2 - وقال - تعالى - : {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 216].
قال الطبري - رحمه الله - : «يعني بذلك: فرض عليكم القتال ـ والقرآن الكريم يستعمل معه هذا الفعل «كُتب» لبيان الطلب والفرضية في مواضع كثيرة ـ وعنى بذلك أنه مفروض على كل واحد حتى يقوم به من في قيامه الكفاية، فيسقط فرض ذلك حينئذ عن باقي المسلمين. ولا تنافي هذه الفرضية أن الجهاد فيه «كُرْهٌ لكم» أي: شاقٌّ عليكم، من حيث نفور الطبع عنه لما فيه من مؤنة المال ومشقة النفس وخطر الروح»(4).
3 - وفي سورة التوبة آيات كثيرة ناطقة بهذا، كقوله - تعالى - : {فَإذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْـحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْـمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [التوبة: 5].
وعموم الآية الكريمة يقتضي قتل سائر المشركين من أهل الكتاب وغيرهم، وأن لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف، إلا أنه - تعالى - خصَّ أهل الكتاب بإقرارهم على الجزية ـ كما سيأتي في الآية الثالثة ـ وأخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - الجزية من مجوس هجر (5)، وتقدم في الحديث الصحيح عن بريدة - صلى الله عليه وسلم - أنه كان إذا بعث سرية قال: «إذا لقيتم المشركين فادعوهم إلى الإسلام، فإن أبوا فادعوهم إلى الجزية، فإن فعلوا فخذوا منهم وكُفُّوا عنهم»(6)، وذلك عموم في سائر المشركين فَخُصَّ منه من لم يكن من مشركي العرب بالآية، وصار قوله - تعالى - : {فَاقْتُلُوا الْـمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} خاصاً في مشركي العرب دون غيرهم(7). فإن تابوا ورجعوا عمّا هم عليه من الشرك بالله وجحود نبوة نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - إلى توحيد الله وإخلاص العبادة له دون الآلهة والأنداد، والإقرار بنبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - والتزام الفرائض والاعتراف بوجوبها، فعندئذ خلُّوا سبيلهم. أي: دَعُوهم فليتصرفوا في أمصاركم ويدخلوها(8). وبذلك تنتهي حالة الحرب معهم.
4 - ثمَّ أمر الله - عز وجل - بقتال المشركين جميعاً فقال: {وَقَاتِلُوا الْـمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً} [التوبة: 36]
ففي هذه الآية الكريمة أمر بقتال الذين يقاتِلون، فعُلم من ذلك أن شرطَ القتالِ كونُ المقاتَل مقاتِلاً ـ أي ممن يمكن أن يقاتل، فهو شرط للقتال وليس علة له(9).
قال الجصَّاص: إن الآية الكريمة تحتمل وجهين: أحدهما الأمر بقتال سائر أصناف أهل الشرك إلا من اعتصم منهم بالذمة وأداء الجزية. والآخر: الأمر بأن نقاتلهم مجتمعين متعاضدين غير متفرقين.
ولما احتمل الوجهين كان عليهما؛ إذ ليسا متنافيين؛ فتضمن ذلك الأمرَ بالقتال لجميع المشركين، وأن يكونوا مجتمعين متعاضدين على القتال(01). وذلك أن جماعة المشركين كافة يرون قتالكم كافة مجتمعين متعاضدين، فاجتمعوا أنتم ـ أيها المسلمون ـ لهم إذا حاربتموهم وقاتلوهم بنظير ما يقاتلونكم.
وعلى كل حالٍ فمعنى الآية الكريمة: قاتلوهم بلا استثناء أحد منهم ولا جماعة؛ فهم يقاتلونكم جميعاً، لا يستثنون منكم أحداً ولا يُبْقون منكم على جماعة(1)؛ وذلك أنهم يقاتلونكم لدينكم لا انتقاماً ولا عصبية، ولا للكسب كدأبهم في قتال قوِيّهم لضعيفهم؛ فأنتم أوْلى بأن تقاتلوهم لشركهم.
