دعوة إلى الاعتبار بدراسة التاريخ والآثار
قال الله تعالى: {قد خَلَت من قبلكُم سُنَنٌ فَسِيروا في الأرضِ فانظُروا كيف كان عاقبةُ المُكَذِّبينَ(137) هذا بَيانٌ للنَّاسِ وهُدىً وموعظةٌ للمُتَّقينَ(138) ولا تَهِنُوا ولا تحزنـوا وأنتُمُ الأعلَـوْنَ إن كنتم مؤمنينَ(139) إن يَمسَـسـكُم قَـرحٌ فقد مَسَّ القومَ قَرحٌ مِثلُهُ وتلكَ الأيَّامُ نُداولُها بين النَّاس وليعلمَ الله الَّذين آمنوا ويتَّخذَ منكم شهداءَ والله لا يُحبُّ الظَّالمينَ(140)}سورة آل عمران
ومضات:
ـ إنها دعوة وبيان للنَّاس جميعاً، لسبر أغوار التاريخ، والاستفادة من تجارب من سبق من الأمم والحضارات بدراستها وفهمها، وتحذيرٌ لهم من الاكتفاء بالتاريخ، كسجلٍّ للقصص والروايات، لتحصيل التسلية والمتعة فقط، فما كان التاريخ لدى العقلاء الحكماء مجرد قصص تروى ولا حكايات تحكى، إنما هو مورد ثَرٌّ للعلم والمعرفة والاعتبار.
ـ لقد حدَّد الله تعالى لجميع الأمم طريقاً تسلكه لتصل إلى النجاح والفلاح، وأوَّل خطوات هذا الطريق هو الصبر على المشقَّة، الَّتي يكابدها المؤمن، في سبيل تطبيق قوانين الله تعالى على الأرض، وتحمُّل ما يلاقيه في سبيل ذلك من إيذاء النَّاس، وهذا الطريق واحد لا يتبدَّل بتبدُّل الأزمان والأجيال.
ـ لابُدَّ للنَّاس من مواجهة الاختبار الإلهي على اختلاف أصنافهم وألوانهم، وعلى المستوى الفردي والجماعي، حتَّى يميز الخبيث من الطيِّب وتظهر فضائل الأخيار، فيتحدَّد وجود فئة مختارة من الَّذين بذلوا المال، واسترخصوا كلَّ شيء حتَّى أرواحهم في سبيل الله، فكان منهم الشهداء الأبرار في ساحات القتال، وكان منهم الشهود على رقي أممهم وعلوِّ منازلها بتطبيق تعاليم الله بالشكل الأمثل.
في رحاب الآيات:
إن مشيئة الله في خلقه تسير وفق سنن رشيدة حكيمة، وكلُّ من سار عليها ظفر، ومن حاد عنها خاب وخسر، وفي هذه الآية الكريمة مراجعة تاريخية، ووقفات دراسة وتأمُّل لحضارات انهارت، وأمم اندثرت، وشعوب تفرَّقت وتمزَّقت بعدما أخذ بها الغرور كلَّ مأخذ، فخرجت عن الطريق السَّوي، لذلك جاء في الآية الكريمة تحذير وإنذار بسوء العاقبة، لكلِّ من ينحرف عن سنَّة الله تعالى، ويتجاوز حدود إنسانيته وعقلانيته.
وتلفت الآية نظرنا إلى من سبقنا من الأمم، لأخذ العبرة والموعظة ممَّا حلَّ بهم بسبب إعراضهم عمَّا جاءهم من الحقِّ، وقياس ما لدينا على ما كان لدى غيرنا. فالقرآن الكريم يربط ماضي البشرية بحاضرها، ليلفت أنظارها إلى مستقبلها، وهو يدعو النَّاس عامَّة إلى السير في الأرض، لأن الأرض مسرح الحياة البشرية، والحياة فيها كتاب مفتوح تُكْتَبُ فيه الأحداث، وتتأمَّله الأبصار، وتجول فيه الأفكار، فترى فيه من الآثار والحضارات القديمة، ما نقف أمامه بإجلال وإكبار، مأخوذين بروعة الفنِّ وبراعة الصنعة، على ما نحن عليه من التقدُّم العلمي والتقني.
والقصد من النظر ليس الإعجاب بتلك الآثار، وإنَّما التفكر بقوَّة الباني وجبروته، وكيف كان مصيره ومصير حضارته، لقد طواه الزمن وتجاوزته الأيام وكأنَّه لم يكن، فلم ينفعه من ذلك شيء، وأصبح عبرة لمن أراد أن يعتبر.
وقد أورد القرآن الكريم كثيراً من هذه السير والآثار في مواضع متفرِّقة منه، حدَّد مكان بعضها وزمانه وأشخاصه، واكتفى بالإشارة إلى بعضها الآخر دون تحديد أو تفصيل. وفي هذه الآيات يشير هذه الإشارة المجملة ليصل منها إلى نتيجة عامَّة، وهي أن ما جرى للمكذِّبين بالأمس يمكن أن يجري مثله للمكذِّبين اليوم وغداً.
