بين الخوف والرجاء !
قال الله تعالى : ((وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ)) ، المؤمنون : 60.
في الحديث الصحيح أنّ أم المؤمنين عائشة – رضي الله عنها - قَالَتْ : يَا رَسُول اللَّه ! (( والَّذِينَ يَأْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبهمْ وَجِلَة )) ، أَهُوَ الرَّجُل يَزْنِي وَيَسْرِق وَيَشْرَب الْخَمْر ؟! قَالَ : " لا يَا ابْنَة أَبِي بَكْر - أَوْ يَا ابْنَة الصِّدِّيق - وَلَكِنَّهُ الرَّجُل يَصُوم ، وَيُصَلِّي ، وَيَتَصَدَّق , وَيَخَاف أَنْ لا يُقْبَل مِنْهُ " . وفي رواية أخرى : هُوَ الَّذِي يُذْنِب الذَّنْب وَهُوَ وَجِل مِنْهُ ؟! فَقَالَ : " لا , وَلَكِنْ مَنْ يَصُوم وَيُصَلِّي وَيَتَصَدَّق وَهُوَ وَجِل " . قَالَ ابْن عَبَّاس – رضي الله عنهما - : (( يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبهمْ وَجِلَة )) ؛ قَالَ : الْمُؤْمِن يُنْفِق مَاله وَيَتَصَدَّق وَقَلْبه وَجِل أَنَّهُ إِلَى رَبّه رَاجِع .
عَنِ الْحَسَن – رضي الله عنهما - أَنَّهُ كَانَ يَقُول : إِنَّ الْمُؤْمِن جَمَعَ إِحْسَانًا وَشَفَقَة , وَإِنَّ الْمُنَافِق جَمَعَ إِسَاءَة وَأَمْنًا . وعنه أيضاً أنه قال : (( يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبهمْ وَجِلَة )) ، قَالَ : يَعْمَلُونَ مَا عَمِلُوا مِنْ أَعْمَال الْبِرّ , وَهُمْ يَخَافُونَ أَلا يُنَجِّيهِمْ ذَلِكَ مِنْ عَذَاب رَبّهمْ . وهذا شأن المؤمنين المخلصين ؛ فهم يتقرّبون إلى ربهم بصالح العمل ، ومع هذا فَلا يُنَجِّيهِمْ مَا فَعَلُوا مِنْ عَذَاب اللَّه , فَهُمْ خَائِفُونَ مِنَ الْمَرْجِع إِلَى اللَّه لِذَلِكَ ؛ فالمؤمن يعيش بجناحي الخوف والرجاء : يخاف ألا يُقبل عمله ويُردّ عليه ، وفي الوقت نفسه يرجو رحمة الله – تعالى – الذي لا تُفيده طاعتنا ، ولا تضرّه معاصينا سبحانه من إلهٍ غفور رحيم .
اللهم إنّا نرجو مغفرتك وعافيتك وسِترك ، يا مَن وسِعَتْ رحمتك كلّ شيء .
شادي السيّد
فضل الصلاة والسلام على خير الأنام (1)
قال الله تعالى : ((إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)) ، الأحزاب : 56.
في الصحيحين من حديث ابن عباس – رضي الله عنهما – قال : قَدِمَ رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَدِينَة فَرَأَى الْيَهُود يَصُومُونَ يَوْم عَاشُورَاء فَقَالَ : " مَا هَذَا الْيَوْم الَّذِي تَصُومُونَ " ؟ قَالُوا : هَذَا يَوْم صَالِح ؛ هَذَا يَوْم نَجَّى اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - فِيهِ بَنِي إِسْرَائِيل مِنْ عَدُوّهُمْ ، فَصَامَهُ مُوسَى -عَلَيْهِ السَّلام- فَقَالَ رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " أَنَا أَحَقّ بِمُوسَى مِنْكُمْ " ؛ فَصَامَهُ وَأَمَرَ بِصَوْمِهِ . وفي الصحيحين عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ : ( مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ – صلى الله عليه وسلم - يَتَحَرَّى صِيَامَ يَوْمٍ فَضَّلَهُ عَلَى غَيْرِهِ إِلا هَذَا الْيَوْمَ : يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَهَذَا الشَّهْرَ يَعْنِي شَهْرَ رَمَضَانَ ) . وروى مسلم في صحيحه أن النبي – صلى الله عليه وسلم - قال : ( صِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ ). وهذا من فضل الله علينا أن أعطانا بصيام يوم واحد تكفير ذنوب سنة كاملة ، والله ذو الفضل العظيم . قال الشافعي وأصحابه وأحمد وإسحاق وآخرون : يستحب صوم التاسع والعاشر جميعاً ؛ لأن النبيّ – صلى الله عليه وسلم - صام العاشر ، ونوى صيام التاسع . وعلى هذا فصيام عاشوراء على مراتب : أدناها أن يُصام وحده ، وفوقه أن يصام التاسع معه ، وعليه أكثر الأحاديث ، وأكملها أن يصام قبله يوم وبعده يوم .
