يتبع الكلام السابق
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
فعاشق الفضيلة: إن رأى مثل هذا المنظر يبادر إلى نهي المنكر, فإن كانت من أهله سارع بالنصح, والإرشاد في ذلك قول الله تعالى: ((قوا أنفسكم وأهليكم ناراً)) (التحريم:6), فيخاطبها بمشاعر الحريص ومنطق الحصيف.
يا فتاة الإسلام ...... سلام الله يغشاك وعين الله ترعاك.
مالي أرى عباءتك اليوم غدت متبرجة ومطرزة ومتطيبة, وجلبابك اليوم لم يعد جلباب الأمس.
كان حجاب عائشة وفاطمة وسمية ساتراً لزينتها لا شفافاً ولا وصافاً ولا متطيباً.
أما تحبين أن تسيري سيرتهن, وتقتفي أثرهن, فتكونين معهن في الجنة مرافقة, وللفضيلة عاشقة, فقد جاء عن النبي صلى الله علية وسلم: (( يحشر المرء مع من أحب )) ما حاجتك إلى الأسواق, والجلوس فيها وأنت بهذه الحالة, أتريدين أن تكوني للشباب فتانة, وللرذيلة دلالة.
يابنت الاسلام استمعي* * *نغما اشدوه بأشفاق
صوني بحيائك مملكتآ* * *من شهد جمال دفاق
كم خان الحسن من أمراة* * *تتجرع كأس الحراق
وتعض اصابعها ندمآ* * * في السوق جنته يد الساق
كوني بالحشمه شامختآ * * *بجمالك فوق الاعناق
كوني حورية جنتنا* * *في الخلد جوار الخلاق
يانور الليل وبهجته* * *يابسمة ثغر المشتاق
ماطاب الحسن من امراءه * * * ترميه بوحل الاسواق
بل حسن المرأة حشمتها* * *يكسوه جمال الاخلاق
أما إذا كان لا يعرفها فيحجب نظرة عنها, فإن فعل ذلك فقد كسب فوائد عظيمـة، ومنـافـع جمّـة، وثمـرات يانعـة، يقطفهـا المـرء في الدنيـا والآخـرة، مـن ذلك:
أولاً: تخليص القلب من ألم الحسرة، فإن من أطلق نظره دامت حسرته؛ فأضرُّ شيء على القلب إرسال البصر، فإنه يريه ما يشتد طلبه ولا صبر لهعنه، ولا وصول له إليه، وذلك غاية ألمه وعذابه، قال الأصمعي: رأيت جارية كأنها مهاةٌ، فجعلت أنظر إليها، وأملأ عيني من محاسنها، فقالت لي: يا هذا ما شأنُك؟ قلت: وما عليك من النظر؟ فأنشأت تقول:
وكنت متى أرسلت طرْفك رائدًا **** لقلبك يومًـا أتعبتك المناظـر
رأيت الذي لا كلّـه أنت قـادرٌ **** عليه ولا عن بعضه أنتصابر
والنظرة تفعل في القلب ما يفعل السهم في الرمية، فإن لم تقتله جرحته، وهيب منزلة الشرارة من النار تُرمى في الحشيش اليابس، فإن لم تحرقه كله أحرقت بعضه، كماقيل:
كل الحوادث مبداها من النظـر **** ومُعظم النار من مستصغر الشرر
كم نظرة فتكت في قلب صاحبها **** فتك السهام بلا قـوس ولا وتـر
والمرء ما دام ذا عين يقلّبُها في **** أعين الغيد موقوف على الخطـر
يَسُـرّ مقلته ما ضرّ مهجتـه ***** لا مرحبًا بسرور عاد بالضـرر
والناظر يرمي من نظره بسهام تُصوَّب إلى قلبه وهو لا يشعر، فهو إنما يرمي قلبه، ويطعن فؤاده، ويمزق أحشاءه.
