حكم الاتباع:
اتباع الرسول -صلى الله عليه وسلم- والتأسي به فيما جاء به من ربه من الأمور المستقرة، والتي لا يسع أحد الجهل بها؛ لأنها من المعلوم الدين بالضرورة؛ نظراً لتواتر النصوص الدالة على ذلك واستفاضها، ومن ذلك:
1- قول الله –تعالى- : ﴿ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا …﴾ [الحشر: 7]، قال ابن كثير في تفسيره: « أي مهما أمركم به فافعلوه، وما نهاكم عنه فاجتنبوه، فإنه إنما يأمر بخير، وإنما ينهى عن شر » [64].
وقال الشوكاني بعد إيراده لبعض الأقوال التي قد يفهم منها أن الآية خاصة بالفيء: « والحق أن هذه الآية عامة في كل شيء يأتي به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من أمر أو نهي أو قول أو فعل، وإن كان السبب خاصاً فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وكل شيء أتانا به من الشرع فقد أعطانا إياه وأوصله إلينا، وما أنفع هذه الآية وأكثر فائدتها » [65].
2- قول الله –تعالى- ﴿ فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴿65﴾﴾ [النساء: 65]، يقول ابن كثير في تفسيره لهذه الآية: « يقسم تعالى بنفسه الكريمة المقدسة أنه لا يؤمن أحد حتى يحكم الرسول -صلى الله عليه وسلم- في جميع الأمور، فما حكم به فهو الحق الذي يجب الانقياد له باطناً وظاهرًا، ولهذا قال: ﴿ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ أي إذا حكموك يطيعونك في بواطنهم، فلا يجدون في أنفسهم حرجا مما حكم به، وينقادون له في الظاهر والباطن، فيسلموا لذلك تسليمًا كلياً، من غير ممانعة ولا مدافعة ولا منازعة » [66].
ويقول العلامة السعدي: « ثم أقسم تعالى بنفسه الكريمة أنهم لا يؤمنون حتى يحكموا رسوله ﴿ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ﴾ أي: في كل شيء يحصل فيه اختلاف » [67].
3- قول الله -عز وجل-: ﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿63﴾﴾ [النور: 63]، قال ابن كثير: « وقوله: ﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ ﴾ أي: عن أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو سبيله ومنهاجه وطريقته وسنته وشريعته، فتوزن الأقوال والأعمال بأقواله وأعماله فما وافق ذلك قُبل، وما خالفه فهو مردود على قائله وفاعله ، كائناً ما كان » [68].
4-عن العرباض بن سارية -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعظ الناس فقالوا: يا رسول الله، إن هذه لموعظة مودع، فماذا تعهد إلينا؟ قال: (قد تركتكم على البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك ) [69].
5- عن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (فمن رغب عن سنتي فليس مني) [70]، قال ابن حجر في شرحه له: « المراد بالسنة الطريقة، لا التي تقابل الفرض والرغبة عن الشيء الإعراض عنه إلى غيره ، والمراد: من ترك طريقتي وأخذ بطريقة غيرري فليس مني » [71].
أحوال الناس والاتباع:
يختلف حال الناس في الاتباع من شخص لآخر، إذ لا يخلو حال أحد منهم من أربعة أحوال: فمنهم من يمتثل المأمور ويكف عن اقتراف المحظور، وهذا أكمل أحوال أهل الدين، وأفضل صفات المتقين، وهو الذي يستحق جزاء العاملين وثواب المطيعين.
ومنهم من لا يمتثل المأمور ويقترف الحظور، وهذا أخبث أحوال المكلفين، وشر صفات المتعبدين ، وهو الذي يستحق عذاب اللاهي عن فعل ما أمر به من الطاعات، وعذاب المُقْدِم على ارتكاب المنهيات، قال ابن شبرمة: « عجبت لمن يحتمي من الطيبات مخافة الداء كيف لا يحتمي من المعاصي مخافة النار ».
ومنهم من يمتثل المأمور ويقترف المحظور، وهو الذي يستحق عذاب المجترئ على انتهاك الحرمات وتجاوز الحدود؛ لأنه تورط بغلبة الشهوة على الإقدام على المعصية، وإن سلم من التقصير في فعل الطاعة.
ومنهم من لا يمتثل المأمور ولا يقترف المحظور، فهذا يستحق عذاب ترك الطاعات والغفلة عن القربات [72].