بقي التنبيه إلى أنه ليس من الإسلام في شيء ما تفعله بعض الفرق الضّالة من مظاهر الغلو في الاحتفاء بيوم عاشوراء ؛ إذ لم يثبت من هَدي السلف أنهم كانوا يُعظّمون هذا اليوم بغير الصيام اقتداءً بالسُنّة النبوية ، وخير الهدي هدي محمد – صلى الله عليه وسلم - .
شادي السيّد
المصائب من عند أنفسنا !
قال الله تعالى : ((أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)) ، آل عمران : 165 .
المشهورُ في سببِ نزولِ هذه الآيةِ الكريمةِ أنها نزلتْ في المسلمين الذين شهدوا غزوة أُحُد ، وذلك حين ابتُلوا بقتل سبعين مِن خِيارهم يوم أُحُد – رضي الله عنهم – بخلاف الجرحى ، وأُصيب النبيّ – صلّى الله عليه وسلّم – في هذه العركة ؛ وما ذاك إلا لأنهم خالفوا أمرَ الله – تعالى – وعصوا نبيّه – عليه الصلاة والسلام – فكانت المصيبة يوم أُحُد ، ولمّا تعجبوا وقالوا : " أنَّى هذا " وَمِنْ أَيْنَ أَصَابَنَا هَذَا الَّذِي أَصَابَنَا , وَنَحْنُ مُسْلِمُونَ , وَهُمْ مُشْرِكُونَ , وَفِينَا نَبِيّ اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - , يَأْتِيه الْوَحْي مِنْ السَّمَاء , وَعَدُوّنَا أَهْل كُفْر بِاَللَّهِ وَشِرْك ؟! جاءهم الجواب من الرّب – سبحانه - : ((قل – لهم يا محمد – هو من عند أنفسكم)) ، بسبب ذنوبكم ، ومخالفتكم أمر نبيكم ، وترككم طاعته في هذا اليوم ، لا من عند غيركم ، ولا من قِبَل أحد سواكم .
فيا رحماك يا رب ! إذا كان هذا البلاء نزل بالمسلمين يوم أُحُد بسبب مخالفتهم للنبيّ ، والنبيّ – عليه الصلاة والسلام – بين أظهرهم ، وهم في خير القرون ، ويقاتلون في سبيل الله – تعالى - ، فكيف بنا اليوم نرجو نصراً على عدونا ، وقد عصينا أمر ربنا ، وابتعدنا عن ديننا ، وقاتل بعضنا تحت رايات جاهلية ! ثم نقول بعد ذلك – كما قال الأولون - : " أنَّى هذا " ؟! فكلُ ذلك – وربّ الكعبة – بذنوبنا ، ومعاصينا ، وفرقتنا ، وتشرذمنا إلى شيع وأحزاب ، كلُّ حزب بما لديهم فرحون ، وكلٌّ يدّعي وصلاً بالدين ، وبهدي سيد المرسلين !
اللهمَّ ردَّ المسلمين إلى دينك ردَّاً جميلاً ، واجمع كلمتهم تحت راية التوحيد ، وانصرهم على عدوّك وعدوّهم ، اللهمَّ آمين .
شادي السيّد
فضل الصلاة والسلام على خير الأنام (3)
قال الله تعالى : ((إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)) ، الأحزاب : 56.
وقد ورد في شأن الصلاة على النبي – صلى الله عليه وسلم – الكثير من الأحاديث التي وضّحت ، وبيّنت ما يتعلّق بشأن هذه الصلاة من جهة مشروعيتها ، وكيفيتها ، ومواطنها ، وفضلها إلى غير ذلك من الجوانب المتعلقة بها . وقد روى هذه الأحاديث جمع من الصحابة – رضي الله عنهم – عدَّهم ابن القيّم – رحمه الله تعالى – فبلغوا اثنين وأربعين صحابياً .
ومن هذه الأحاديث : ما رواه الشيخان من حديث كعب بن عُجرة – رضي الله عنه – قال : " أن النبيّ – عليه الصلاة والسلام – خرج علينا ؛ فقلنا : يا رسول الله ! قد علِمْنا كيف نسلّم عليك ، فكيف نصلّي عليك ؟ " قال : " قولوا : اللهمّ صلّ على محمد ، وعلى آل محمد ، كما صلّيت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد ، اللهمّ بارك على محمد ، وعلى آل محمد ، كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد " . والمراد بالسلام في قوله : " قد علمنا كيف نسلّم عليك " السلام الذي في التشهد ؛ وهو قول " السلام عليك أيها النبيّ ورحمة الله وبركاته " . وفي الصحيحين أيضاً من حديث أبي حميد الساعديّ أنهم قالوا : يا رسول الله ! كيف نصلّي عليك ؟ قال : " قولوا : اللهمّ صلّ على محمد وأزواجه وذريّته ، كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد " . وأخرج البخاريّ من حديث أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه – قال : قلنا : يا رسول الله ! هذا السلام عليك ؛ فكيف نصلّي ؟ قال : " قولوا : اللهمّ صلّ على محمد عبدك ورسولك ، كما صلّيت على إبراهيم ، وبارك على محمد وآل محمد ، كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم " .
