مـــلك الـــــكلمة
وفيك بارك ووقاك ربي عذاب السموم
في أن بعض الناس يدعي المس وليس كذلك (1)
* تحب ابن خالها فتدعي المس لتبقى جانبه (!)
هذه من حالات ادعاء المس الكاذب ، ادَّعت أنها مريضة بالمس لتبقى جانب ابن خالها ، ليقرأ عليها القرآن ، لأنها تحبه :
جاءني الشيخ (( أبو الفضل )) حاطه اللَّه برفقة الأخ (( عبد اللَّه )) ـ من حفاظ كتاب اللَّه ـ ذَاتَ يوم فقال الشيخ : (( ساعدنا يا أبا عبيد أتعبتنا الجنية (!) )) وتكلم (( عبد اللَّه )) شاكياً الجنية التي تلبست ابْنَةَ عمته ، ولا تريد الخروج.
وكيف أنه مَرَّ عليه أسبوع يقرأ لها القرآن حتى ختمه (!) وكيف أن الجنية تبكي وتصرخ عندما يقرأ عليها القرآن ، وتطلب منه التوقف عن القراءة لتخرج ، وعندما يتوقف لا تخرج في قصة يطول ذكرها.
وكان صوته ضعيفاً واهناً ، خلته عندما كان يكلمني ؛ أنه يأتيني من بئر معطلة ، أو من واد سحيق(!) وقد أخذ منه العياء والتعب نصيباً.
فقلت له : (( هَوّن عليك يا (( عبد اللَّه )) ، لست بحاجة أن تقرأ القرآن كله لتخرج الجنية يا أخي )).
وذهبنا إلى حيث المريضة في بيت (( عبد اللَّه )) ، وكان في انتظارنا اثنان من إخوته وقد حزبهم الأمر كما حَزَبَه ؛ فالكل يهتم لـها ويحرص على عافيتها ، وكيف لا وهي ضيفة عندهم وما نزل بها ما نزل بها إلا وهي في دارهم وجوارهم ، فكان حقاً عليهم نصرها ، ودفع ما بها ، وأن يعيدوها إلى أهلها سالمة كما جاءت.
أعددنا المكان للرقية وجلس (( أبو الفضل )) وقد أتعبته الجنية من كثرت ما قرأ عليها ، وجلس (( عبد اللَّه )) ، وجلس إخوته ؛ وجاءت البنت التي تزعم أنها مريضة ـ وكانت في الثامنة عشرة من عمرها ـ وجلست بين يدي ، فباشرت ، وشرعت في القراءة ـ دون أن أسألها لعلمي بـحالـها ـ ، حتى انتهيت ، فلم يظهر لي من علامات المس الذي تدعيه شيء البتة ، والبنت كما هي فـي هدوءها ، وسكونها.
فتوجهت بالسؤال إلى (( عبد اللَّه )) : (( أين الجنية يا (( عبد اللَّه ))(؟) البنت لا جن معها(!).
فقابلني الجميع بالاحتجاج على ما أقول بما فيهم البنت قائلة : (( اترك (( عبد اللَّه )) يقرأ ؛ فإنه إذا قرأ (( عبد اللَّه )) ، تحضر ، وتصرخ ، وتستغيث(!) )).
وأكد الحاضرون قولها ؛ أن صدقت ـ (( حذام فصدقوها )) ـ وأنهم يشهدون على ذلك.
وقام (( عبد اللَّه )) فأخذ مكاني ، وشرع في الرقية ؛ وإذا بالساكنة تعصف بها الأنواء ؛ وكأنها في فصل الخريف لا في الفصل الذي بعد الشتاء(!).
