عرض مشاركة واحدة
  #8  
قديم 21-07-2008, 06:24 PM
الصورة الرمزية لنا الله
لنا الله لنا الله غير متصل
عضو متميز
 
تاريخ التسجيل: Apr 2008
مكان الإقامة: Cairo
الجنس :
المشاركات: 398
الدولة : Egypt
افتراضي

سورة الحُجُرات(49)
قال الله تعالى: {قالتِ الأعرابُ آمنَّا قُلْ لم تُؤمِنوا ولكنْ قولوا أسلَمنا ولمَّا يَدخُلِ الإيمانُ في قلوبِكُم وإن تُطيعوا الله ورسولَهُ لا يَلِتْكُم من أعمالِكُم شيئاً إنَّ الله غفورٌ رحيم(14) إنَّما المؤمنونَ الَّذين آمنوا بالله ورسولِهِ ثمَّ لم يرْتابوا وجاهدوا بأموالِهِم وأنفسِهِم في سبيلِ الله أولئك هم الصَّادقون(15)}



ومضات:


ـ كلُّ من ابتعد عن روح الإيمان غدا كأعرابي جاهل، وتبقى روحه عارية عن كسوة الإيمان، الَّذي هو يقين يستقرُّ في القلب، ويقتلع منه كلَّ جذور الشكِّ والريبة بالرسالة والرسول، ولا يكفي المرء أن ينسب نفسه للإسلام ليكون مؤمناً حقيقياً، بل إنَّ عليه أن يجسِّد اعتناقه للإسلام عملاً وواقعاً بطاعة الله ورسوله.


في رحاب الآيات:


ادَّعى سكان البادية زمن الرسول ا لكريم بأنهم آمنوا، وردَّ الله تعالى عليهم وعلى من كان على شاكلتهم في كلِّ زمان ومكان بأنهم لم يؤمنوا بعد، ولكنَّهم مازالوا معتقدين فقط بالإسلام، وبصحَّة نبوَّة الرسول الكريم. فالإيمان الحقيقي: إضافة إلى ما تقدَّم هو التطبيق العملي لتعاليم الإسلام قلباً وقالباً، روحاً وجسداً، ولا يمكننا الوصول إليه، ونحن بمنأى عن الصلة المادِّية والروحية بالنبي محمَّد عليه السلام، لأن في القرب منها علماً وتعلُّماً وأخلاقاً وتزكيةً، وكلَّما اقتربنا منه صلى الله عليه وسلم حباً وصدقاً وإخلاصاً، كلَّما ارتشفت قلوبنا من أنوار الهداية، وتغذَّت عقولنا بثمار العلم، واشتدَّت هممنا في العمل المجدي البنَّاء.

وليس المقصود في هذه الآية التفرقة بين أهل المدن وأهل البادية، بل القصد هو إثبات قرب أهل المدينة منه r وابتعاد أهل البادية عنه، ذلك القرب الَّذي كان يهيِّئ لصحابته المحيطين به إمكانية التأسِّي به صلى الله عليه وسلم ، والالتزام بمدرسة التعليم والهداية قولاً وعملاً؛ أما الأعراب فهم في باديتهم مشغولون.
وبهذا المعنى يبقى الناس وعلى مرِّ العصور أعراباً ولو سكنوا المدن والقصور، ما لم يلتزموا برياض العلم والعلماء، وما لم توصلهم محبَّتهم لرسول الله إلى طاعة أوامر الله تعالى، والالتزام بسنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم ، ممَّا يؤهِّلهم لأن يتقبَّل الله تعالى أعمالهم كاملة غير منقوصة.

أخـرج ابن ماجه وابن مردويه والبيهقي في شـعب الإيمان عن الإمام علي بن أبي طالب ـ كرَّم الله وجهـه ـ قال: قال رسـول الله صلى الله عليه وسلم : «الإيمان معرفـة بالقـلب، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان» وهذا لا يحصل إلا بعد الدخول في مدرسة العمل، لأن الإيمان تصديق قلبي واطمئنان نفسي وسلوك عملي في طريق التربية وتهذيب النفس. ومع هذا فإنَّ كَرَمَ الله اقتضى أن يجزي الطائعين على كلِّ عمل صالح يصدر عنهم، فلا ينقص من أجرهم شيئاً ما استقاموا على الطاعة والتسليم. وهو تعالى ستَّار للهفوات، غفَّار لزلاَّت من تاب وأناب، وأخلص له، رحيم به فلا يعذِّبه بعد التوبة.