شادي السيّد
فضل الصلاة والسلام على خير الأنام (4)
قال الله تعالى : ((إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)) ، الأحزاب : 56.
وتتأكّد الصلاة على النبيّ – عليه الصلاة والسلام – في مواطن : إما وجوباً ، وإما استحباباً مؤكَّداً – على خلاف مشهور بين العلماء رحمهم الله تعالى - ، ومن أشهر هذه المواطن : في الصلاة في آخر التشهد ؛ وهو أهمها وآكدها ، وقد أجمع المسلمون على مشروعيته ، واختلفوا في وجوبه فيها . ومن المواطن : في التشهد الأول ؛ وهو محلّ خلاف – أيضاً – بين العلماء ، ومنها : آخر القنوت ؛ وهو مستحب في قنوت رمضان عند بعض أهل العلم . ومنها : في صلاة الجنازة بعد التكبيرة الثانية ؛ ولا خلاف في مشروعية الصلاة على النبيّ – عليه الصلاة والسلام – فيها ، واختُلف في توقف صحة الصلاة عليها . ومنها : في الخطب ؛ كالجمعة ، والعيدين ، والاستسقاء ، واختُلف في اشتراطها لصحة الخطبة . ومن مواطن الصلاة على النبي – صلى الله عليه وسلم - : بعد إجابة المؤذّن عند الإقامة ؛ وفيه حديث عبد الله بن عمرو في صحيح مسلم . ومنها : عند الدعاء ؛ لحديث فضالة بن عبيد الذي أخرجه الإمام أحمد ، وأبو داود ، والترمذيّ . ومنها : عند دخول المسجد ، وعند الخروج منه ؛ لما ثبت من حديث أبي هريرة وغيره في الصحيح ، وعند أصحاب السُنن . ومنها : على الصفا والمروة ؛ وهو محلّ خلاف . ومن مواطن الصلاة على النبيّ – عليه الصلاة والسلام : عند اجتماع القوم قبل تفرقهم ؛ لحديث أبي هريرة وغيره عند أصحاب السُنن . ومنها : عند ذكره – صلى الله عليه وسلم – وقد اختُلف في وجوبها عند ذكر اسمه . ومنها : يوم الجمعة ؛ لما ثبت في فضل يوم الجمعة ، وفضل الإكثار من الصلاة والسلام على النبيّ – صلى الله عليه وسلم – فيه .
شادي السيّد
فضل الصلاة والسلام على خير الأنام (5)
قال الله تعالى : ((إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)) ، الأحزاب : 56.
وقد ذكر العلماء – رحمهم الله تعالى – عدداً من الفوائد والثمرات الحاصلة بالصلاة على النبي – صلى الله عليه وسلم - ؛ فمنها : امتثال أمر الله – سبحانه - ، وموافقته – جَلّ وعزّ – في الصلاة على النبيّ – عليه الصلاة والسلام – وإن اختلفت الصلاتان ؛ إذ إنّ صلاة الله – تعالى – عليه ثناء وتشريف ، وصلاتنا عليه دعاء وسؤال . ومن الفوائد أيضاً : موافقة الملائكة الكرام ، وحصول عشر صلوات من الله على المصلي مرة ، ويُرفع المصلي عشر درجات ، ويُكتب له عشر حسنات ، ويُمحى عنه عشر سيئات ، ويُرجى إجابة دعائه إذا قدّمها بين يدي الدعاء ، كما أنّ الصلاة على النبي – صلى الله عليه وسلم – سبب لشفاعته – عليه الصلاة والسلام – إذا قرنها المصلي بسؤال الوسيلة للنبيّ – عليه الصلاة والسلام - ، كما أنها سبب لغفران الذنوب ، ولكفاية الله العبد ما أهمه ، وسبب لقُرب العبد من النبيّ – عليه الصلاة والسلام – يوم القيامة ، وسبب لدوام محبته للرسول – صلى الله عليه وسلم – وزيادتها وتضاعفها ، وسبب لهداية العبد وحياة قلبه ، وسبب لعرض اسم المصلي على النبيّ – عليه الصلاة والسلام – كما أنّ الصلاة على الحبيب محمد – صلى الله عليه وسلم – أداء لبعض حقوقه علينا ، وشكر له على نعمته التي أنعم الله بها علينا ، والصلاة عليه متضمنة لذكر الله – سبحانه – وشكره ، ومعرفة إنعامه على عبده بإرساله ، وغير ذلك من الفوائد والثمرات الكثيرة التي يجنيها المصلي على النبي المصطفى ، والرسول المُجتبى – صلى الله عليه وسلم – وحسبي أنني أشرتُ إلى أشهرها ، وللحديث بقية ، بإذن رب العالمين .
شادي السيّد
فضل الصلاة والسلام على خير الأنام (6)
قال الله تعالى : ((إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)) ، الأحزاب : 56.
