ولا يفهم أحد مما سبق أن البحث عن الحكم والمعاني في العبادات التي دلت عليها القرائن ليس بمطلوب، كيف لا وقد ذكر الله تعالى ورسوله -صلى الله عليه وسلم- الشرك شيئًا من ذلك مثل قول الله تعالى: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ﴾ ﴿ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ ، وقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إنما جعل الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله) [39]، ولكن المراد التحذير من التنطع في استخراجها، أو ربط القيام بالتنفيذ والعمل بمعرفتها، والأصل في العادات والمعاملات الالتفات إلى المعاني والبحث عن الحِكَم ، وإن كانت قد لا تظهر في أشياء منها [40].
ح- المشقة ليست مقصودة في الشريعة، ولذا قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- للشيخ الذي نذر أن يمشي وكان يهادي بين ابنيه: (إن الله عن تعذيب هذا نفسه لغني)، وأمره أن يركب [41]، قال العز بن عبد السلام مقررًا ذلك: « لا يصح التقرب بالمشاق؛ لأن القرب كلها تعظيم للرب -سبحانه وتعالى- وليس عين المشاق تعظيمًا ولا توقيرًا » [42]، والمراد من العبد هو اجتناب النهي وامتثال الأمر بقدر الاستطاعة بدليل قوله -صلى الله عليه وسلم-: (فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه ،وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم) [43]، ومبنى الشريعة والأصل فيها: التيسير ورفع الحرج عن العباد؛ بدليل قول الله –تعالى- : ﴿ مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ ﴾ [المائدة: 6]، ولذا كان تفاوت الأجر والثواب مترتبًا على تفاوت رتب الأعمال ومقدار شرفها، عظمت المشقة أو قلت [44].
ولكن لا شك أن المشقة غير المقصودة التي تلحق المكلف بسبب أدائه للعمل المشروع تزيد في ثوابه، قال الله –تعالى-: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ [التوبة: 120]، وعن جابر -رضي الله عنه- قال: كانت ديارنا نائية عن المسجد فأردنا أن نبيع بيوتنا فنقرب من المسجد فنهانا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: (إن لكم بكل خطوة درجة) [45]، وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لعائشة حين قالت: (يا رسول الله، يصدر الناس بنسكين وأصدر بنسك؟: انتظري، فإذا طهرت فاخرجي إلى التنعيم فأهلي ثم ائتينا بمكان كذا، ولكنها على قدر نفقتك أو نصبك) [46].
يقول العز بن عبد السلام في كلام له نفيس حول ذلك: « إن قيل : ما ضابط الفعل الشاق الذي يؤجر عليه أكثر مما يؤجر على الخفيف؟ قلت: إذا اتحد الفعلان في الشرف والشرائط والسند والأركان وكان أحدهما شاقًا فقد استويا في أجرهما؛ لاستوائهما في جميع الوظائف وانفرد أحدهما بتحمل المشقة لأجل الله –تعالى- فأثيب على تحمل المشقة لا على عين المشاق » [47].
منزلة الاتباع في الشريعة:
للاتباع منزلة عظيمة في الشريعة الإسلامية، ويتضح ذلك من خلال ما يلي:
1- الاتباع شرط لقبول العبادات:
لا قبول لعمل من الأعمال العبادية إلا بالاتباع والموافقة لما جاء به محمد -صلى الله عليه وسلم-، بل إن الأعمال التي تُعمل بلا اتباع وتأس لا تزيد عاملها من الله إلا بعدًا؛ وذلك لأن الله تعالى إنما يعبد بأمره الذي بعث به رسوله -صلى الله عليه وسلم- لا بالآراء والأهواء ؛ قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) ، قال الحسن البصري: « لا يصح القول إلا بعمل، ولا يصح قول وعمل إلا بنية، ولا يصح قول وعمل ونية إلا بالسنة » [48]، ويقول ابن رجب: « فكما أن كل عمل لا يراد به وجه الله –تعالى- فليس لعامله فيه ثواب؛ فكذلك كل عمل لا يكون عليه أمر الله ورسوله فهو مردود على عامله، وكل من أحدث في الدين ما لم يأذن به الله ورسوله فليس من الدين في شيء » [49].
2- الاتباع أحد أصلي الإسلام الأساسيي:
الإخلاص وإفراد الله بالعبادة هو حقيقة إيمان العبد وشهادته بأن لا إله إلا الله، والاتباع والتأسي برسول الله -صلى الله عليه وسلم- هو حقيقة إيمان العبد وشهادته بأن محمداً رسول الله ، فلا يتحقق إسلام عبد ولا يقبل منه قول ولا عمل ولا اعتقاد إلا إذا حقق هذين الأصلين « الإخلاص - الاتباع »، وأتى بمقتضاهما؛ قال الله –تعالى-: ﴿ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدً﴾ [ الكهف: 110]، ويقول ابن تيمية: « وبالجملة فمعنا أصلان عظيمان، أحدهما: ألا نعبد إلا الله، والثاني: الا نعبده إلا بما شرع، لا نعبده بعبادة مبتدعة، وهذان الأصلان هما تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله » [50]، ويقول ابن القيم: « فلا يكون العبد متحققًا بـ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾ [الفاتحة: 5] إلا بأصلين عظيمين: أحدهما: متابعة الرسول -صلى الله عليه وسلم-، والثاني: الإخلاص للمعبود » [51].
ويقول ابن أبي العز الحنفي: « فهما توحيدان لا نجاة للعبد من عذاب الله إلا بهما: توحيد المرسل، وتوحيد متابعة الرسول -صلى الله عليه وسلم- » [52].
