن الظلم للنفس والمجتمع أن يضعه الإنسان في غير موضعه، وأن يصرفه في غير وجوهه الَّتي أمر الله بها، ويمنعه عن الملهوف فلا يغيثه، وعن المضطر فلا يكشف الضُرَّ عنه ولا يواسيه به، ولا يبذله في سبيل المصالح العامَّة الَّتي تفيد الأمَّة وترفع من قدرها.