وهذه الآية نصٌ في مشروعية السلام على النبيّ – صلى الله عليه وسلم - ، وبيان لحق من حقوقه ، وإظهار لشرفه ، ورفعة منزلته . والآية في جملتها فيها من تشريف الله – تعالى – وتكريمه لنبيّه – عليه الصلاة والسلام – ما لا يوجد في غيرها من الآيات . كما دلّت السُنّة المطهرة – أيضاً - على مشروعية السلام على النبيّ – صلى الله عليه وسلم - ؛ فقد جاء تشريع السلام عليه مع تعليم التشهد الذي كان متقدماً على تعليم الصلاة على النبيّ – صلى وسلم عليه الإله - ؛ فتعليم الصلاة عليه إنما كان بعد نزول الآية ، ولهذا سأل الصحابة – رضي الله عنهم – عن كيفية الصلاة ولم يسألوا عن كيفية السلام ؛ فقالوا : "يا رسول الله ! قد علِمْنا كيف نسلّم عليك ؛ فكيف نصلّي عليك " – والحديث في الصحيح – إشارة إلى السلام الذي في التشهد . والسلام على النبيّ – عليه الصلاة والسلام – مشروع في التشهد عند كل صلاة ، وعند دخول المسجد والخروج منه ، كما ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة . وقد ورد في فضل السلام على النبي – صلى الله عليه وسلم – عدد من الأحاديث ؛ فمن ذلك : ما رواه الإمام أحمد وغيره من حديث عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه – عن النبيّ – عليه الصلاة والسلام – أنه قال : " إنّ لله في الأرض ملائكة سياحين يبلّغوني من أمتي السلام " ، وما رواه النسائيّ وغيره أنّ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – جاء يوماً ، والبِشْر يُرى في وجهه ؛ فقالوا : يا رسول الله ! إنا نرى في وجهك بِشراً لم نكن نراه ، فقال :" أجل أتاني مَلَك فقال : يا محمد ! إنّ ربك يقول : أما يرضيك ألا يصلي عليك أحد من أمّتك إلا صلّيت عليه عشراً ، ولا سلّم عليك إلا سلّمت عليه عشراً " .
شادي السيّد
فضل الصلاة والسلام على خير الأنام (7)
قال الله تعالى : ((إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)) ، الأحزاب : 56.
موضوع السلام على النبيّ – صلى الله عليه وسلم – عند قبره من المسائل التي أشكلتْ على كثير من الناس ، والمتأمل في النصوص النبوية الواردة في جوانب هذه المسألة ، وما كان يفعله الصحابة – رضي الله عنهم - ، وأقوال أئمة المسلمين الثقات سيقف على بعض الحقائق التي قد تخفى على البعض ؛ ومن ذلك : أنه لم يرد عن النبيّ – عليه الصلاة والسلام – نص صحيح صريح يأمر فيه أمته بالسلام عليه عند قبره ، وأنّ عدم التخصيص للقبر بالسلام فيه إظهار لخاصية اختصّ بها النبيّ – صلى الله عليه وسلم – لا يماثله فيها أحد من الخلق ؛ فالمقصود عند قبر غيره من الدعاء له هو مأمور به في حق الرسول – صلى الله عليه وسلم – في الصلوات الخمس ، وعند دخول المساجد ، والخروج منها – كما تقدّم – فالله – سبحانه – فضّله بهذا الأمر على غيره ، وأغناه بذلك عما يُفعل عند قبور غيره . كما أنّ الذي تدل عليه النصوص أنّ السلام على النبيّ – عليه الصلاة والسلام – يستوي فيه القريب والبعيد ، وهذه من خصوصيات النبيّ – صلى الله عليه وسلم - ، ولهذا قال الحسن بن الحسن بن عليّ – رضي الله عنهم – للرجل الذي رآه يختلف إلى قبر النبيّ – صلى الله عليه وسلم – ويدعو عنده . فقال له : يا هذا ! إنّ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال : " لا تتخذوا قبري عيداً ، وصلّوا عليَّ ؛ فإنّ صلاتكم حيثما كنتم تبلغني " – حديث صحيح – فما أنت ورجل بالأندلس منه إلا سواء . فالحسن – رضي الله عنه – وغيره لا يفرّقون بين أهل المدينة والغرباء ، ولا بين المسافر وغيره ، ولا يرون في السلام عليه عند قبره مزيّة ؛ فالسلام يصل إليه من مشارق الأرض ومغاربها .
شادي السيّد
فضل الصلاة والسلام على خير الأنام (8)
قال الله تعالى : ((إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)) ، الأحزاب : 56.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية : " ثبت بالسُنة ، واتفاق الأمة أنّ كل ما يُفعل من الأعمال الصالحة في المسجد عند حجرته – صلى الله عليه وسلم – من صلاة عليه وسلام ، وثناء ، وإكرام ، وذكر محاسن وفضائل ، ممكن فعله في سائر الأماكن ، ويكون لصاحبه من الأجر ما يستحقه ، كما قال : (( لا تتخذوا قبري عيداً ، وصلّوا عليّ فإنّ صلاتكم تبلغني حيث كنتم )) ، ولو كان للأعمال عند القبر فضيلة لفُتح للمسلمين باب الحجرة ، ولما مُنعوا من الوصول إلى القبر " . ولا يختلف اثنان أنّ الصحابة – رضي الله تعالى عنهم - كانوا أكثر حباً ، وتوقيراً ، وتعظيماً للنبيّ – صلى الله عليه وسلم – وأقوم بحقوقه من غيرهم ، ومع ذلك لم يفعلوا ما يُفعل عند قبره في أيامنا .