متيـم يرعـى نجوم الدجـى**** يبكي عليه رحمةً عاذلُهْ
عيني أشاطت بدمي في الهوى **** فابكوا قتيلا بعض هقاتله
ويقـول آخـر:
وأنا الذي اجتلب المنية طرفُه **** فمن المُطالب والقتيل القاتلُ؟
وقـال آخـر:
يا من يرى سُقمي يزيــد**** وعلَّتي أعيت طبيبي
لاتعـجبـن فهكــذا **** تجني العيون على القلوب
ثانياً: إن غضّ البصر يورث نورًا للقلب،وانشراحًا للصدر، وجلاءً للبصيرة ووضوحًا في الرؤية، ويجعل الإنسان أكثر إيمانًا وأكثر يقينًا وأكثر استمتاعًا بالنظر الأجمل، والنور الأكمل؛ نور الله جل وعلا. ولحكمة معينة جاء في هذه الآيات قوله تعالى: ﴿ اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ ... [النور: 35 ]، فالله تعالى يجزي العبد على عمله بما هو من جنسه، فلما منع العبد نور بصره أن ينفُذ إلى ما لا يحل له، أطلق الله نور بصيرته، وفتحعليه باب العلم والمعرفة.
ثالثا: إن العين مرآة القلب، فإذا غض العبد بصره غض القلب شهوته وإرادته، وإذا أطلق العبد بصره أطلق القلب شهوته، إن النظرات كلما تواصلت وكثرت كانت كالماء يسقي الشجرة، فلا تزال تنمو حتى يفسد القلب ويُعرض عن الفكر فيما أمر به ربه، ويخرج بصاحبه إلى المحن، ويوقعه في الفتن. يقول الإمام أحمد - رحمه الله -: “ كم نظرة قد ألقت صاحبها في البلابل “.
رابعا: أنه يورث صِحّة الفراسة، فإنها من النور وثمراته، وإذا استنار القلبُ صحّت الفراسةُ.
خامساً: أنه يفتح له طرق العلم وأبوابه، ويسهّل عليه أسبابه، ولك بسبب نور القلب، فإنه إذااستنار ظهرت فيه حقائق المعلومات، وانكشفت له بسرعة، ونفذ من بعضها إلى بعض. ومنأرسل بصره تكدّر عليه لُبه وأظلم، وانسدّ عليه باب العلم وطُرُقه.
سادساً: أنه يورث قوة القلب وثباته وشجاعته، فيجعل له سلطان البصيرة مع سلطان الحجة.
سابعاً: أنه يورث سرورًا وفرحًا، وانشراحًا أعظم من اللذة والسرور الحاصل بالنظرة، وذلك لقهره عدوّه بمخالفته ومخالفة نفسه وهواه، وأيضًا فإنه لما كفّ لذته وحبس شهوته لله، وفيها مسرّةُ نفسه الأمّارة بالسوء، أعاضه الله سبحانه مسرّةً ولذة أكمل منها،كما قال بعضهم: والله لَلَذَّةُ العفة أعظم من لذة الذنب، ولا ريب أن النفس إذا خالفت هواها أعقبها ذلك فرحًا وسرورًا ولذة أكمل من لذة موافقة الهوى.
ثامناً: أنه يسدّ عنه بابًا من أبواب جهنم، فإن النظر بابُ الشهوة الحاملة على مواقعة الفعل.
تاسعاً: أنه يقوّي عقله ويزيده ويثبته، فإن إطلاق البصر وإرساله لا يحصل إلا من خِفّة العقل وطيشه وعدم ملاحظته للعواقب.
وأعقل الناس من لم يرتكب سببًا حتى يُفكّر ما تجني عواقبه
عاشراً: أنه يُخلّص القلب من سُكر الشهوة ورقدة الغفلة، فإن إطلاق البصر يُوجب استحكام الغفلة عن الله والدار الآخرة، ويوقع فيسكرة العشق، كما قال الله تعالى: ﴿ لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ ... [الحجر: 72 ].