5 - أما قتال أهل الكتاب من اليهود والنصارى؛ فقد جاءت الآية الكريمة التالية بشأنهم؛ حيث قال الله - تعالى - : {قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْـحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْـجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: 29].
وكان نزول هذه الآية الكريمة ـ والآيات التالية لها في السياق ـ حين أمر الله - تعالى - رسوله - صلى الله عليه وسلم - بقتال الروم، فكانت تمهيداً لغزوة تبوك ومواجهة الروم وعمالهم من الغساسنة المسيحيين العرب.
وقيل: نزلت في شأن بني قريظة والنضير من اليهود، فصالحهم النبي - صلى الله عليه وسلم - وكانت أول جزية أصابها أهل الإسلام، وأول ذل أصاب أهل الكتاب بأيدي المسلمين.
وفي هذه الآية الكريمة تحديد للعلاقات مع أهل الكتاب من الكفار خاصة، بعد أن حددت الآيات السابقة في السورة نفسها طبيعة العلاقات بين المسلمين والمشركين؛ فإن الجميع قد أطبق عليهم هذا الوصف، وهو الكفر، فإن الكفر وإن كان أنواعاً متعددة مذكورة في القرآن والسنة بألفاظ متفرقة، فإن اسم الكفر يجمعها.
وقد أبان الله - تعالى - في هذه الآية الكريمة أن الفرض في أهل الكتاب ومن دان دينهم قبل نزول القرآن كله: أن يقاتَلوا حتى يعطوا الجزية أو يُسْلِموا(2).
وسياق الآية الكريمة يلهم أن الأوصاف الواردة فيها هي صفات قائمة بالقوم الموجهة إليهم الغزوة التي نزلت الآية تمهيداً لها، وأنها إثبات حالة واقعة بصفاتها القائمة. فهذه الصفات لم تذكر هنا في الآية الكريمة على أنها شرط لقتال أهل الكتاب، وإنما ذكرت على أنها أمور واقعة في عقيدة القوم وواقعهم، وأنها مسوِّغات ودوافع للأمر بقتالهم. ومِثْلُهم في هذا الحكم كلُّ من تكون عقيدته وواقعه كعقيدتهم وواقعهم. وقد حدَّد السياق من هذه الصفات القائمة:
أولاً: أنهم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر.
ثانياً: أنهم لا يحرِّمون ما حرَّم الله ورسوله.
ثالثاً: أنهم لا يدينون دين الحقِّ.
ثمَّ بيَّن السياق في الآيات التالية كيف أنهم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرِّمون ما حرَّم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق، وذلك بأنهم:
أولاً: قالت اليهود: عزير ابن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله، وأن هذا القول يضاهئ قول الذين كفروا من قبلهم من الوثنيين؛ فهم مثلهم في هذا الاعتقاد الذي لا يعدُّ صاحبه مؤمناً بالله ولا باليوم الآخر.
ثانياً: اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيحَ ابن مريم. وأن هذا مخالف لدين الحق. وهو الدينونة لله وحده بلا شركاء. فهم بهذا مشركون لا يدينون دين الحق.
ثالثاً: يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم؛ فهم محاربون لدين الله. ولا يحارب دين الله مؤمن بالله واليوم الآخر يدين دين الحق أبداً.
رابعاً: يأكل كثير من أحبارهم ورهبانهم أموال اليتامى بالباطل؛ فهم إذن لا يحرِّمون ما حرَّم الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - سواء كان المقصود رسـولهم أو محمد - صلى الله عليه وسلم -.
وهذه الصفات كانت واقعة بالقياس إلى نصارى الشام والروم، كما أنها واقعة بالقياس إلى غيرهم منذ أن حرَّفت المجامع الدينية دين المسيح (وقالت ببنوة عيسى وبتثليث الأقانيم ـ على كل ما بين المذاهب والفِرَق من خلاف يلتقي كله على التثليث ـ على مدار التاريخ حتى الآن)(3).
