أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم.....
؟
كيف يليق بكم يا معشر اهل الكتاب وانتم تامرون الناس بالبر - وهو جماع الخير - ان تنسوا انفسكم فلا تاتمرون بما تامرون الناس به، وانتم مع ذلك تتلون الكتاب وتعلمون ما فيه على من قصَّر في اوامر اللّه؟
( افلا تعقلون ) ما انتم صانعون بانفسكم، فتنتبهوا من رقدتكم، وتتبصروا من عمايتكم؟ وهذا كما قال قتادة في قوله تعالى:
( اتامرون الناس بالبر وتنسون انفسكم ) قال: كان بنوا اسرائيل يامرون الناس بطاعة اللّه، وبتقواه ويخالفون، فعيَّرهم اللّه عزّ وجلّ. وقال ابن عباس:
( وتنسون انفسكم ) اي تتركون انفسكم
( وانتم تتلون الكتاب افلا تعقلون ) اي تنهون الناس عن الكفر بما عندكم من النبوة والعهد من التوراة وتتركون انفسكم، اي وانتم تكفرون بما فيه من عهدي اليكم في تصديق رسولي، وتنقضون ميثاقي وتجحدون ما تعلمون من كتابي. وقال الضحّاك عن ابن عباس في هذه الاية: يقول اتامرون الناس بالدخول في دين محمد صلى اللَه عليه وسلم وغير ذلك مما امرتم به من اقام الصلاة وتنسون انفسكم.
قال ابو الدرداء رضي اللّه عنه: لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يمقت الناس في ذات اللّه ثم يرجع الى نفسه فيكون لها اشدّ مقتاً، وقال عبد الرحمن بن اسلم في هذه الاية: هؤلاء اليهود اذا جاء الرجل سالهم عن الشيء ليس فيه حق ولا رشوة امروه بالحق، فقال اللّه تعالى:
( اتامرون الناس بالبر وتنسون انفسكم وانتم تتلون الكتاب افلا تعقلون )؟ والغرضُ ان اللّه تعالى ذمَّهم على هذا الصنيع، ونبَّههم على خطئهم في حق انفسهم حيث كانوا يامرون بالخير ولا يفعلونه، وليس المراد ذمهم على امرهم بالبر مع تركهم له، بل على تركهم له، فان الامر بالمعروف معروف وهو واجب على العالم، ولكن الواجب والاولى بالعالم ان يفعله مع من امرهم به، ولا يتخلف عنهم كما قال شعيب عليه السلام:
( وما اريد ان اخالفكم الى ما انهاكم عنه . ان اريد الا الاصلاح ما استطعت ).
فكلٌّ من الامر بالمعروف وفعله واجبٌ، لا يسقط احدهما بترك الاخر، على اصح قولي العلماء من السلف والخلف. وذهب بعضهم الى ان مرتكب المعاصي لا ينهى غيره عنها، وهذا ضعيف. والصحيح ان العالم يامر بالمعروف وان لم يفعله، وينهى عن المنكر وان ارتكبه، قال سعيد بن جبير: لو كان المرء لا يامر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر حتى لا يكون فيه شيء ما امر احدٌ بمعروف ولا نهى عن منكر.
قلت لكنه والحالة هذه مذموم على ترك الطاعة وفعله المعصية، لعلمه بها مخالفته على بصيرة، فانه ليس من يعلم كمن لا يعلم، ولهذا جاءت الاحاديث في الوعيد على ذلك كما قال رسول اللّه صلى اللَه عليه وسلم : "
مَثَل العالم الذي يعلِّمُ الناس الخير ولا يعمل به كمثل السراج يضيء للناس ويحرق نفسه"رواه الطبراني في الكبير، قال ابن كثير؛ وهو غريب من هذا الوجه وقال رسول اللّه صلى اللَه عليه وسلم : " مررت ليلة اسرى بي على قوم تُقْرض شفاههم بمقاريض من نار، قلت: من هؤلاء؟ قالوا: خطباء امتك من اهل الدنيا، ممن كانوا يامرون الناس بالبر وينسون انفسهم وهم يتلون الكتاب افلا يعقلون "رواه الامام احمد في مسنده عن انَس بن مالك ، وقال صلى اللَه عليه وسلم : " يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق به اقتابه فيدور بها في النار كما يدور ال**** برحاه فيطيف به اهل النار فيقولون يا فلان ما اصابك؟ الم تكن تامرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ فيقول كنت امركم بالمعروف ولا اتيه، وانهاكم عن المنكر واتيه "رواه الامام احمد ورواه البخاري ومسلم بنحوه، وقد ورد في بعض الاثار انه يغفر للجاهل سبعين مرة، حتى يغفر للعالم مرة واحدة، ليس من يعلم كمن لا يعلم. وقال تعالى: (
قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون انما يتذكر اولوا الالباب )، وروي عن النبي صلى اللَه عليه وسلم انه قال:
" ان اناساً من اهل الجنة يطّلعون على اناس من اهل النار، فيقولون بم دخلتم النار؟ فواللّه ما دخلنا الجنة الا بما تعلَّمنا منكم، فيقولون: انّا كنا نقول ولا نفعل " رواه ابن عساكر في ترجمة الوليد بن عقبة
وجاء رجل الى ابن عباس فقال يا ابن عباس:
اني اُريد ان امر بالمعروف وانهى عن المنكر، قال: ابلغْتَ ذلك؟ قال: ارجو، قال: ان لم تخش ان تفتضح بثلاث ايات من كتاب اللّه فافعل، قال: وما هن؟ قال: قوله تعالى: ( اتامرون الناس بالبر وتنسون انفسكم ) احكمت هذه؟ قال: لا، قال: فالحرف الثاني، قال: قوله تعالى: ( لم تقولون ما لا تفعلون؟ كبر مقتا عن الله ان تقولوا ما لا تفعلون ) احكمت هذه؟ قال: لا، قال: فالحرف الثالث، قال: قول العبد الصالح شعيب عليه السلام: ( وما اُريد ان اخالفكم الى ما انهاكم عنه ان اريد الا الاصلاح ) احمكت هذه الاية؟ قال: لا، قال: فابدا بنفسك رواه الضحّاك عن ابن عباس وقال ابراهيم النخعي: اني لاكره القصص لثلاث ايات قوله تعالى: ( اتامرون الناس بالبر وتنسون انفسكم )، وقوله: ( يا ايها الذين امنوا لم تقولون ما لا تفعلون )، وقوله اخباراً عن شعيب: ( وما اريد ان اخالفكم الى ما انهاكم عنه )
الوصيه وااااضحه
ولا تنسونا من صااالح دااااااائكم!!!!!!