والقرآن الكريم فيه بيان شافٍ للناس، وهداية لطريق الرشاد، وما كان النَّاس ليهتدوا لولا هذا البيان الهادي، ولكنَّ طائفة معيَّنة هي الَّتي تجد فيه الهدى والموعظة وتنتفع به، وهي طائفة المتَّقين الَّذين انشرح صدرهم للإيمان، وترجموا الإيمان إلى عمل. والمؤمن التَّقي حقَّ التَّقوى هو في المقام الأعلى دائماً، فإن حدث ما يخالف ذلك فعليه أن يراجع صحَّة إيمانه، ولكي يتبوَّأ تلك المكانة العالية، عليه ألا يتهاون بالعمل الجادِّ الدؤوب، وألا يحزن على ما أصابه لئلا يصيبه الوهن والحزن.
وقد قضى قانون الله أن يجعل العاقبة للمتَّقين الَّذين لا يحيدون عن شريعته وتعاليمه، وإنما نهى عن الحزن على ما فات، لأنه يُفقد الإنسان شيئاً من عزيمته. والأجدر أن يعالج المرء مشاكله وآلامه بالعمل، مع العزيمة الصادقة والحزم والتوكُّل على الله، حتَّى يظفر بما يطلب، ويستعيض عمَّا قد يخسر.
ومن الثابت أن تقلُّب النَّاس بين الرَّخاء والشِّدَّة يكشف عن معادن نفوسهم، وطبائع قلوبهم، ودرجة صفائهم، ومدى صبرهم، ومستوى ثقتهم بالله واستسلامهم لقدرته. فالله تعالى يعلم ما تنطوي عليه الصدور، ولكنَّ الأحداث وتداول الأيام تكشف المخبوء في نفوس النَّاس، وتجعله واقعاً ملموساً في حياتهم، وتحوِّل الإيمان إلى عمل ظاهر، فهي محَكٌّ لا يخطئ، وميزان لا يظلم، والنفس المؤمنة هي الَّتي تصبر على السرَّاء والضرَّاء، وتتَّجه إلى الله في الحالتين، وتوقن أن ما أصابها من الخير والشرِّ هو تقديرٌ من الله تعالى.
وكما أن الفرد مُبتلى، فكذلك هي الأمم، فكلُّ ولادة تسبقها آلام المخاض، ولا يمكن لأمَّة أن تُبنى دون تجارب مريرة، تجعل منها أمَّة قويَّة متماسكة، وبمقدار تماسكها تواصل مسيرتها بالشكل السليم، وإلا فلا يستبعد أن يُسحب المجد منها ويُعطى لغيرها، وهذا قانون الله في كلِّ متهاون مستهتر، قال تعالى: {ولقد كتبنا في الزَّبورِ من بعدِ الذِّكرِ أنَّ الأرضَ يَرثها عباديَ الصَّالحون} (21 الأنبياء آية 105).
والمؤمن مطالب أثناء مسيرته بالجهاد، وهو بذل الجهد للتحصيل والبناء العلمي والحضاري، ومجاهدة أهواء النفس، والتضحية وربما الاستشهاد في سبيل ا لله وقد ميَّز الله الشهداء واصطفاهم وكرَّمهم وخصَّهم بقربه ورحمته، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إن في الجنَّة مائة درجة أعدَّها الله للمجاهدين في سبيل الله ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض» (رواه البخاري)، وهذه المرتبة لمن يجاهد بكلِّ ما يملك ليرسي قوانين الله، كما بلَّغها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وليكون المنهج الإلهي هو المنهج السائد، وهو الَّذي يحكم سلوك النَّاس جميعاً، فإذا اقتضى الأمر أن يموت في سبيله فهو شهيد.
والشهيد هو المشهود له بالجنَّة، والشهداء عامَّة، هم من أخلصوا في إيمانهم وأعمالهم، ولم يظلموا أنفسهم بمخالفة أوامر الله ونواهيه.
وهم الَّذين يشهدون بصحَّة الدِّين قلباً وقالباً، قولاً ومنهجاً، ظاهراً وباطناً، وكما أن الله تعالى اصطفاهم، فقد أبعد من كنفه الظالمين، الَّذين تعدَّوا قوانينه أو حوَّلوها لمنافعهم الشخصية.
ولا يخفى أن الآيات جاءت بمناسبة خسارة المسلمين إحدى المعارك الحربية، ضد المشركين وهي غزوة أُحد، حيث أنزلها الله تعالى تعزية للمسلمين، وتطييباً لخاطرهم من جهة، كما جاءت من جهة أخرى درساً وعظة؛ بأن قانون الله ثابت في أن من خالف أمره أذاقه وبال مخالفته.
وبعد حصول الهدف من هذا الدرس القاسي، يعدهم بالنصر والتأييد إن هم أصلحوا الفساد، واستقاموا على جادَّة الحقِّ الَّذي ارتضاه لهم. وتتابع الآيات في المواساة وتطييب الخاطر، حيث تذكِّرهم بأنهم إن مسَّهم ضُرٌّ من هذه الموقعة، فقد مسَّ أعداءهم ضرٌّ مثله، والله تعالى يقدِّر مثل هذه الأقدار، ليظهر فضل المؤمنين الصادقين ويتَّخذ منهم شهداء مكرَّمين