عرض مشاركة واحدة
  #40  
قديم 26-05-2008, 10:05 AM
hager276 hager276 غير متصل
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Oct 2006
مكان الإقامة: alex
الجنس :
المشاركات: 2
الدولة : Egypt
افتراضي قصة سالم

حقا سالم طفل نعم و لكنه بألف رجل ...........
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

بدون مقدمات اترك لكم قصة سالم ...


أقرأوها وتمعنوا فيها...
‏أثابكم الله وقد ذكرها الشيخ خالد الراشد

كثيرا... :





‏لم أكن جاوزت الثلاثين حين أنجبت زوجتي

أوّل أبنائي.. ‏ما زلت أذكر تلك الليلة

.. ‏بقيت إلى آخر الليل

مع الشّلة في إحدى الاستراحات.. ‏كانت سهرة

مليئة بالكلام الفارغ.. ‏بل بالغيبة والتعليقات

المحرمة... ‏كنت أنا الذي أتولى في الغالب

إضحاكهم.. ‏وغيبة الناس.. ‏وهم يضحكون.


‏أذكر ليلتها أنّي أضحكتهم كثيراً.. ‏كنت

أمتلك موهبة عجيبة في التقليد.. ‏بإمكاني

تغيير نبرة صوتي حتى تصبح قريبة من الشخص

الذي أسخر منه.. ‏أجل كنت أسخر من هذا وذاك..

‏لم يسلم أحد منّي أحد حتى أصحابي.. ‏صار بعض

الناس يتجنّبني كي يسلم من لساني.


‏أذكر أني تلك الليلة سخرت من أعمى رأيته

يتسوّل في السّوق... ‏والأدهى أنّي وضعت قدمي

أمامه فتعثّر وسقط يتلفت برأسه لا يدري ما

يقول.. ‏وانطلقت ضحكتي تدوي في السّوق..


‏عدت إلى بيتي متأخراً كالعادة.. ‏وجدت زوجتي

في انتظاري.. ‏كانت في حالة يرثى لها.. ‏قالت

بصوت متهدج: ‏راشد.. ‏أين كنتَ ؟


قلت ساخراً: ‏في المريخ.. ‏عند أصحابي بالطبع

..


‏كان الإعياء ظاهراً عليها.. ‏قالت والعبرة

تخنقها: ‏راشد… ‏أنا تعبة جداً

.. ‏الظاهر أن موعد

ولادتي صار وشيكا..


‏سقطت دمعة صامته على خدها.. ‏أحسست أنّي

أهملت زوجتي.. ‏كان المفروض أن أهتم بها وأقلّل

من سهراتي.. ‏خاصة أنّها في شهرها التاسع

.


‏حملتها إلى المستشفى بسرعة.. ‏دخلت غرفة

الولادة.. ‏جعلت تقاسي الآلام ساعات طوال..

‏كنت أنتظر ولادتها بفارغ الصبر.. ‏تعسرت

ولادتها.. ‏فانتظرت طويلاً حتى تعبت.. ‏فذهبت

إلى البيت وتركت رقم هاتفي عندهم ليبشروني.


‏بعد ساعة.. ‏اتصلوا بي ليزفوا لي نبأ قدوم

سالم ذهبت إلى المستشفى فوراً.. ‏أول ما رأوني

أسأل عن غرفتها.. ‏طلبوا منّي مراجعة الطبيبة

التي أشرفت على ولادة زوجتي.


‏صرختُ بهم: ‏أيُّ طبيبة ؟! ‏المهم أن أرى

ابني سالم.


‏قالوا، أولاً راجع الطبيبة

..


‏دخلت على الطبيبة.. ‏كلمتني عن المصائب

.. ‏والرضى بالأقدار

.. ‏ثم قالت: ‏ولدك

به تشوه شديد في عينيه ويبدوا أنه فاقد البصر

!!


‏خفضت رأسي.. ‏وأنا أدافع عبراتي.. ‏تذكّرت

ذاك المتسوّل الأعمى الذي دفعته في السوق

وأضحكت عليه الناس.