وأهل العلم – في القديم والحديث – يعرفون جيداً أنّ الأحاديث الواردة في زيارة قبر النبيّ – عليه الصلاة والسلام – كلها موضوعة ؛ مثل : " من زار قبري فقد وجبت له شفاعتي " ، و " من زارني وزار أبي في عام واحد ضمنت له على الله الجنة " ، و " من حج ولم يزرني فقد جفاني " ، وغير ذلك ممّا يُنسب كذباً للنبيّ – صلى الله عليه وسلم - . وممّا يوضّح هذا أنه لم يُعرف عن أحد من الصحابة – رضي الله عنهم – أنه تكلّم باسم (زيارة القبر النبويّ) لا ترغيباً في ذلك ، ولا غير ترغيب ؛ فلم يكن هذا اللفظ معروفاً عندهم ، والذين أطلقوا هذا الاسم من العلماء إنما أرادوا به إتيان مسجده ، والصلاة فيه ، والسلام عليه فيه : إما قريباً من الحجرة ، وإما بعيداً عنها ، وإما مستقبلاً للقبلة . وليس في أئمة المسلمين مَن احتجّ على ذلك بلفظ رُوي في زيارة قبره .
شادي السيّد
فضل الصلاة والسلام على خير الأنام (9)
قال الله تعالى : ((إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)) ، الأحزاب : 56.
وأكثر مصنفات جمهور العلماء – رحمة الله على الجميع – يذكرون المدينة النبوية وفضائلها ، والمسجد النبويّ الشريف وفضل الصلاة فيه والسفر إليه ونحو ذلك من المسائل المتعلقة بأحكام زيارة المدينة ، ولا يذكرون استحباب زيارة قبر النبي – صلى الله عليه وسلم – لا بهذا اللفظ ، ولا بغيره . وطائفة أخرى ذكروا ما يتعلق بالقبر النبويّ لكن بغير لفظ زيارته ؛ كما روى مالك – رحمه الله تعالى – في (الموطأ) عن ابن عمر – رضي الله عنهما – أنه كان يسلّم على النبي – عليه الصلاة والسلام – وعلى أبي بكر وعمر – رضي الله عنهما - ، وكما قال أبو داود في سننه : (باب ما جاء في زيارة القبور) ، وذكر قوله – صلى الله عليه وسلم - : " ما من أحد يسلّم عليَّ إلا ردّ الله عليَّ روحي حتى أردّ عليه السلام " . وأكثر كتب الفقه ليس فيه استحباب زيارة قبر النبي – عليه الصلاة والسلام – مع ما يذكرون من أحكام المدينة ، وإنما يذكر ذلك قليل منهم ويفسرونه بإتيان المسجد الشريف . ولا يخفى أنه لو كان هذا من سنّته المعروفة عند أمته المعمول بها من زمن الصحابة والتابعين لكان ذلك مستفيضاً مشهوراً عند علماء المسلمين في كل زمان ، كما اشتهر ذكر الصلاة والسلام عليه – صلى الله عليه وسلم – وكما اشتهر عندهم ذكر مسجده ، وفضل الصلاة فيه ، وشدّ الرّحال إليه . ولذا : فإنّ مَن قصد السفر إلى المسجد النبويّ للصلاة فيه ، فإنّ هذا مشروع بالنص والإجماع . وإنْ قصد القبر دون المسجد فإنّ أكثر العلماء يحرّمون هذا السفر ، وآخرون يجعلونه سفراً جائزاً وإن كان غير مستحب ، ولا واجب بالنّذر ، وأما مَن قصد السفر إلى المسجد والقبر معاً ، فهذا قد قصد مستحباً مشروعاً بالإجماع .
شادي السيّد
فضل الصلاة والسلام على خير الأنام (10)
قال الله تعالى : ((إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)) ، الأحزاب : 56.