ثار نَقْعُها ، وحَـمِيَ وَطِيْسُها ، وعَظُمَ كَرْبُها ، وبالبكاء ضَجَّتْ ، وبالوَلْوَلَةِ عَجَّتْ ، (( وأخذت تسأل عن حصين كل ركب(!) )) وأذني تسمع ، وعيني ترى ، ـ وكلي عجب ـ من (( صاحبة يوسف )) هذه(!) وأنا على يقين أن الجالس جانبها قد شغفها حباً ، وإن لم تراوده عن نفسه وتغلق الأبواب ؛ لأنها في بيته لا في بيت الكاعب الكِذاب . . وأخذت تسأل التوقف عن القراءة لتخرج ؛ فإن القرآن يعذبها(!) وأخذت تمثل دور جنية تكتوي بسماع القرآن أمام خبير بما يكون من حال الجن مع القرآن ، ويعلم أنها ممثلة فاشلة جزاؤها أن تضرب بالنعل مرتين ؛ لكذبها على الثَّقَلَين(!)
فما هكذا يبكي الجن ، وما هكذا يتألمون ، ولا يتوسلون ، وما هكذا حالهم مع القرآن يكون(!)
ونظر الجميع إليَّ بعيون علامات الاستفهام : (( هل رأيت ، ماذا تقول الآن(؟؟!) ))
فقلت : (( يا جماعة البنت ليست بمريضة ، وليس فـيها جن(!) )).
فثارت ثائرتهم ؛ ((كيف يا أبا عبيد باللَّه عليك يا رجل(؟!) أما رأيت(؟!) أما سمعت(؟!) سبحان اللَّه العظيم(!) )) وساد المجلسَ الهرجُ ، وعلا الضجيجُ.
وأخذ بعضهم ينظر إلى بعض وكأنهم يتواصون بقول أبي حامد الغزالي :
خذ ما تراه ودع شيئاً سمعت به
في طلعة البدر ما يغنيك عن زحل
وأنا أقدر استنكارهم جوابي ؛ فإنهم لا يكذبونني ـ فقد علموا مكاني ؛ ـ ولكن الذي رأته عيونهم كان مداً عاتياً ، وشيئاً هائلاً ؛ طغى فغطى عقولهم.
فقلت مؤكداً : (( البنت ليست مريضة يا أخي يا (( عبد اللَّه )) اللَّه يهديك ألا تثق فـي خبرتي سبحان اللَّه(!) هل القرآن الذي تقرأه يؤذي الجن ، والذي أقرأه لا يؤذي الجن(؟!) )).
فقال : (( وماذا تقول فـي هذا الذي رأيت(؟) )).
فقلت : (( نعم ؛ هي مريضة ولكن جنها ليس فـي بدنها(!) جنها خارجي ، جنها إنسي ، ومعنا هنا(!) )).
فاختلط عليهم الأمر ، ورأوا أنهم قد حاروا ؛ فأخذوا يتساءلون : (( ما هذا(؟) جنها خارجي(!) جنها إنسي(!) معنا هنا(!) )).
فقلت : (( اصرفوها وسأريكم جنها )).
انصرفت البنت ، وأقبلوا عليَّ بوجوههم البالغة التعجب ، فأشرت إلـى (( عبد اللَّه )) وقلتُ : (( هذا جنها(!) البنت مريضة بك يا (( عبد اللَّه )) ؛ ولم تجد حيلة تصل بها إليك ؛ إلا أن تدَّعي المسَّ لتبقى جانبك تقرأ عليها )).
وللمرة الثانية يقابلون ما أقول بالاعتراض والاحتجاج ؛ (( ما هذا(؟!) كيف هذا(؟) ليس معقولاً ما تقوله(!) لا لا . . هي تعلم أن (( عبد اللَّه )) متزوج ؛ فكيف . . (؟) )) وفـي صفهم (( أبو الفضل )) عفا اللَّه عنا وعنهم فقلت : (( قد بينت لكم حالـها ، فاصنعوا ما شئتم ، أما أنا فأعيدوني من حيث أخذتموني )).
وبعد أيام عاد (( عبد اللَّه )) إلـيَّ ؛ شاكياً هذي البلية ، فالبنت مازالت تمثل المسرحية ، والجنية هي الجنية ، ولم يعد فيه بقية ؛ يقوى بها على مواصلة الرقية الشرعية(!)
-----
موقع الجنة من الجنة