أما من أقرَّ بالإسلام واكتفى من تعاليمه بالأماني، وأصرَّ على أعرابيَّته، فلم يكلِّف نفسه مشقَّة الالتزام بأحكام الإسلام وتكاليفه فله تهديد الله تعالى بقوله: {الأعرابُ أشدُّ كُفراً ونِفاقاً وأجْدَرُ ألاَّ يعلموا حُدودَ ما أنزلَ الله على رسولهِ والله عليمٌ حكيم} (9 التوبة آية 97).
ثم يُبيِّن الله تعالى صفة المؤمنين الصادقين الَّذين صدقوا الله ورسوله، ثمَّ لم يتشكَّكوا، ولم يتزعزعوا، بل ثبتوا على حال واحدة، وبذلوا مُهَجهم، ونفائس أموالهم في طاعة الله ورضوانه، وتسلَّحوا بسلاح الصَّبر في مقاومة التجارب القاسية، والابتلاءات الشديدة.

والتعبير على هذا النحو ينبِّه القلوب المؤمنة إلى مزالق الطريق، وأخطار الرحلة لتحزم أمرها، وتحتسب معاناتها، وتستقيم، ولا ترتاب عندما يَدلَهمُّ الأمر، ويظلم الأفق، فالله تعالى وصف المؤمنين الصادقين بثلاثة أوصاف:
الأوَّل: التصديق الجازم بالله ورسوله.
والثاني: عدم الشكِّ والارتياب، بل اليقين المبني على العلم والحكمة وتزكية النفس.
والثالث: الجهاد بالمال والنفس، وهذا يتطلَّب الجُهد الحثيث للحصول على المال الحلال، وتكريسه في سبيل الله، فمن جمع هذه الأوصاف فهو المؤمن الصَّادق.
وبهذا ندرك أنه لكي ينتقل الإنسان من أعرابيَّته إلى حضريَّته فعليه أن يؤمن إيماناً راسخاً عميقاً وكاملاً بالله ورسوله، إيماناً لاشكَّ بعده ولا زيغ، إيماناً يدفعه لأن يكون على استعداد لتقديم كلِّ ما يملك في سبيل الله، بكلِّ صدقٍ ومحبَّةٍ وتفانٍ، إيماناً لا يدع مجالاً لحبٍّ يغلب على حبِّ الله تعالى ورسوله وتكاليف الإسلام، قال الله تعالى: {قُل إن كان آباؤكُم وأبناؤكُم وإخوانُكُم وأزواجُكم وعشيرتُكم وأموالٌ اقترفْتُموها وتجارةٌ تخشَونَ كسادَها ومساكنُ ترْضَونَها أحبَّ إليكم من الله ورسولهِ وجهادٍ في سبيله فتربَّصوا حتَّى يأتيَ الله بأمرهِ والله لا يهدي القومَ الفاسِقين} (9 التوبة آية 24).


ـ المؤمن الحقيقي يسير في طريق الدعوة وهو كامل الثقة بالله وبرسوله صلى الله عليه وسلم ، ينفق ماله ويبذل روحه في سبيل إشادة بناء الإيمان والسَّلام والإخاء العالمي، فيستحقُّ بذلك لقب المجاهد الصَّادق.
__________________

قـَدْ كـَانَ آخِرَ مَا لـَمَحْتُ عـَلـَي الـْمَـدَي
وَالنبْضُ يخْبوُ .. صُورَة ُالجـَلادِ
قـَدْ كـَانَ يضْحَـكُ وَالعِصَابَة ُحَوْلـَــــــهُ
وَعَلي امْتِدَادِ النَّهْر يبْكِي الوَادِي
وَصَرَخْتُ ..وَالـْكـَلِمَاتُ تهْرَبُ مِنْ فـَمِي:
هَذِي بـِلادٌ .. لمْ تـَعُـــدْ كـَبـِلادِي
رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 16.61 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 15.98 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (3.82%)]