وقد روى الإمام أحمد وغيره من حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم : " لا تتخذوا قبري عيداً ، ولا تجعلوا بيوتكم قبوراً ، وحيثما كنتم فصلّوا عليَّ فإنّ صلاتكم تبلغني " . وقد استجاب الله – تعالى – دعوة نبيه – عليه الصلاة والسلام – فلم يُتخذ قبره مكاناً للعبادة ، ولا وثناً كما يُفعل عند قبور غيره – وإلى الله المشتكى – ولا يتمكن أحد من الدخول إلى حجرته بعد أن بُنيت ، وقيّض الله الدولة السعودية في زماننا ليسيروا على نهج الأولين في صيانة الحجرة الشريفة من ممارسات أفعال الشرك والغلوّ ؛ فلا يصل أحدٌ – بفضل الله سبحانه – إلى القبر ، وما فعلوا ذلك ليُستهان بالقبر المكرّم ، بل لئلا يُتخذ وثناً يُعبد ، ولا يُتخذ بيته عيداً . وقد كان الصحابة – رضي الله عنهم – خير القرون ، وهم أعلم البشر بسُنة النبيّ – صلى الله عليه وسلم – وأطوع الأمة لأمره ، وأكثرهم حباً لهَديه ، ودَلّه ، ومع ذلك كانوا إذا دخلوا المسجد النبويّ لا يذهب أحدٌ منهم إلى قبره ، لا من داخل الحجرة ، ولا من خارجها ، ولم يطمع الشيطان أن ينال منهم من الإضلال والإغواء ما ناله ممن بعدهم من أهل البدع . وما أروع ما قاله الصحابيّ الجليل عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه - حيث قال : " مَن كان منكم مُستنّاً فليستنّ بمن مات ؛ فإنّ الحيّ لا تُؤمن عليه الفتنة ، أولئك أصحاب محمد : أبرّ هذه الأمة قلوباً ، وأعمقها علماً ، وأقلّها تكلفاً ، قوم اختارهم الله لصحبة نبيّه ، وإقامة دينه ، فاعرفوا لهم حقهم ، وتمسّكوا بهديهم ، فإنهم كانوا على الهَدي المستقيم " .
شادي السيّد
فضل الصلاة والسلام على خير الأنام (11)
قال الله تعالى : ((إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)) ، الأحزاب : 56.
ومن الأفعال المنكرة التي يفعلها البعض عند قبر النبيّ – صلى الله عليه وسلم - : الاستغاثة به ؛ والنبيّ – عليه الصلاة والسلام – يجوز أن يُستغاث به في حياته ، فيُطلب منه أن ينصر المظلوم ، ويُطعم الجائع ، ويقضي الدين .. إلخ ، فهو أفضل الناس عملاً ، وأعظهم برّاً – بأبي هو وأمي – والصحابة – رضي الله عنهم – قد استغاثوا به ليدعو لهم في القحط كما ثبت في الصحيح . أمّا الاستغاثة به بعد موته فلا تجوز ؛ لا فيما يقدر عليه في حياته ، ولا فيما لا يقدر عليه ، وقول من يقول : " إنّ الاستغاثة به بعد موته ثابتة ثبوتها في حياته " ، فهو كلام باطل قطعاً ، فليس على نبيّ ، ولا غيره بعد موته أن يفعل ما كان يُؤمر به في حال الحياة من واجب ومستحب . ولا يستطيع أحد أن ينقل عن أحد من الصحابة – رضي الله عنهم - ، ولا من السلف أنهم بعد موته طلبوا منه إغاثة ، ولا نصراً ، ولا إعانة ، ولا استسقوا بقبره ، ولا استنصروا به كما كانوا يطلبون ذلك منه في حياته . وأما قول عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – كما في الصحيح : " اللهمّ إنّا كنا إذا أجدبنا توسّلنا إليك بنبينا فتسقينا ، وإنّا نتوسل إليك بعمّ نبينا فاسقنا " ؛ فالمقصود : أنهم كانوا يتوسلون بدعاء النبيّ – صلى الله عليه وسلم – لا بذاته ، فلمّا مات توسلوا بدعاء العباس – رضي الله عنه – ولو كان التوسل بذاته لكان هذا أولى من التوسل بعمّه ، فلما عدلوا عن التوسل به – عليه الصلاة والسلام - إلى التوسل بالعباس عُلم أنّ ما يفعله في حياته قد تعذّر بموته .
شادي السيّد
فضل الصلاة والسلام على خير الأنام (12)
قال الله تعالى : ((إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)) ، الأحزاب : 56.
إنّ المتأمل في نصوص الشرع الواردة في شفاعة النبيّ – صلى الله عليه وسلم – يجد أنّ هناك نوعين من الشفاعة اختصّ بهما النبيّ – عليه الصلاة والسلام - :- أحدهما : شفاعة دنيوية في حياته ؛ فقد أجمع أهل العلم على أنّ الصحابة – رضي الله عنهم – كانوا يستشفعون ، ويتوسلون به في حياته بحضرته ؛ كما ثبت في أحاديث الاستسقاء ، وهذا الاستشفاع إنما هو طلب للدعاء منه ، فإنه كان يدعو للمستشفِع والناس يدعون معه . وهذا ما فهمه الصحابة – رضوان الله عليهم – وعملوا به بعد موته – صلى الله عليه وسلم – وقد تقدّم في المقال السابق حديث استسقاء عمر بن الخطاب بدعاء العبّاس – رضي الله عنهما – وكان من الممكن أن يأتي عند قبر النبيّ – عليه الصلاة والسلام – فيتوسّل ويستشفع به وبجاهه كما يفعل جهلة الناس في القديم والحديث ، لكن لم يُنقل عن أحد من السابقين الأولين ، ولا التابعين اللاحقين أنهم فعلوا ذلك . والشفاعة الثانية : هي الشفاعة الأخروية ، وقد أجمع المسلمون على أنّ النبيّ – صلى الله عليه وسلم – يشفع للخلق يوم القيامة بعد أن يسأله الناس ذلك ، وبعد أن يأذن الله له في الشفاعة . ثم إنّ أهل السنة والجماعة متفقون على ما اتفق عليه الصحابة – رضي الله تعالى عنهم – من أنّ النبيّ – عليه الصلاة والسلام – يشفع لأهل الكبائر من أمته ، ويشفع لعموم الخلق ، وله شفاعات يختصّ بها لا يشاركه فيها أحد ، وهناك شفاعات يشاركه فيها الأنبياء – عليهم الصلاة والسلام – والصالحون ، لكنْ ما له فيها أفضل مما لغيره ؛ لأنه – صلى الله عليه وسلم - أفضل الخلق ، وأكرمهم على ربه – تعالى – كما هو مقرّر في عقيدة أهل السنة والجماعة .