وإذن فهو أمر عام يقرر قاعدة مطلقة في العلاقة مع أهل الكتاب الذين تنطبق عليهم هذه الصفات التي كانت قائمة في نصارى العرب ونصارى الروم... ولا يمنع من هذا العموم أن الأوامر النبوية استثنت أفراداً وطوائف بأعيانها لتُتْرك بلا قتال، كالأطفال والنساء والشيوخ والعَجَزَة والرهبان الذين حبسوا أنفسهم في الأديرة... بوصفهم غير محاربين ـ فقد منع الإسلام أن يقاتَل غير المحاربين من أية ملَّة ـ وهؤلاء لم تستثنهم الأوامر النبوية؛ لأنهم لم يقع منهم اعتداء بالفعل على المسلمين، ولكن لأنه ليس من شأنهم أصلاً أن يقع منهم الاعتداء؛ فلا محل لتقييد هذا الأمر العام بأن المقصود به هم الذين وقع منهم اعتداء فعلاً. فالاعتداء قائم ابتداءً، الاعتداء على ألوهية الله، والاعتداء على العباد بتعبيدهم لغير الله؛ والإسلام حين ينطلق للدفاع عن ألوهية الله - سبحانه -، والدفاع عن كرامة الإنسان في الأرض، لا بد أن تواجهه الجاهلية بالمقاومة والحرب والعداء ولا مفرَّ من مواجهة طبائع الأشياء.
وهذا كله هو ما فهمه المفسرون من الآية الكريمة؛ فإنهم أجمعوا على أن قوله - تعالى - : {مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} [التوبة: 29] يعني اليهود والنصارى الذين لا يدينون دين الإسلام. ولم يقيّدوا جواز قتالهم بأن يكونوا من المعتدين، ولم يفهموا أن كلمة «مِنْ» في الآية للتبعيض، فيكون هناك أهل كتاب يؤمنون بالله واليوم الآخر ويدينون دين الحق ـ بعد بعثة محمد - عليه الصلاة والسلام - ويكون هناك فرقة أخرى لا تؤمن بالله... وهي التي أباح الإسلام قتالها، ولذلك قالوا: إن قوله - تعالى - : {مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} بيان لقوله: {الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} [التوبة: 45] أي: من الموصوفين بهذه الصفات الأربع من أهل الكتاب؛ فالصفات الأربع راجعة إلى الضمير المذكور أولاً. والمقصود تمييزهم من المشركين في الحكم؛ لأن الواجب في المشركين القتالُ أو الإسلام، والواجب في أهل الكتاب القتال أو الإسلام أو الجزية(1).
ولذلك لا نجد مستنداً صحيحاً لما ذهب إليه بعض الكاتبين من أن «صياغة النص ـ في آية التوبة السابقة ـ واستعمال كلمة «من» بمعنى بعضهم أو فريق منهم ظاهرةُ الدلالة على أن الأمر بالقتال ليس موجهاً ضدَّ (كل) أهل الكتاب بصفتهم هذه، بل فقط ضدَّ فريق منهم تميز بصفة عدوانية ونكرانية للقيم الإنسانية الأساسية... وأن النص إنما يخص فريقاً من أهل الكتاب قد ارتد فعلاً عن العقيدة المسيحية(2)، عقيدة الإيمان بالله وبالبعث، وأصبح يعبد القوة في صورتها العدوانية ويستعبد الناس بها، وإن اتخذوا العقيدة المسيحية الشكلية قناعاً لسلطانه، أو أنه يخص فريقاً منهم دعا إلى إنكار وجود الله أو إلى إلغاء الدين»(3).
6 - وقال الله - تعالى - : {فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 35].
ففي الآية الكريمة حثٌّ للمؤمنين على الجهاد وتحريم للتثاقل والجبن عن قتال المشركين والضعف، أو الدعوة إلى الصلح والمسالمة ابتداءً، فمنع الله - تعالى - المسلمين أن يدعوا الكفار إلى الصلح، وأمرهم بحربهم حتى يسلموا، أو يلتزموا حكم الإسلام بعقد الذمّة؛ فالمسلمون هم الغالبون، وآخرُ الأمر لهم وإن غُلِبوا في بعض الأوقات(4).
