في يوم من منتصف الثمانينات من القرن الماضي.. طُلبَ من دوني جورج خبير الآثار القديمة ومساعد مدير المتحف العراقي في بغداد، التوجه الى بابل بناء على أمر من رئيس الجمهورية.. وهناك وجد صدام حسين مع مجموعة من مساعديه ومرافقيه.. حيث طلب اليه صدام وضع الخطط لإعادة بناء بابل القديمة، وخصوصا قصر نبوخذنصر ومعبد (مردوخ) لكي تكون جاهزة في مهرجان بابل الذي سيقام عام 1987.. ثم إلتفت صدام وسأل دوني سؤالا محددا (كيف نعلم متى بني القصر على وجه التحديد..؟ وهل كان في زمن نبوخذنصر أم لا..؟)، فما كان من دوني إلا أن قدّم لصدام قطعة من اللبن (الطوب) القديم وعليها ختم نبوخذنصر والتاريخ وعبارة أنها بنيت لتمجيد الإله مردوخ...!
عندها قال صدام لدوني (يجب أن يظهر إسم صدام حسين والتاريخ على قطع الطوب التي ستستخدم في إعادة البناء...)
كان ذلك طلب لا يمكن ردّه، مع أن كثير من علماء الآثار في العالم قد إعترض على ذلك من الناحية الفنية والتاريخية.. ولكن الأكثر من ذلك أنه كان عمل يمثل صفعة للتاريخ التوراتي اليهودي الذي يأخذ موقفا عدائيا من نبوخذنصر بالذات ومن بابل بشكل خاص، ومن العراق بشكل عام..!!!
وقد عبرت عنه وسائل الإعلام الصهيونية، وكتب في ذلك عدد من كتّابهم.. وبدأوا يذكّرون بسبي الآلاف من اليهود واستعبادهم وموتهم وهم يعملون عبيدا في بناء بابل القديمة...!
سلسلة طويلة من الأحداث التاريخية تبناها تلمود اليهود ومعتقدهم الديني، وكان العراق القديم والعراقيون القدماء من آشوريين وبابليين محور وسبب المأساة اليهودية القديمة.. كما كان هتلر يشخّص هذه المأساة في الأربعينات من القرن الماضي وخلال فترة حكمه النازي والحرب العالمية الثانية...!
ولعله لا نستغرب الآن عندما نقرأ الشعار الصهيوني الذي وُضع وأعتُمد في المؤتمر الصهيوني الأول في بازل في سويسرا والذي يقول: (دولة إسرائيل من الفرات الى النيل)...!!
ننتقل في القسم الثاني لتناول لمحات من تاريخ الدولة العراقية الحديثة والتي لعبت الصهيونية العالمية دورا فيها، قبل أن نبدأ بإستعراض مأساة العراق اليوم والإصبع الصهيوني فيها..!
لمحات من التاريخ الحديث:
بعد أن إنتهينا في القسم الأول من إستعراض أحداث التاريخ القديمة والتي وردت في الإسرائيليات، وأحداث الصراع مع الإمبراطوريتين القديمتين الآشورية والبابلية وربط تلك الأحداث وتأثيراتها على عالم السياسة اليوم وخصوصا ما يجري في العراق. ننتقل في القسم الثاني الى التاريخ القريب والتي إبتدأت أحداثه مع بداية القرن الماضي وتفاعل تلك الأحداث لربط العقيدة الإسرائيلية والصهيونية العالمية بالمخططات التي تم تنفيذها في منطقة الشرق الأوسط ولايزال التنفيذ مستمرا ً....!
يحكي جون كولي الصحفي ومؤلف كتاب (إتحاد ضد بابل) ما يلي:
(في ربيع عام 1966 كان في رحلة جوية مع مراسل جريدة "لوس أنجليس تايمز" (جو أليكس موريس) حملتهما من بيروت الى بغداد.. كانت بغداد قد شهدت فترات عصيبة ومتوترة منذ عام 1958، حين قام إنقلاب عسكري ضد الحكم الملكي وقتل فيه الملك فيصل الثاني الذي كان لا يتجاوز عمره 23 عاما مع عدد من أفراد عائلته ومستشاريه ومنهم رئيس الوزراء نوري السعيد (70 عاما).. كان الإنقلاب دموياً بكل معنى الكلمة، حيث تم سحل جثة نوري السعيد في شوارع بغداد وعلّقت جثة الوصي على العرش وخال الملك الأمير عبد الإله على باب وزارة الدفاع. قام بذلك الإنقلاب عميد في الجيش العراقي هو عبد الكريم قاسم، الذي حكم لفترة قصيرة، ثم قتل هو الآخر عام 1963 على يد إنقلابيين آخرين من عسكريين ومدنيين من حزب البعث، حيث كان معظمهم يعيش في سوريا.. وكان ذلك الإنقلاب أول ظهور لإسم صدام حسين عضو الحزب الذي كان معروفا بالصلابة والعنف، ولكنه لم يكن آنذاك في موقع قيادي متقدم.
لم تدم تلك الفترة الإ تسعة أشهر فقط، حين إنقلب على الحكم عبد السلام عارف، أحد رجالات إنقلاب تموز 1958.. وكان قد لقي حتفه لاحقا في حادث سقوط طائرته الهليوكوبتر بشكل مثير للشكوك بأنه كان حادث مدبر..! وقد خلفه في رئاسة الجمهورية شقيقه عبد الرحمن عارف وهو شخصية ضعيفة ومسالمة قياسا لمن سبقه..
في مطار بغداد القديم، كان بإستقبالنا دبلوماسي من السفارة الأمريكية بصحبة مترجم عراقي شاب ذكر إسمه الأول وهو (عدنان)، حيث أخذنا الى فندق بغداد في شارع السعدون وسط بغداد، وأخبرنا ان لقاءاً قد حدد لنا مع رئيس الوزراء عبد الرحمن البزاز.. في صالة الفندق، ونحن نرتشف القهوة العربية، إلتفت عدنان الينا قائلا: (إن العراق الجديد سوف يدهشكم.. وستعلمون أنّا لسنا جميعا من القتلة، كما حاولت أن تصور ذلك لكم بعض أجهزة إعلامكم..)