شادي السيّد
فضل الصلاة والسلام على خير الأنام (13)
قال الله تعالى : ((إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)) ، الأحزاب : 56.
ومن الأفعال المنكرة التي يفعلها البعض عند الحجرة النبوية الشريفة : الوقوف بخشوع وانكسار وذلّ أمام القبر النبويّ بهيئة لا تليق إلا للوقوف أمام رب العالمين في الصلاة ، وكذلك : التزام قراءة أدعية معينة وصيغ محدّدة للسلام على النبيّ – عليه الصلاة والسلام – مع رفع الصوت والبكاء ، واعتقاد أنّ النبيّ – صلى الله عليه وسلم – حيّ في قبره يسمع سلام وكلام الواقفين أمام الحجرة النبوية ، وهذا من الجهل الواضح ؛ لأنّ النبيّ – صلى وسلم عليه الإله – ميت بنص القرآن تجري عليه نواميس الموت عند البشر ، إلا أنه يمتاز عن البشر – كسائر الأنبياء والمرسلين – أنّ الله – تعالى – حرّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء – عليهم الصلاة والسلام – فجسد النبيّ – صلى الله عليه وسلم – مصون محفوظ بحفظ الله – سبحانه – كرامة لأنبيائه ، إلا أنه ميت في حياة البرزخ التي لا نعلم عنها شيئاً إلا ما جاء في النصوص الصحيحة الصريحة ، وبالتالي فإنّ النبيّ – صلى الله عليه وسلم – لا يسمع مَن يسلّم عليه كما يسمع الأحياء من البشر ، وإنما تبلّغه الملائكة سلام أمته بصفة وطريقة لا نعلمها . ومن أنكر الأفعال التي تحدث عند الحجرة النبوية : مَن يطلب من رسول الله – عليه الصلاة والسلام – نفعاً ، أو ضرّاً ، أو أي شيء ممّا كان يقدر عليه في حياته ، فهذا من الشرك الذي حذّرنا منه ربنا – تعالى – وأمر نبيّه – صلى الله عليه وسلم – أن ينهى أمته عن ذلك ، ويعلن أنه لا يملك لنفسه نفعاً أو ضرّاً ؛ فقال جّل وعزّ : ((قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء)) ، وإذا كان لا يملك ذلك لنفسه ، فلا يمكن أن يملكه لغيره .
شادي السيّد
فضل الصلاة والسلام على خير الأنام (14)
قال الله تعالى : ((إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)) ، الأحزاب : 56.
وبناء على ما تقدّم : فإنه لا يجوز لأحد أن يطلب من النبيّ – صلى الله عليه وسلم – بعد موته أن يدعو له ، أو يستغفر له ؛ فإنّ ذلك قد انقطع بموته – عليه الصلاة والسلام – أمّا مَن يحتج بقول الله – تعالى - : (( ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيماً )) ، فهذا في حياة النبيّ – عليه الصلاة والسلام – فقط ، وليس في الآية دليل على طلب الاستغفار منه بعد موته ؛ لأنّ (إذ) ظرف للماضي لا للمستقبل – كما هو مقرّر عند أهل اللغة – والآية نزلت في قوم كانوا في عهد النبيّ – صلى الله عليه وسلم – فلا تكون لمن بعدهم .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله تعالى - : " سؤال الميت والغائب نبياً كان أو غيره من المحرمات المنكرة باتفاق أئمة المسلمين ، لم يأمر الله به ، ولا رسوله،ولا استحبه أحد من أئمة المسلمين "، ثم قال : " ولا أحد من الصحابة – رضي الله عنهم – استغاث بالنبي – صلى الله عليه وسلم – بعد موته ، ولا بغيره من الأنبياء،لا عند قبورهم،ولا إذا بعدوا عنها ، وقد كانوا يقفون تلك المواقف العظام في مقابلة المشركين في القتال، ويشتد البأس بهم ، ويظنون الظنون ، ومع هذا لم يستغث أحد منهم بنبي ولا غيره من المخلوقين ، ولا أقسموا بمخلوق على الله أصلاً ،ولا كانوا يقصدون الدعاء عند قبور الأنبياء، ولا قبور غير الأنبياء ،ولا الصلاة عندها. وقد كره العلماء – كمالكٍ وغيره – أن يقوم الرجل عند قبر النبي – صلى الله عليه وسلم – يدعو لنفسه، وذكروا أنّ هذا من البدع التي لم يفعلها السلف " .