يقول العلامة محمد صدِّيق خان في تفسير هذه الآية الكريمة: «أي: لا تضعفوا عن القتال وتدعوا الكفار إلى الصلح ابتداءً منكم؛ فإن ذلك لا يكون إلا عند الضعف. قال الزجَّاج: منع الله المسلمين المؤمنين أن يدعوا الكفار إلى الصلح، وأمرهم بحربهم حتى يسلموا.
واختلف أهل العلم في هذه الآية، هل هي محكمة أو منسوخة؟
فقيل: إنها محكمة وناسخة لقوله - تعالى - : {وَإن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا} [الأنفال: 61].
وقيل: منسوخة بهذه الآية».
ثمَّ قال: «ولا يخفى أنه لا مقتضى للقـــول بالنسخ؛ فإن الله - سبحانه - نهى المسلمين في هذه الآية أن يدعوا إلى السّلم ابتداءً، ولم يَنْه عن قَبول السّلم إذا جنح إليها المشركون؛ فالآيتان محكمتان ولم تتواردا على محل واحد حتى يحتاج إلى دعوى النسخ أو التخصيص. وجملة {وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ} مقررة لما قبلها من النهي. أي: وأنتم الغالبون بالسيف والحجة»(5).
7 - وقال الله - تعالى - : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْـمُتَّقِينَ} [التوبة: 123].
يقول الله - تعالى ذكره ـ: قاتلوا مَنْ وَلِيَكُم من الكفار دون من بَعُد منهم، فابدؤوا بقتال الأقرب فالأقرب إليكم داراً، دون الأبعد فالأبعد. وكان الذين يلون المخاطبين بهذه الآية الكريمة يومئذ: الروم؛ لأنهم كانوا سكان الشام يومئذ، وكانت أقرب إلى المدينة من العراق. فأما بعد أن فتح الله على المؤمنين البلاد، فإن الفرض على أهل كل ناحيةٍ قتالُ مَنْ وليهم من الأعداء دون الأبعد منهم، ما لم يضطّر إليهم أهل ناحية أخرى من نواحي بلاد الإسلام. فإن اضطروا إليهم، لزمهم عونهم ونصرهم؛ لأن المسلمين يدٌ على مَنْ سواهم(1).
قال الإمام أبو بكر الرازي الجصَّاص: «خَصَّ الأمر بالقتال للذين يلونهم من الكفار، وقال في أول السورة: {فَاقْتُلُوا الْـمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} [التوبة: 5] وقال في موضع آخر: {وَقَاتِلُوا الْـمُشْرِكِينَ كَافَّةً} [التوبة: 36] فأوجب قتال جميع الكفار، ولكنه خصَّ بالذكر الذين يلوننا من الكفار؛ إذ كان معلومـاً أنه لا يمكننا قتال جميع الكفار في وقت واحد، وأن الممكن منه هو قتال طائفةٍ، فكان قتال مَنْ قَرُب منهم أَوْلى بالقتال ممن بَعُد؛ لأن الاشتغال بقتال مَنْ بَعُد منهم مع ترك قتال من قَرُب لا يؤمَنُ معه هَجْم(2) من قرب على ذراري المسلمين ونسائهم وبلادهم إذا خلت من المجاهدين. فلذلك أمر بقتال من قرب قبل قتال مَنْ بَعُد، وأيضاً: لا يصح تكليف قتال الأبعد؛ إذ لا حدَّ للأبعد يُبْتَدَأ منه القتال كما للأقرب. وأيضاً: فغير ممكن الوصول إلى قتال الأبعد إلا بعد قتالِ مَنْ قَرُبَ وقَهْرِهم وإذْلاَلِهم. فهذه الوجوهُ كلُّها تقتضي تخصيص الأمر بقتال الأقرب»(3).