‏سبحان الله كما تدين تدان

! ‏بقيت واجماً قليلاً..

‏لا أدري ماذا أقول.. ‏ثم تذكرت زوجتي وولدي

.. ‏فشكرت الطبيبة

على لطفها ومضيت لأرى زوجتي

..


‏لم تحزن زوجتي.. ‏كانت مؤمنة بقضاء الله..

‏راضية. ‏طالما نصحتني أن أكف عن الاستهزاء

بالناس.. ‏كانت تردد دائماً، لا تغتب الناس

..


‏خرجنا من المستشفى، وخرج سالم معنا. ‏في

الحقيقة، لم أكن أهتم به كثيراً. ‏اعتبرته

غير موجود في المنزل. ‏حين يشتد بكاؤه أهرب

إلى الصالة لأنام فيها. ‏كانت زوجتي تهتم

به كثيراً، وتحبّه كثيراً. ‏أما أنا فلم أكن

أكرهه، لكني لم أستطع أن أحبّه

!


‏كبر سالم.. ‏بدأ يحبو.. ‏كانت حبوته غريبة..

‏قارب عمره السنة فبدأ يحاول المشي.. ‏فاكتشفنا

أنّه أعرج. ‏أصبح ثقيلاً على نفسي أكثر. ‏أنجبت

زوجتي بعده عمر وخالداً.


‏مرّت السنوات وكبر سالم، وكبر أخواه. ‏كنت

لا أحب الجلوس في البيت. ‏دائماً مع أصحابي.

‏في الحقيقة كنت كاللعبة في أيديهم

..


‏لم تيأس زوجتي من إصلاحي. ‏كانت تدعو لي

دائماً بالهداية. ‏لم تغضب من تصرّفاتي الطائشة،

لكنها كانت تحزن كثيراً إذا رأت إهمالي لسالم

واهتمامي بباقي إخوته.


‏كبر سالم وكبُر معه همي. ‏لم أمانع حين طلبت

زوجتي تسجيله في أحدى المدارس الخاصة بالمعاقين.

‏لم أكن أحس بمرور السنوات. ‏أيّامي سواء

.. ‏عمل ونوم وطعام

وسهر.


‏في يوم جمعة، استيقظت الساعة الحادية عشر

ظهراً. ‏ما يزال الوقت مبكراً بالنسبة لي.

‏كنت مدعواً إلى وليمة. ‏لبست وتعطّرت وهممت

بالخروج. ‏مررت بصالة المنزل فاستوقفني منظر

سالم. ‏كان يبكي بحرقة!


‏إنّها المرّة الأولى التي أنتبه فيها إلى

سالم يبكي مذ كان طفلاً. ‏عشر سنوات مضت،

لم ألتفت إليه. ‏حاولت أن أتجاهله فلم أحتمل.

‏كنت أسمع صوته ينادي أمه وأنا في الغرفة.

‏التفت...

‏ثم اقتربت منه. ‏قلت: ‏سالم! ‏لماذا تبكي؟!


‏حين سمع صوتي توقّف عن البكاء. ‏فلما شعر

بقربي، بدأ يتحسّس ما حوله بيديه الصغيرتين.

‏ما بِه يا ترى؟! ‏اكتشفت أنه يحاول الابتعاد

عني!! ‏وكأنه يقول: ‏الآن أحسست بي. ‏أين أنت

منذ عشر سنوات ؟! ‏تبعته...

‏كان قد دخل غرفته. ‏رفض أن يخبرني في البداية

سبب بكائه. ‏حاولت التلطف معه

.. ‏بدأ سالم يبين

سبب بكائه، وأنا أستمع إليه وأنتفض.


‏أتدري ما السبب!! ‏تأخّر عليه أخوه عمر،

الذي اعتاد أن يوصله إلى المسجد. ‏ولأنها

صلاة جمعة، خاف ألاّ يجد مكاناً في الصف الأوّل.