شادي السيّد
فضل الصلاة والسلام على خير الأنام (15)
قال الله تعالى : ((إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)) ، الأحزاب : 56.
حدّثني مَن أثق فيه ؛ قال : مرّت بي نازلة أقضّت مضجعي ، وجعلتني في همّ وغمّ لا يعلم قدره إلا الله – تعالى – وضاقت عليّ الأرض بما رحبت ، فتذكرتُ حديث أُبيّ بن كعب - رضي الله عنه - أنه قال: قلت: يا رسول الله ! إني أكثر الصلاة ، فكم أجعل لك من صلاتي؟ قال: "ما شئت"، قال: فقلت: الربع ؟ قال: "ما شئت ، وإن زدت فهو خير لك"، قال: فقلت: الثلث ؟ قال:"ما شئت فإن زدت فهو خير لك"، قال: فقلت: النصف ؟ قال: "ما شئت وإن زدت فهو خير لك"، قال: أجعل لك صلاتي كلها ؟ قال: "إذن يكفى همك ويغفر ذنبك" ، هذا الحديث رواه أحمد والترمذي وغيرهما، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح . قال صاحبي : فلزمتُ الصلاة على النبيّ – صلى الله عليه وسلم – بصيغة التشهد في الصلاة يوماً وليلة ، لم يفتر لساني إلا قليلاً ، فما جاء اليوم التالي إلا وقد فرّج الله – بفضله ورحمته – عني ، وقُضي الأمر على خير ما أحب .
قال الشيخ صالح الفوزان معلّقاً على حديث أُبيّ بن كعب : " ومعنى الحديث أنه سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - هل يجعل ربع دعائه أو نصفه أو كل دعائه صلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - ، يعني: يستبدل الدعاء الذي كان يدعو به بالصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فأخبره النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه إذا جعل دعاءه كله صلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه يكفى همه ويغفر ذنبه؛ لأن من صلّى على النبي - صلى الله عليه وسلم - صلاة واحدة صلّى الله عليه بها عشر صلوات ، ومن صلّى الله عليه فقد كفاه همه وغفر له ذنبه ، فهذا الحديث فيه فضيلة الإكثار من الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - " .
شادي السيّد
فضل الصلاة والسلام على خير الأنام (16)
قال الله تعالى : ((إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)) ، الأحزاب : 56.
بقي أن أختم هذا المبحث في فضل الصلاة والسلام على النبيّ – صلى الله عليه وسلم – بذكر أبرز الأخطاء التي تقع من البعض في هذا الباب ؛ فمن ذلك : التزام صيغ للصلاة والسلام على النبيّ – عليه الصلاة والسلام – لم ترد في النصوص الصحيحة ، وقد علّمنا النبيّ – صلى الله عليه وسلم – كيف نصلّي عليه – كما تقدّم في هذه السلسلة – مثل قوله : " قولوا : اللهم صلّ على محمد ، وعلى آل محمد ، كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد ، اللهم بارك على محمد ، وعلى آل محمد ، كما باركت على آل إبراهيم ، إنك حميد مجيد " ، وغير ذلك من الصيغ الثابتة في النصوص الصحيحة . ومن الأخطاء في هذا الباب : التزام عدد مخصوص من صيغ الصلاة والسلام على سبيل السُنيّة والاستمرار بلا دليل شرعيّ . ومن ذلك : السيادة للنبيّ – عليه الصلاة والسلام - ومن استقرأ صيغ الصلاة على النبي – عليه الصلاة والسلام - الواردة لم يجد فيها لفظ "السيادة"، لا داخل الصلاة ولا خارجها ، ومن استقرأ أحاديث الأذان لم يجدها في ذكر "الشهادة بأن محمداً رسول الله". والمحدثون كافة في كتب السنة لا يذكرون لفظ السيادة عند ذكر النبي – صلى الله عليه وسلم – وهذا لا يتنافى مع كونه سيد ولد آدم – عليه الصلاة والسلام – كما ورد في الحديث . ومن الأخطاء أيضاً : الاكتفاء بالسلام دون الصلاة ؛ كقولهم : النبيّ – عليه السلام - ، وكذلك : كتابة (صلعم) ، و(ص) بدلاً من جملة (صلى الله عليه وسلم) ، وقد عدّ بعض أهل العلم ذلك من سوء الأدب مع النبيّ – عليه الصلاة والسلام – أسأل الله – تعالى – أن ينفع بهذه المقالات ، وأن يرزقنا حُسن الأدب مع الحبيب محمد (صلى الله عليه وسلم) .
منقول صيد الفوائد