فالآية الكريمة تضع خطة الحركة الجهادية ومداها كذلك، وهي الخطة التي سار عليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخلفاؤه من بعده بصفة عامة، فسارت عليها الفتوح الإسلامية، تواجه مَنْ يلون «دار الإسلام، ويجاورونها، مرحلة فمرحلة، فلما أسلمت الجزيرة العربية ـ أو كادت ولم تَبْقَ إلا فلول منعزلة لا تؤلِّف قوة يُخشى منها على دار الإسلام بعد فتح مكة ـ كانت غزوة تبوك على أطراف بلاد الروم، ثمَّ كان انسياح الجيوش الإسلامية في بلاد الروم وفي بلاد فارس... والأمر بقتال الذين يَلُون المسلمين من الكفـار، لا يذكــر فيه أن يكونوا معتدين علـى المســـلمين ولا على ديارهم. وندرك أن هذا هو الأمر الأخير الذي يجعل «الانطلاق» بهذا الدين هو الأصل الذي ينبثق منه مبدأ الجهاد، وليس هو مجرد «الدفاع» كما كانت الأحكام المرحلية أول العهد بإقامة الدولة الإسلامية في المدينة.
ويريد بعض الذين يتحدثون عن العلاقات الدولية في الإسلام أن يتلمسوا لهذا النص النهائي الأخير قيداً من النصوص المرحلية السابقة، فيقيدوه بوقوع الاعتداء أو خوف الاعتداء! والنص القرآنيُّ بذاته مطلق، وهو النص الأخير. وقد عوَّدنا البيان القرآني عند إيراد الأحكام أن يكون دقيقاً في كل موضع، وأن يتخير اللفظ المحدَّد، ويسجل التحفظات والاستثناءات والقيود والتخصيصات في ذات النص، إن كان هناك تحفظ أو استثناء أو تقييد أو تخصيص»(4).
ب ـ ومن السنة النبوية: استدل الجمهور بحديث ابن عمـــر - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة. فإذا فعلوا ذلك فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقِّ الإسلام، وحسابهم على الله»(5).
فقد أمر الله - تعالى - نبيه محمداً - صلى الله عليه وسلم - أن يقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويلتزموا أحكام الإسلام. واللام في كلمة «الناس» للجنس فيدخل في هذا: المشركون وأهل الكتاب الملتزمون للجزية إن لم يسلموا. ولكن خرج أهل الكتاب من هذا العموم بدليل آخر هو آية التوبة السابقة، ونحو ذلك من الآيات والأحاديث. ويدل عليه رواية النَّسَائي: «أُمرت أن أقاتل المشركين»(6). ولهذا قال الطِّيبيُّ: هو من العام الذي خُصَّ منه البعض؛ لأن القصد الأوليّ من هـذا الأمـر حصـول المطلـــوب، كقوله - تعالى - : {وَمَا خَلَقْتُ الْـجِنَّ وَالإنسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] فإذا تخلف منه أحد في بعض الصور لعارضٍ، فإن ذلك لا يقدح في عمومه. ألا ترى أنَّ عَبَدَة الأوثان إذا وقعت المهادنة معهم تسقط المقاتلة وتثبت العصمة، ويجوز أن يعبَّر بمجموع الشهادتين وفعل الصلاة والزكاة عــن إعــلاء كلمة الله - تعالى - وإذعان المخالفين، فيحصل بذلك في بعضهم بالقول والفعل، وفي بعضهم بإعطاء، وفي الآخرين بالمهادنة»(7).
-------------------
(*) أستاذ العقيدة الإسلامية بجامعة أم القرى في الطائف.
(1) انظر: «معجم مقاييس اللغة»: 1/ 901، «المعجم الوسيط»: 1/ 02.
(2) انظر معاني كلمة الأصل هذه في: «التلويح على التوضيح» للتفتازاني: 1/ 9.
(3) انظر: «السِّير الكبير» مع شرح السَّرْخَسِيّ: 1 / 57 ـ 77.
(1) أخرجه البخاري: 1/ 634، ومسلم: 1/ 073.