الحادي عشر: أنه سبب لمرضاة الله تعالى ونيلكرامته، والفوز بجنته، والتلذذ برؤية أكمل مطلوب، وأجمل محبوب، وهو وجهه الكريم جل وعلا. يقول – صلى الله عليه وآله وسلم –: ( اضمنوا لي ستًا من أنفسكم أضمن لكم الجنة: اصدقوا إذا حدّثتم، وأوفوا إذا وعدتم، وأدَّوا إذا اؤتمنتم، واحفظوا فروجكم،وعضّوا أبصاركم، وكفوا أيديكم ). وقد وردت عدّة أحاديث في الأمر بغض البصر وبيان خطورته. ويقول ابن مسعود – رضي الله عنه –: “ حفظ البصر أشد من حفظ اللسان “. ويقول أحد العلماء: “ لا تتبع بصرك حُسن ردف المرأة، فإن النظر يجعل الشهوة في القلوب “. ويقول العقلاء: “ من سرّح ناظره خاطره، ومن كثرت لحظاته دامت حسراته، وضاعت عليهأ وقاته، وفاضت عبراته “. إن غض البصر شيمة العقلاء، وديدن الشرفاء، ولذلك يقول عنترة وهو رجل جاهلي:
وأغض طرفي إن بدت لي جارتي**** حتى يواري جارتي مأواها
وعنتر هذا ما قرأ القران ولا عرف الإسلام, وهذا منطقة ياشباب الإسلام فأين كثير من المسلمين عن هذا الخلق الرفيع، والأدب الجميل:
ياوجه عنترة العبسي معذرة **** إني أراك كسيف البال مكتئبا
أراك تنكر قومًا كنت تعرفهم**** وتنكر الوجه والأخلاق والنسبا
كأنما لم تجد ما كنت تعهـده **** مـن غيرةٍ وحياءٍ يبلغ السحبا
ذاك امرؤ جاهليٌّ ما رأى خلقًا **** مـن النبي ولم يستنطق الكتبا
لكنه العـربي الشهم يمنعـه ****حياؤه من صفات تحرق الأدبا
يقول بعض السلف: “ من حفظ بصره أورثه الله نوراً في بصيرته “..“. لا تعجب إذًا إن لم تجد للطاعةحلاوة، وللعبادة لذة، وللذكر نشوة، وللقلب بصيرة، وللنفس فرقانًا، فإن من أهم أسباب منع الأنس بذلك هو إطلاق البصر فيما يصرف عن الحبيب القريب، والسميع المجيب. فالنظرة الغاشمة سهم من سهام إبليس، والعين تزني وزناها النظر، ومتى أطلق البصر فقد حصل الخطر.
كم من إنسان تبدد قلبه، واحترق فؤاده، وتمزقت كبده، بسبب عينيه.
وهذه أبيات رائعة لأحد قتلى النظر، وضحايا البصر، يقول:
يقول طرفي لقلبي هِجْتَ لي سقمًاً **** وعين تزعمُ أن القلـب أنكاها
والجسـم يشهـد أن العين كاذبـةٌ **** وهي التي هيّجت للقلب بلواها
لولا العيونُ وما يجنين من سقـم **** ما كنت مُطّرحًا من بعض قتلاها
فـقـالـت الكبـدُ المظلومة اتّئدا قطّعْتُمـانـي مـا راقبْتُمـا الله ما ظنك بمن ضجّ سمعُه، وكلّ بصره وهو ينظر إلى الحرام، ويتابع سيئ الأفلام، ويطلق العنان لسمعه وبصره في الآثام، هل راقب الخالق، أو شكر المنعم أو استحيى من ملك الملوك؟ يسمع الفاتنات، ويدقق النظر في الغانيات، ويتأمل مفاتن السافرات: ﴿ حَتَّى إِذَا مَا جَاؤُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿20﴾ وَقَالُوالِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾... [فصلت:20،21]، ﴿ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيراً مِّمَّا تَعْمَلُونَ ﴿22﴾ وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنْ الْخَاسِرِينَ ﴾ [فصلت: 22،23 ].
ومن أهم الفوائد والثمار من غض البصر أنك التزمت بأمر الله عز وجل الذي أمرك بغض بصرك عن أعراض الناس، وأمر الناس أن يغضوا بصرهم عن عرضك, قال تعالى: (( قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ )) ( النور: 60)
كأن رقيبًا منك يرعى جوانحي **** وآخر يرعى مسمعي وجناحي
ولم أطلق العينين فيما نهيتني **** ولم يرتضي سوءَ الكلام لساني