في 1965، وفي أب من تلك السنة، نظمت الموساد دورة تدريبية لمدة ثلاثة أشهر لمقاتلي (البيشمركه) الكرد، وأعقبتها دورات مشابهة.. وقد أطلق على الدورة الأولى الإسم الرمزي (مارفاد) أي السجادة...!
في أواخر صيف 1966، طلب إثنان من مساعدي (ليفي أشكول) رئيس الوزراء، ومن المتخصصين بالشؤون العربية، بالقيام بعملية مسح في كردستان ومقابلة البرزاني لغرض تقديم دراسة ميدانية.. وقد تم عتماد الدراسة، ووضع البرنامج تحت رئاسة (حاييم ليفاكوف)، حيث تم إرسال فريق طبي من أطباء وممرضين اسرائيليين مع مستشفى عسكري ميداني الى المنطقة الكردية، وتم نقلهم بالطريق البري من إيران..!
يقول (إلييف) سكرتير حزب العمل الإسرائيلي في بداية السبعينات، أنه وصل الى (حاج عمران) في كردستان على رأس وفد، وقد نظّمت الزيارة بواسطة (أحمد الجلبي) وكان ذلك عام 1972، وكان بانتظارنا بعض مساعدي البرزاني، وبعد قضاء ليلة هناك، أخذونا على البغال الى المقر السري للبرزاني في الجبال..! وكان لقاؤنا وديا وحميماً. وقد ناقشنا خلال اللقاء المساعدات الإسرائيلية للأكراد، وقد قال لي مصطفى البرزاني بالنص (أرجو إبلاغ رئيس الوزراء والوزراء أننا "إخوة" وسوف لن ننسى "أفضالكم" هذه أو ننسى أنكم اليهود أول وأفضل من ساعدنا في ساعة الشدّة..!!) ثم قدم البرزاني خنجره الخاص هدية لي، وأعطاني خنجرا آخر لأقدمه بإسمه الى صديقه رئيس الكنيست..!
عندما كشف (إلييف) هذه المعلومات في 1978، كان البرزاني مريضا ومسلوب القوى، يعيش اشهره الأخيرة (سجينا) لدى وكالة المخابرات المركزية الأمريكية متنقلا مابين الفندق والمستشفى في واشنطن...!.. ويضيف ألييف أن عضو الكونغرس الأمريكي (ستيفن سولارز) اليهودي، قد أبلغه بأنه يتمنى أن لا تكون نهاية البرزاني أنتهاء للعلاقة بين الأكراد وإسرائيل...!
خلال شهر العسل الأسرائيلي ـ الكردي، قام البرزاني بعدة زيارات الى إسرائيل، زار خلالها المستوطنات الإسرائيلية وقادة سياسيين بارزين من أمثال مناحييم بيغن وموشي دايان وأبا إيبان وشيمون بيريز.. وغيرهم..! كما أن الموساد كانت قد اسست نواة المخابرات الكردية ودعمتها والتي أطلق عليها (الباراستان) وكان المنسق في ذلك (مردخاي هود) في إسرائيل و(إلياهو كوهين) في مقر البرزاني في كردستان..! وكانت تصل الى البرزاني شهريا دفعة مالية بمقدار 50,000 دولار لإستخدامها في التهيأة لإعداد المقاتلين والقيام بعمليات لإشغال الجيش العراقي...!!!
علميا، قام فريق طبي من الباحثين الهنود والإسرائيليين والألمان، بتحليل 526 كروموسوم "واي"، وذلك في عام 2001.. أخذت الكرموسومات من ست مجموعات هم: أكراد يهود، أكراد مسلمين، فلسطينيين عرب، يهود شرقيين، يهود غربيين، وبدو من صحراء النقب... وقد أظهر التحليل، أن كروموسومات اليهود الشرقيين والأكراد تتطابق الى حد بعيد، ويقول التقرير: أن سلالات اليهود من أولئك الذين كانوا قريبين من المناطق الكردية، ربما يشتركون في الآباء قبل مئات السنين...!!
يقول الكاتب الإسرائيلي (أليزير زافير) في كتابه (أنا كردي) أن البحث المذكور هو فرصة لإستثماره لجعل العلاقة بين اليهود والكرد متينة ومتواصلة وذلك لإبقاء الجيش العراقي بعيدا عن إسرائيل.. وهو الجيش الذي تتطلع إسرائيل أن تراه قد إنتهى....!!! كما أن العلاقة مهمة لتقوية علاقة رضا بهلوي بإسرائيل والأكراد...!
ننتقل في الموضوع القادم الى حلقة جديدة في سلسلة التآمر على العراق.. تلك هي حلقة صدام حسين....!!
إنتهينا في القسم الرابع الى تطور العلاقة الإسرائيلية ـ الأمريكية ـ الكردية.. ودور الولايات المتحدة الذي بدأ لاحقا بسيناريو مختلف عن التعاطف الإسرائيلي مع الكرد.. والحب الكردي لإسرائيل.. ونحن هنا نتكلم عن السياسيين والقادة من الطرفين وليس عن الشعوب..