(2) أخرجه مسلم، في الموضع السابق، ص (173).
(3) أخرجه مسلم: 1/134.
(4) أخرجه البخاري: 6/3، ومسلم 1/134. واللفظ له.
(5) انظر: «في ظلال القرآن» للأستاذ سيد قطب: 91/4852.
(6) انظر: «زاد المعاد»: 3/692 ـ 697، «مجموعة الوثائق السياسية»، ص (641) وما بعدها.
(1) ولذلك كان من العجب والغريب، بعد معرفة هذه الأدلة والشواهد، ما يلهج به بعض المستشرقين ممن عنوا بدراسة السيرة النبوية ودعوة الإسلام، من إنكارهم هذه الصفة العالمية للإسلام، حيث يقول وليم موير مثلا: «إن فكرة عالمية الرسالة قد جاءت فيما بعد. وإن هذه الفكرة على الرغم من كثرة الآيات والأحاديث التي تؤيدها، لم يفكر فيها محمد نفسه. ويذهب كذلك كايتاني إلى هذا الرأي. انظر: «الدعوة إلى الإسلام» تأليف توماس أرنولد، ترجمة حسن إبراهيم حسن وعبد المجيد عابدين، ص (94 - 05).
وهذا نموذج لتفكير المستشرقين ومناهجهم وأساليبهم يشير إلى أن بعضهم يقول ما لا يعقل أو يفكر بأدوات تفكير لا يفكر فيها إلا أمثالهم. فكيف جاءت فكرة عالمية الإسلام فيما بعد رغم الآيات المكية والواقع العملي للدعوة؟ وهل كان هرقل وكسرى والنجاشي عرباً يوجه إليهم النبي - صلى الله عليه وسلم - الدعوة على أنهم عرب؟!
(2) «ما هي علاقة الأمة المسلمة بالأمم الأخرى؟ » د. أحمد محمود الأحمد، ص (7 ـ 8).
(3) انظر: «قانون السلام في الإسلام» د. محمد طلعت الغنيمي، ص 401. وراجع: «الاستعانة بغير المسلمين في الفقه الإسلامي» د. عبد الله إبراهيم الطريقي، ص 62.
(4) أخرجه مسلم: 3/ 7531.
(5) انظر: «شرح السِّير الكبير» للسرخسي: 1/ 57 ـ 67.
(6) «روضة القضاة وطريق النجاة» للسمناني: 3/1237، تحقيق د. صلاح الدين الناهي.
(1) «بدائع الصنائع» للكاساني: 9/4304 ـ 4305 بتصرف يسير.
(2) انظر: «شرح السِّير الكبير»: 1/76، وراجع «المبسوط»: 10/7، «البدائع»: 9/ 5034.
(3) «السِّير الكبير»: 1/76 ـ 77 و 189. مع شرح السَّرْخَسِيّ، وانظر: «تفسير القرطبي»: 16/273 حيث قال: «حكم من لا تقبل منه الجزية أحد أمرين: إما المقاتلة، وإما الإسلام؛ لا ثالث لهما».
(4) انظر: «كتاب السِّير» للشيباني، ص (222) بتحقيق د. مجيد خدوري، «شرح السِّير الكبير»: 5 / 8071.
(5) جعل الأستاذ ظافر القاسمي هذا المذهب نظرية لفريق من الباحثين المتأخرين. وناقش ذلك من خلال ردِّه على الشيخ صالح بن سعد اللحيدان في كتابه: «الجهاد في الإسلام» فأوهم الأستاذ القاسمي أن هذا مذهب الباحثين المتأخرين، بل مذهب فريق منهم، بينما نجد أن هذا مذهب عامة الفقهاء المتقدمين، ولم نجد ـ كما سيأتي ـ لأيٍّ منهم ما يخالف ذلك، إلا ما روي عن سفيان الثَّوْرِيّ - رحمه الله - في الجهاد الدفاعي وعدم وجوب البدء بالقتال إن لم يقاتلونا. وإن كان هذا في غير ما نحن فيه؛ لأنه - رحمه الله - لم يحرم الجهاد أو يمنعه، بل هو ينفي وجوب البدء إن لم يقاتلونا. وقد وضعه بعض الكتَّاب في غير موضعه، وأنطقوا الإمام سفيان - رحمه الله - بما لم يقل به. انظر: «الجهاد والحقوق الدولية العامة في الإسلام» تأليف ظافر القاسمي، ص (160).
