في أب / أغسطس من عام 1914، بدأ دوي المدافع يسمع في أوربا والشرق الأوسط.. لقد بدأت الحرب العالمية الأولى بين بريطانيا وفرنسا وروسيا من جهة ضد ألمانيا والنمسا والأمبراطورية العثمانية (تركيا) من جهة أخرى.. وفي نوفمبر 1914، نزلت القوات الهندية بقيادة بريطانيا في نفس الموقع تماما الذي نزلت فيه قوات التحالف الأمريكية ـ البريطانية بعد 89 سنة، أي في سنة 2003 في الحرب الأخيرة على العراق، وأعني به ميناء الفاو..! وبعد السيطرة على مدينة البصرة.. ومع بداية عام 1915، بدا الجيش البريطاني بقيادة الجنرال (جارلس تاونسند) بالزحف بإتجاه بغداد..! إلا أنه في منطقة الأهوار، وخصوصا هور الحمّار واجهت تلك القوات مقاومة ضارية من العرب سكان جنوب العراق ومن بقايا الجيش التركي.. مقاومة كانت ربما أكبر بكثير من تلك التي واجهتها قوات التحالف في تقدمها نحو بغداد عام 2003...!
على الجبهة الثانية، وفي نفس السنة 1915، الى الغرب من إسطنبول، قاد الجنرال الألماني (كولمان فان دير) الجيش التركي ضد الجيش البريطاني والأسترالي في هجومهما على (غاليبولي) غرب إسطنبول ومضيق الدردنيل.. وأوقف هجومهما...!
وبالعودة الى العراق.. فإن القوات التركية واجهت القوات البريطانية على مسافة قريبة من بغداد، وبالذات في منطقة (سلمان باك) أو المدائن، حيث تمكنت القوات التركية من دفع البريطانيين مسافة 100 ميل الى الجنوب، وأعادتها الى منطقة الكوت جنوب بغداد، حيث حاصرتها هناك لمدة 140 يوما ـ إستسلم بعدها الجنود البريطانيون وعددهم 13,000 جندي في حالة من التعب والجوع، وكان ذلك في 16 نيسان / ابريل عام 1916.. مما إعتبره البريطانيون أكبر نصر يحققه (المسلمين)..! على الغرب على مدى قرون...!
في ديسمبر 1916، وبعد أن سمع وزير المستعمرات البريطاني ونستون تشرتشل، ووزير الخارجية ديفيد لويد جورج، ومن قبل جواسيسهم في المنطقة، أن المقاومة الشيعية من أهل مدينة النجف قاموا بإخراج الأتراك من مدينتهم.. توهم الإثنان أن إستراتيجية جديدة يمكن وضعها موضع التطبيق اساسها النفرة والصراع الطائفي بين السنة والشيعة، وتم إعتماد الجنرال (ستانلي مود) هذه المرة لقيادة الهجوم البريطاني لإحتلال بغداد.. ولكن الحقيقة أنه كان هناك قصور في الرؤيا البريطانية لفهم العقلية العراقية العشائرية على الأرض حين إعتمدوا على الجانب الطائفي كورقة رابحة..! تماما كما وقع في نفس الخطأ الأمريكان عام 2003 حين إعتقدوا أن وجود حكومة شيعية مرتبطة بهم في بغداد هو الضمان لكسبهم القاعدة الشعبية الشيعية.. ولا زالت أميركا تترنح بعد أربع سنوات من حملتها العسكرية...!!
بقيت المقاومة في العراق ضد البريطانيين بكلي طرفيها الشيعي والسني على أوجها في منطقة الأهوار والفرات الأوسط وبغداد وما حولها.. ولكن مع قوة الماكنة العسكرية البريطانية، إستطاع الجنرال مود من دخول بغداد في 15 آذار / مارس 1917.
كان مود وبقية قواته منهكين، كما كان داء الكوليرا قد تمكن من بعضهم.. مما أدى الى وفاة الجنرال مود، ودفن في بغداد...!
أما على صعيد السياسة، فقد صرحت بريطانيا، انها جاءت لتحرر العراق، وتزرع الديمقراطية فيه..! (وما أشبه ما حدث بالأمس بما حدث لاحقا بعد ثمانية عقود ولا يزال يحدث...!!)
في نفس الوقت، وضعت القيادة البريطانية في مصر، خطةُ لإعتماد المقدم لورنس، الذي عرف لاحقا (بلورنس العرب) ليقوم بقيادة حرب عصابات ضد الأتراك في الجزيرة العربية وبالتحالف مع العرب..! ولهذا الغرض، فقد إلتقى لورنس مع بعض المسؤوليين العرب في إجتماع في دمشق عام 1915 لتطمينهم ووعدهم بمنح الإستقلال لدولهم من الإمبراطورية العثمانية.. لقد أطلق على هذا اللقاء (بروتوكول دمشق) وتضمن نوع من الإستقلال للدول العربية، أو بالأحرى بعضها مثل الجزيرة العربية بضمنها اليمن، وسوريا، ولبنان، والعراق..!
ولكن في واقع الأمر فإن البروتوكول لم يكن يمثل وجهة النظر السياسية البريطانية الحقيقية، التي أرادت إستخدام العرب لدحر الأتراك.. والتريث في موضوع منح الإستقلال...!