عرض مشاركة واحدة
  #4  
قديم 19-11-2007, 12:27 PM
الصورة الرمزية * فلسطــ نجمة ــــين *
* فلسطــ نجمة ــــين * * فلسطــ نجمة ــــين * غير متصل
مشرفة سابقة
 
تاريخ التسجيل: May 2007
مكان الإقامة: أينما وجد الظلم فذاك موطني
الجنس :
المشاركات: 1,993
الدولة : Palestine
Icon1

من عز الدين القسام إلى أحمد ياسين
لا أحسب أن إطلاق اسم "كتائب الشهيد عز الدين القسام" على الجناح المسلح لحركة حماس مجرد استلهام لما تختزنه الذاكرة الجمعية الفلسطينية من ذكرى عطرة للشيخ الشهيد عز الدين القسام صاحب المبادرة الاستشهادية المبدعة في أحراش يعبد (قرب جنين) في خريف 1935، وإنما هو في تقديري يعود أيضا لاتخاذ الشيخ أحمد ياسين سلفه المجاهد قدوته في حياته وعلاقاته العامة والخاصة. إذ حين تقارن سيرة الشيخين الشهيدين تتضح أبعاد التماثل الكبير في سيرتيهما، فضلا عن توافقهما في الرؤى والمنطلقات، بل والتماثل الكبير في ظروف استشهادهما وردات الفعل التي أحدثتها أمثولتا الاستشهاد.
فكل من الشيخين عاش وسط أكثر الفئات انسحاقا في المجتمع الفلسطيني، وقدم مثال التمرد على الواقع المأزوم والتطلع لتجاوزه باعتماد الدعوة الجهادية، واضحة الإدراك لطبيعة الصراع مع التحالف الاستعماري-الصهيوني. وكل منهما شغله الشأن العام عن شؤونه الخاصة، ونجح بما أشاعه حوله من صدق الالتزام ووضوح الرؤية في استقطاب تلامذة ومريدين، الاستشهاد في يقينهم سبيل نيل إحدى الحسنيين: تطهير الأرض المقدسة من رجس الغزاة واستعادتها ما عهدته من تفاعل خلاق فيما بين البشر على اختلاف أصولهم وأديانهم ومذاهبهم، أو الارتقاء إلى سجل الخالدين بنضالهم واستشهادهم. وعلى الرغم من محدودية تلامذة القسام ومريديه إلا أن حركته تميزت كيفيا عما كان قائما في فلسطين أواسط ثلاثينات القرن العشرين من تجذر في أوساط فقراء المدن، وبما لا يكاد يتميز عن تجذر حماس في الزمن الراهن.
ولقد كان لاستشهاد القسام ردة فعل جماهيرية تمثلت في موكب جنائزي مهيب في حيفا، حيث حملت نعوش القسام ورفيقي استشهاده: يوسف عبد الله الزيباري وسعيد عطية المصري، على الأكف مسافة خمسة كيلو مترات، اشتبك خلالها المشيعون بالشرطة والجنود البريطانيين دون مبالاة بالرصاص الذي انهال عليهم وتساقط عدد من القتلى والجرحى. وإن كانت عدسات التلفزيون لم تخلد صور مشهد الأمس المهيب بمثل نجاحها بتسجيل مظاهرات الغضب على استشهاد الشيخ أحمد ياسين، التي تفجرت في معظم العواصم والمدن العربية والإسلامية. ولم تخل من القتلى والجرحى في أكثر من موقع. ولم تسلم حتى نيويورك معقل اليهودية العالمية وعرين الصهيونية، من أن يكون لها نصيبها من مظاهرات إدانة جريمة اغتيال الشيخ الشهيد، الأمر الذي لم يتيسر للقسام خارج الدائرة العربية.
ويذكر للزعيم الصهيوني التاريخي "بن غوريون" إدراكه الواعي لاغتيال القسام وتداعياته. وعن ذلك كتب "شبتاي تيبيت"، المؤرخ الصهيوني، في كتابه "بن غوريون والعرب" يقول: تأثر بن غوريون كثيرا من موت الشيخ القسام. إذ كان حتى ذلك الحين على يقين بأن أي زعيم عربي على استعداد لبيع الشعب العربي كله لمصلحته الشخصية. أما الآن فهذه أول مرة يرى فيها أن زعيما عربيا يضحي بنفسه من أجل المبدأ. لذلك سيمنح هذا الحادث العرب قوة أخلاقية غير متوفرة لديهم الآن. بعد ذلك أصبح واضحا لبن غوريون أن هذا الحادث سيجر وراءه حوادث عديدة مماثلة. وأن المئات أو الآلاف الذين على استعداد للتضحية بأنفسهم مثل القسام". كما لم يفت بن غوريون التنبيه إلى أن استشهاد القسام يضع كلا من بريطانيا والحركة الصهيونية أمام نقلة نوعية في الصراع مع عرب فلسطين ومحيطهم القومي، الذي بدأ يعطي تلميحات بأن لا مناص من الدخول في مجابهة مع التحالف البريطاني–الصهيوني.