(6) وهذا أحد القولين في مذاهب العلماء. وفي قول آخر أنه يجوز ذلك وهو الذي نصَّ عليه الشافعي في «المختصر». والمذكور عن أبي حنيفة: أنها لا تكون لازمة بل جائزة، فإنه جوَّز فسخها متى شاء. وهذا القول الثالث مال إليه ورجحه ابن قيم الجوزية واستدل له بجملة أدلة. انظر: «أحكام أهل الذمّة»: 2/ 674 ـ 094، وهذه المسألة جديرة ببحث مستقل.
(7) انظر نصوص العلماء وأقوالهم في: «المبسوط»: 10/2 ـ 3، «الكافي في فقه أهل المدينة» لابن عبد البر: 1/466 المجموع شرح المهذب»: 18/47 ـ 48، «المغني»: 01 183 ـ 383.
(1) انظر: «السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار» للشوكاني: 4/158 ـ 159. وهو بحروفه في «الروضة الندية» لصديق حسن خان: 2/479 ـ 480. وقارن بـ «أحكام أهل الذمّة»: 2/ 674 ـ 094.
(2) انظر: «الروضة الندية» 22/ 974 ـ 084.
(3) انظر: «مصنفة النظم الإسلامية» د. مصطفى كمال وصفي، ص (339 ـ 341).
(4) ولذلك لا يصح قول الدكتور محمد كامل ياقوت في كتابه «الشخصية الدولية في القانون الدولي العام والشريعة الإسلامية» ص (388): «إن الآية انصبت على تقرير مبدأ تحريم الحرب والقتال إلا في حالة وحيدة، حالة الدفاع ضد عدوان قائم وفي حدود هذا الدفاع، واعتبرت تعدي حدود الدفاع الشرعي عدواناً حرَّمه الشرع … وإن النصوص لا تجيز إلا قتال المعتدين، ثمَّ لا تجيز قتال المعتدين إلا إلى الحد الكافي لحسم عدوانهم دون التمادي في القتال».
(1) يقول علماء اللغة العربية: إن «حتى» تدخل على الفعل المضارع فينصب بعدها بأن مضمرة وجوباً؛ وذلك مشروط بأن تكون دلالة الفعل بعدها على الاستقبال. لذلك يقول العلاَّمة جمال الدين محمد بن مالك الطّائي الجياني في كتابه «شرح الكافية الشافية»: 3/1542: «إنَّ (حتى) ينتصب الفعل بعدها بـ «أن» واجبةَ الإضمار. والغالب كون ما بعدها في النصب غايةً لما قبلها، كقوله - تعالى - : {لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إلَيْنَا مُوسَى} [طه: 91]. وقد تكون للتعليل وعلامتها أن يَحْسُن في موضعها (كي) … ولا يكون الفعل في الحالين إلا مستقبلاً». وفي ضوء هذا التوجيه اللغوي النحوي يفهم أن المراد من قوله - تعالى - : {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ} [البقرة: 193] الاستمرار في القتال حتى تمتنع الفتنة مستقبلاً؛ فهي إذن ليست في موضع الدلالة على أنه لا يكون قتال إلا إذا وقعت الفتنة على المسلمين. والله أعلم. وانظر أيضاً: «شرح ابن عقيل على الألفية»: 2/45 (المكتبة التجارية).