3- الاتباع سبب لدخول الجنة:
ويدل لذلك قوله -صلى الله عليه وسلم-: ( كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قالوا: يا رسول الله، ومن يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى) [53]، وقال ابن عباس -رضي الله عنهما- في قوله تعالى: ﴿ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ﴾ [آل عمران: 106] « فأما الذين ابيضت وجوههم فأهل السنة والجماعة وأولوا العلم، وأما الذين اسودت وجوههم فأهل البدع والضلالة » [54].
وقال الزهري رحمه الله تعالى: « الاعتصام بالسنة نجاة » [55].
4- الاتباع دليل محبة الله تعالى:
ويدل ذلك قول الله تعالى: ﴿ قُلْ إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿31﴾﴾ [آل عمران: 31]؛ يقول ابن تيمية: « وما ينبغي التفطن له أن الله سبحانه قال في كتابه: ﴿ قُلْ إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ …﴾ قال طائفة من السلف: ادعى قوم على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنهم يحبون الله فأنزل الله هذه الآية: ﴿ قُلْ إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ …﴾ الآية، فبين سبحانه أن محبته توجب اتباع الرسول -صلى الله عليه وسلم- ، وأن اتباع الرسول -صلى الله عليه وسلم- يوجب محبة الله للعبد، وهذه محبة امتحن الله بها أهل دعوى محبة الله؛ فإن هذه الباب تكثر فيها الدعاوي والاشتباه » [56]، ويقول ابن كثير: « هذه الآية حاكمة على كل من ادعى محبة الله وليس هو على الطريقة المحمدية، فإنه كاذب في دعواه في نفس الأمر حتى يتبع الشرع المحمدي والدين المحمدي في جميع أقواله وأفعاله » [57].
وقال ابن القيم: « ﴿ يُحْبِبْكُمُ اللهُ ﴾ إشارة إلى دليل المحبة وثمرتها وفائدتها؛ فدليلها وعلامتها اتباع الرسول، وفائدتها وثمرتها محبة المرسِل لكم، فما لم تحصل المتابعة فليست محبتكم له حاصلة، ومحبته لكم منتفية » [58].
ويقول: « ثباتاها -أي محبة الله- إنما يكون بمتابعة الرسول في أعماله وأقواله وأخلاقه، فبحسب هذا الاتباع يكون منشأ هذه المحبة وثباتها وقوتها، وبحسب نقصانها يكون نقصانها » [59].
5- الاتباع طريق تحصيل محبة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على الحقيقة:
أوجب الله –تعالى- على عباده محبة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وتقديم ذلك على محبة النفس والمال والولد والوالد والناس أجمعين؛ كما في الحديث: ( لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين ) [60]، وقوله -صلى الله عليه وسلم- لعمر بن الخطاب، حين قال: يا رسول الله، لأنت أحب إليَّ من كل شيء إلا من نفسي ، فقال -صلى الله عليه وسلم-: (لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك، فقال له عمر: فإنه الآن والله لأنت أحب إليَّ من نفسي، فقال -صلى الله عليه وسلم-: الآن يا عمر) [61].
ولا سبيل لتحصيل تلك المحبة للنبي -صلى الله عليه وسلم- وتحقيقها إلا عن طريق الاتباع والحرص على الكمال فيه؛ يقول الخطابي حول هذا المعنى: « لم يُرد به حب الطبع بل أراد به حب الاختيار؛ لأن حب الإنسان لنفسه طبع ولا سبيل إلى قلبه، قال: فمعناه: لا تَصْدُق في حبي حتى تفني في طاعتي نفسَك، وتؤثر رضاي على هواك وإن كان فيه هلاكك » [62].
6- الاتباع سبيل امتثال الأوامر بطاعة الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وتجنب الوعيد المترتب على ذلك:
أمر الله عباده بطاعة نبيه في آيات كثيرة منها قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ… ﴾ [النساء: 59] ورتب الوعيد الشديد على مخالفته، كما في قوله تعالى: ﴿ قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ فإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ ﴿32﴾﴾ [آل عمران: 32]، وقوله سبحانه: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا للهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴿24﴾﴾ [الأنفال: 24].
ولا سبيل للعبد إلى امتثال تلك الأوامر بطاعة الرسول -صلى الله عليه وسلم- والاستجابة له وتجنب الوعيد الشديد على ذلك دنيا وآخرة إلا بالاتباع للنبي -صلى الله عليه وسلم- والتأسي به.
7- الاتباع من صفات المؤمنين اللازمة لهم:
ويدل لذلك قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿51﴾ وَمَن يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ ﴿52﴾﴾ [النور: 51 ، 52]، وقد نفى الله -سبحانه وتعالى- الإيمان عمن أعرض عن طاعة الرسول -صلى الله عليه وسلم- ولم يرض بحكمه؛ فقال الله –تعالى-: ﴿ فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴿65﴾﴾ [النساء: 65].
8- الاتباع علامة من علامات التقوى:
اتباع النبي -صلى الله عليه وسلم- من علامات ودلائل تقوى القلب وصحة إيمانه؛ قال الله تعالى: ﴿ ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ ﴿32﴾﴾ [الحج: 32] وشعائر الله: أوامره وأعلام دينه الظاهرة، ومن أبرزها وأعلاها طاعة النبي -صلى الله عليه وسلم- واتباع شرعه [63].
يتبــــع بإذن الله