هنري كيسنجر، الذي خدم كوزير للخارجية الأمريكية مابين سبتمبر 1973 ويناير 1977، كما عمل كذلك مستشاراً للأمن القومي من يناير 1969 وحتى نوفمبر 1975.. وكان المقرر والمخطط للسياسة الأمريكية طوال تلك السنوات، واللاعب الرئيسي الذي له بصماته في كثير من الأحداث العالمية.. إستعرض في الفصل الثالث من مذكراته التي نشرت تحت عنوان (سنوات التجديد) في عام 1999، التحدث عن العلاقة (الأمريكية ـ الإسرائيلية ـ الإيرانية ـ الكردية)، والتي لعبت دوراً في السبعينات، وعن أهمية ودور تلك العلاقة. والحقيقة أن ما ورد في تلك المذكرات، يضع النقاط على الحروف في سياسة بوش وخططه منذ غزوه للعراق عام 2003 ولحد الآن.
يقول كيسنجر: إن حماية الأكراد من القوة العسكرية العراقية، كان يتطلب تدخلات وإرتباطات أمريكية كبيرة ومعقدة، في وقت كانت علاقة الشرق بالغرب تسوء وتضعف.. كما أن محادثات السلام العربية ـ الإسرائيلية لم تكن تسير بشكل جيد. كانت إدارة نيكسون تحت النار من معارضيها بسبب نتائج حرب فيتنام، والمشاكل الداخلية.. وأن تحقيق رغبة الأكراد في التجهيز والدعم، يجب أن توزن بالقياس الى موقعهم الجغرافي في المنطقة العربية وفي تركيا وإيران.. مع الأخذ بنظر الإعتبار المصالح الأمريكية لدى أصدقائها من الدول العربية الغنية بالنفط...!
ويلاحظ من سرد كيسنجر هنا قبل ثمان سنوات، في التحدث عن الوضع الإقليمي العربي والعالمي قبل 30 عاما، أنه يكاد يتطابق بشكل كامل مع الوضع الحالي.. حرب فيتنام ومشاكل إدارة نيكسون الداخلية والخارجية.. يقابلها حرب العراق ومشاكل إدارة بوش الداخلية والخارجية..!
مطالب الأكراد آنذاك بالدعم العسكري واللوجستي والسياسي من الأمريكان.. ومطالب الأكراد الحالية في الإستقلال ونفط كركوك والتأثير في الموقف العراقي...! وتعقد الوضع العربي الإسرائيلي في لبنان ومع الحكومة الفلسطينية في الوقت الحاضر.. ولهذا يمكن القول أن أفق كيسنجر السياسي لا يزال يطغى على خطط بوش الحالية..!
كانت نصيحة كيسنجر لإدارتي الرئيس نيكسون.. ثم الرئيس فورد، اللتان كانتا قريبتين من إسرائيل وإيران، أن تأخذا بنظر الإعتبار أن المساعدات الأمريكية والدعم الأمريكي يجب أن يوجهان حسب الأفضلية، وأن تكون تلك الأفضليات حسب المصالح الأمريكية فقط..!
خلال مؤتمر القمة الأمريكي ـ الروسي بين الرئيس نيكسون والرئيس بريجينيف عام 1972، وبعد عودة الوفد الأمريكي الى طهران من موسكو.. لاحظ كل من نيكسون وكيسنجر من خلال مباحثاتهما في موسكو وطهران، أن نائب الرئيس العراقي آنذاك صدام حسين الذي بدأ يبرز كشخص قوي ممسك بزمام الأمور، قد بدأ يتقرب من السوفيات، هذا في الوقت الذي كان فيه الرئيس المصري أنور السادات يواجه مشكلة إخراج آلاف الخبراء السوفيات من مصر، والذين لعبوا دوراً مهما في الحضور السوفياتي في منطقة الشرق الأوسط...
كانت تلك الملاحظة بخصوص صدام مهمة بالنسبة للسياسة الأمريكية خصوصا بالنسبة لما كان يعرفه كيسنجر من معلومات عن خلفية صدام مع المخابرات المركزية الأمريكية....!!
كيف بدأ دعم وكالة المخابرات المركزية الأمريكية لصدام...؟!
يقول الملك حسين، ملك الأردن الراحل، في حديث له في سبتمبر 1963 مع الصحفي المصري والعربي البارز محمد حسنين هيكل ما يلي:
(إسمح لي أن أخبرك أنني أعرف وعلى وجه التأكيد، أن ما حدث في العراق في شباط "المقصود الإنقلاب البعثي على عبد الكريم قاسم في 8 شباط 1963" كان بتأييد كامل من المخابرات المركزية الأمريكية...!)
وعندما يؤكد شخص كالملك حسين ذلك.. فإنه يعلم ما يقول..!