(2) انظر: «تفسير الطبري»: 3/561 ـ 574، «تفسير مجاهد»: 1/98، «تفسير البغوي»: 1/212 ـ 214، «تفسير القرطبي»: 2/347 ـ 354، «أحكام القرآن» للجصَّاص: 1/260 ـ 261، «أحكام القرآن» لإلْكِيا الهراس: 1/121، «تفسير أبي السعود»: 1/240، «تفسير ابن كثير»: 1/ 722 ـ 822.
(3) «فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير» للشوكاني: 1/ 191.
(4) «تفسير الطبري»: 4/295 ـ 299، وانظر: «تفسير البغوي»: 1 542 ـ 642.
(5) انظر: «صحيح البخاري»: 6/2579. وراجع «نصب الراية» للزيلعي: 3/ 844 ـ 944.
(6) أخرجه مسلم: 3/ 7531. (7) انظر: «أحكام القرآن» للجصَّاص: 3/ 18.
(8) انظر: «تفسير الطبري»: 14/134 ـ 135، «تفسير البغوي»: 4/13 ـ 14، «تفسير القرطبي»: 8 / 27.
(9) انظر: «الصارم المسلول على شاتم الرسول» لابن تيمية، ص (282).
(01) انظر: «أحكام القرآن» للجصَّاص: 3/111. وراجع «الطبري»: 41/ 142 ـ 242.
(1) «في ظلال القرآن»: 3/ 2561.
(2) انظر: «أحكام القرآن» للشافعي: 2/53، وله أيضاً «اختلاف الحديث» ص (56 و 157 ـ 158).
(3) انظر: «تفسير الطبري»: 14/198، «البغوي»: 4/ 33 ـ 43.
(1) انظر: «تفسير الطبري»: 14/198، «البغوي»: 4/33، «المحرر الوجيز»: 6/456، «أحكام القرآن» للجصَّاص: 3/91، «أحكام القرآن» لابن العربي: 2/919،، «تفسير المنار» لرشيد رضا: 01/043.
(2) ليس هناك عقيدة مسيحية وعقيدة يهودية منزَّلة من عند الله - تعالى -، وإنما هي عقيدة واحدة ودين واحد بعث الله - تعالى - به جميع الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وهو دين الإسلام وعقيدة الإسلام منذ آدم إلى أن ختموا بمحمد - صلى الله عليه وسلم -، كما أخبر الله ـ - تعالى - ـ عنهم في كتابه الكريم في آيات كثيرة، كما في سورة البقرة (130 ـ 133) وآل عمران (67) والأنعام (162 ـ 163) والأعراف (126)... إلخ. وانظر: «الإسلام وعلاقته بالشرائع الأخرى» ص (11) وما بعد، لكاتب هذا المقال.
(3) انظر: «الشخصية الدولية في القانون والشريعة الإسلامية» د. محمد كامل ياقوت، ص (405 ـ 406).
(4) انظر: «تفسير الطبري»: 26/63، «تفسير البغوي»: 7/29، «زاد المسير من علم التفسير» لابن الجوزي: 7/413، «تفسير ابن كثير»: 4/182، «أحكام القرآن» للجصَّاص: 3/ 393.
(5) «نيل المرام في تفسير آيات الأحكام» للسيد محمد صدّيق خان، ص (353 ـ 354).
(1) انظر: «تفسير الطبري»: 14/574 ـ 575.
(2) قال في «المعجم الوسيط» (2/974): «هَجَم المكانَ ونحوه هَجْماً: اقتحمه».
(3) «أحكام القرآن» للجصَّاص: 3/ 261.
(4) انظر: «في ظلال القرآن»: 3/1736 ـ 1737 بتصرف، وعن القول في دلالة النصوص والأحكام المرحلية والنصوص والأحكام النهائية على منهج الإسلام في الحركة والجهاد انظر أيضاً: 1564 ـ 1583 و 1620 ـ 0361.
(5) أخرجه البخاري: 1/75، ومسلم: 1/ 35.
(6) أخرجه النَّسَائي 7/75، وأبو داود: 3/334، والبيهقي: 3/ 29.
(7) انظر: «الكاشف عن حقائق السنن» للعلامة حسين بن محمد الطيبي، ورقة (17).