‏نادى عمر.. ‏ونادى والدته.. ‏ولكن لا مجيب..

‏فبكى.


‏أخذت أنظر إلى الدموع تتسرب من عينيه المكفوفتين.

‏لم أستطع أن أتحمل بقية كلامه. ‏وضعت يدي

على فمه وقلت: ‏لذلك بكيت يا سالم

!!..


‏قال: ‏نعم..


‏نسيت أصحابي، ونسيت الوليمة وقلت: ‏سالم

لا تحزن. ‏هل تعلم من سيذهب بك اليوم إلى المسجد؟


قال: ‏أكيد عمر..

‏لكنه يتأخر دائماً..


‏قلت: ‏لا..

‏بل أنا سأذهب بك..


‏دهش سالم..

‏لم يصدّق. ‏ظنّ أنّي أسخر منه. ‏استعبر ثم

بكى. ‏مسحت دموعه بيدي وأمسكت يده. ‏أردت

أن أوصله بالسيّارة. ‏رفض قائلاً: ‏المسجد

قريب... ‏أريد أن أخطو إلى المسجد

- ‏إي والله قال لي

ذلك.


‏لا أذكر متى كانت آخر مرّة دخلت فيها المسجد،

لكنها المرّة الأولى التي أشعر فيها بالخوف

والنّدم على ما فرّطته طوال السنوات الماضية.

‏كان المسجد مليئاً بالمصلّين، إلاّ أنّي

وجدت لسالم مكاناً في الصف الأوّل. ‏استمعنا

لخطبة الجمعة معاً وصلى بجانبي... ‏بل في الحقيقة

أنا صليت بجانبه..


‏بعد انتهاء الصلاة طلب منّي سالم مصحفاً.

‏استغربت!! ‏كيف سيقرأ وهو أعمى؟ كدت أن أتجاهل

طلبه، لكني جاملته خوفاً من جرح مشاعره. ‏ناولته

المصحف...

‏طلب منّي أن أفتح المصحف على سورة الكهف.

‏أخذت أقلب الصفحات تارة وأنظر في الفهرس

تارة..

‏حتى وجدتها.


‏أخذ مني المصحف ثم وضعه أمامه وبدأ في قراءة

السورة...

‏وعيناه مغمضتان...

‏يا الله!!

‏إنّه يحفظ سورة الكهف كاملة!!


‏خجلت من نفسي. ‏أمسكت مصحفاً

... ‏أحسست برعشة في

أوصالي... ‏قرأت وقرأت.. ‏دعوت الله أن يغفر

لي ويهديني. ‏لم أستطع الاحتمال

... ‏فبدأت أبكي كالأطفال.

‏كان بعض الناس لا يزال في المسجد يصلي السنة

... ‏خجلت منهم فحاولت

أن أكتم بكائي. ‏تحول البكاء إلى نشيج وشهيق

...


‏لم أشعر إلا ّ بيد صغيرة تتلمس وجهي ثم تمسح

عنّي دموعي. ‏إنه سالم!!

‏ضممته إلى صدري... ‏نظرت إليه. ‏قلت في نفسي...

‏لست أنت الأعمى بل أنا الأعمى، حين انسقت

وراء فساق يجرونني إلى النار.


‏عدنا إلى المنزل. ‏كانت زوجتي قلقة كثيراً

على سالم، لكن قلقها تحوّل إلى دموع حين علمت

أنّي صلّيت الجمعة مع سالم

..


‏من ذلك اليوم لم تفتني صلاة جماعة في المسجد.

‏هجرت رفقاء السوء..

‏وأصبحت لي رفقة خيّرة عرفتها في المسجد.

‏ذقت طعم الإيمان معهم. ‏عرفت منهم أشياء

ألهتني عنها الدنيا. ‏لم أفوّت حلقة ذكر أو

صلاة الوتر. ‏ختمت القرآن عدّة مرّات في شهر.

‏رطّبت لساني بالذكر لعلّ الله يغفر لي غيبتي

وسخريتي من النّاس. ‏أحسست أنّي أكثر قرباً

من أسرتي. ‏اختفت نظرات الخوف والشفقة التي

كانت تطل من عيون زوجتي. ‏الابتسامة ما عادت

تفارق وجه ابني سالم. ‏من يراه يظنّه ملك

الدنيا وما فيها. ‏حمدت الله كثيراً على نعمه.


‏ذات يوم...

‏قرر أصحابي الصالحون أن يتوجّهوا إلى أحدى

المناطق البعيدة للدعوة. ‏تردّدت في الذهاب.

‏استخرت الله واستشرت زوجتي. ‏توقعت أنها

سترفض... ‏لكن حدث العكس!


‏فرحت كثيراً، بل شجّعتني. ‏فلقد كانت تراني

في السابق أسافر دون استشارتها فسقاً وفجوراً.


‏توجهت إلى سالم. ‏أخبرته أني مسافر فضمني

بذراعيه الصغيرين مودعاً...


‏تغيّبت عن البيت ثلاثة أشهر ونصف، كنت خلال

تلك الفترة أتصل كلّما سنحت لي الفرصة بزوجتي

وأحدّث أبنائي. ‏اشتقت إليهم كثيراً

... ‏آآآه كم اشتقت

إلى سالم!!

‏تمنّيت سماع صوته... ‏هو الوحيد الذي لم يحدّثني

منذ سافرت. ‏إمّا أن يكون في المدرسة أو المسجد

ساعة اتصالي بهم.


‏كلّما حدّثت زوجتي عن شوقي إليه، كانت تضحك

فرحاً وبشراً، إلاّ آخر مرّة هاتفتها فيها.

‏لم أسمع ضحكتها المتوقّعة. ‏تغيّر صوتها

..


‏قلت لها: ‏أبلغي سلامي لسالم، فقالت: ‏إن

شاء الله...

‏وسكتت...


‏أخيراً عدت إلى المنزل. ‏طرقت الباب. ‏تمنّيت

أن يفتح لي سالم، لكن فوجئت بابني خالد الذي

لم يتجاوز الرابعة من عمره. ‏حملته بين ذراعي

وهو يصرخ: ‏بابا..

‏بابا..

‏لا أدري لماذا انقبض صدري حين دخلت البيت.


‏استعذت بالله من الشيطان الرجيم

..


‏أقبلت إليّ زوجتي...

‏كان وجهها متغيراً. ‏كأنها تتصنع الفرح.


‏تأمّلتها جيداً ثم سألتها: ‏ما بكِ؟


قالت: ‏لا شيء.


‏فجأة تذكّرت سالماً فقلت

.. ‏أين سالم ؟


خفضت رأسها. ‏لم تجب. ‏سقطت دمعات حارة على

خديها...


‏صرخت بها...

‏سالم! ‏أين سالم..‏؟


لم أسمع حينها سوى صوت ابني خالد يقول بلغته:

‏بابا...

‏ثالم راح الجنّة...

‏عند الله...


‏لم تتحمل زوجتي الموقف. ‏أجهشت بالبكاء.

‏كادت أن تسقط على الأرض، فخرجت من الغرفة.


‏عرفت بعدها أن سالم أصابته حمّى قبل موعد

مجيئي بأسبوعين فأخذته زوجتي إلى المستشفى

.. ‏فاشتدت عليه الحمى

ولم تفارقه...

‏حين فارقت روحه جسده..


‏إذا ضاقت عليك الأرض بما رحبت، وضاقت عليك

نفسك بما حملت فاهتف...

‏يا الله


إذا بارت الحيل، وضاقت السبل، وانتهت الآمال،

وتقطعت الحبال، نادي...

‏يا الله

حقا سالم طفل نعم و لكنه بألف رجل ...........
رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 22.62 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 22.01 كيلو بايت... تم توفير 0.61 كيلو بايت...بمعدل (2.69%)]