وفيما يستدل عليه من ردات الفعل الخارجية على استشهاد الشيخ أحمد ياسين، يتضح أنها في الوقت الذي انتزعت فيه من القادة الأوروبيين الإقرار، بما لم يكن يقر به غالبيتهم من حيث مشروعية العمل الفلسطيني المقاوم للاحتلال. إذ لا معنى لقول الرئيس شيراك وغيره من أن اغتيال الشيخ ياسين مخالف للقانون الدولي إذا كان الشيخ الشهيد في نظرهم يمارس دورا إرهابيا. غير أن استشهاد زعيم حماس لم يجد على الجانب الصهيوني نظير بن غوريون في قراءة الواقع العربي، والقدرة على التحرر من النظرة العنصرية للمجتمع العربي وثقافته في استشراف تداعيات عملية الاستشهاد. فشارون تبجح بدوره في عملية الاغتيال، واستقبل إقراره بمسؤوليته التاريخية والأخلاقية عن جريمة الاغتيال بعاصفة من التصفيق في مجلس وزرائه، كما في الكنيست، والذين أيدوا الجريمة قاربوا 61 % في الاستفتاء على ذلك بينما تحفظ عليها 21 %. وفي ذلك كله مؤشر العجز عن إدارك تداعيات استشهاد القائد فلسطينيا وعربيا. وعلى نحو لا يختلف عن عجز الرئيس بوش وأركان إدارته حينما يعتبرون جريمة اغتيال مدني شيخ في مثل حال الشيخ الشهيد دفاعا مشروعا عن النفس!!!
ولم تقتصر ردات الفعل لاستشهاد القسام على الزعامة الصهيونية، وإنما كان لها وقعها شديد التأثير في أوساط الزعامة الفلسطينية في أعلى المواقع. كما يتضح من موقف جمال الحسيني، زعيم الحزب العربي والرجل الثاني في قيادة الحركة الوطنية يومذاك بعد المفتي. إذ بعد زيارته لبيت الزيباري، وما لمسه من فقر عصبة القسام وبؤس عائلاتهم، كتب في "الجامعة العربية" – صحيفة الحزب– يقول: "ثورة القسام ثورة علينا جميعا شبابا وشيوخا وكهولا. إذ يقول كل واحد منا في قلبي إيمان وفي نفسي إخلاص وعزيمة، ولكني مثقل وورائي عائلة كبيرة أخاف عليها إن خرجت أن يتخطفهم الذل والعار والموت، وليس عندي ما يدفع عوادي الزمن. يسمع القسام وصحبه هذا فيثورون عليه ويخرجون... يخرجون عمن؟ عن أعشاش فيها قطع من اللحم كأفراخ العصافير ينتظر كل منها معيله ليلقي في منقاره ما يسد جوعه ويروي عطشه. فيندفع القسام وصحبه من تلك الأعشاش لتثبيت المبدأ، وإحقاق الحق، واعلاء شأن الإيمان. ونحن نرى منهم ذلك لا يسعنا إلا أن نشعر بتبكيت الضمير واحمرار الوجوه، فندعو الله أن ينير قلوبنا بهذا الإيمان".
ويقينا لو أن جمال الحسيني مد الله في عمره، وأتاح له زيارة بيت الشيخ أحمد ياسين بعد استشهاده، لما اختلف قوله عما كتبه عقب زيارته بيت الزيباري، رفيق القسام في استشهاده. وإن كنت أشك بأن غالبية سكان القصور من خلفاء الحسيني في الصفوف القيادية الفلسطينية الأولى لم تدر في خلدهم، وهم يشاهدون حال بيت الشيخ الشهيد، بعض الذي عبر عنه زعيم الحزب العربي ولا شعروا بتبكيت الضمير، ولا أحمرت منهم الوجوه، ولا دعوا في سرهم أن ينير الله قلوبهم بمثل الإيمان الذي كان يستبطنه خليفة القسام.
وحين طوق القسام وصحبه في أحراش يعبد، قرب جنين، صباح الاثنين العشرين من نوفمبر/تشرين الثاني سنة 1935 بنحو 400 شرطي إنجليزي وعربي تصحبهم عناصر من الهاجناه الصهيونية، وطلب إليهم الاستسلام حقنا لدمائهم، قرر الشيخ المجاهد وصحبه صنع أمثولة استشهادية، تشكل رافعة للحراك الوطني وتنتشله من الركود الذي فرضته عليه نزاعات رموزه القائدة، وعليه خاضوا معركة غير متكافئة من حيث عدد الرجال وكفاءة السلاح، فاستشهد القسام وصاحباه، وألقي القبض على جريحين منهم وخمسة آخرين، فيما نجح الشيخ فرحان السعدي وبقية المجاهدين النفاذ من الطوق المحكم بأعجوبة ليشكلوا نواة عصبة القساميين الذين قادوا فصائل الثورة بعد بضع شهور.
ولم يختلف المشهد كثيرا حين توجه الشيخ أحمد ياسين فجر الاثنين الثاني والعشرين من مارس/آذار الجاري لأداء صلاته في المسجد المجاور لبيته، وهو يعرف أن العدو يترصده بطائراته في السماء وعملائه على الأرض، كما قال في أكثر من لقاء تلفزيوني. ولكنه لم يتردد في الخروج، ولا آثر السلامة بالبقاء رهين بيته تحسبا من عواقب الظهور لما لم يكن يجهل انه يترصده. ولكنه كان على يقين تام بأنه مشروع شهيد منذ وضع اللبنة الأولى لمنظمة حماس، وأنه ليس بأفضل من الشباب والصبايا المتسابقين على درب الاستشهاد.
ويقينا أن الواقع بكل أبعاده الفلسطينية والعربية والإقليمية والدولية هو اليوم مختلف كيفيا عما كان عليه يوم استشهد القسام وشكل استشهاده نقلة نوعية في الحراك الوطني الفلسطيني، تمثلت بتفجر ثورة 1936 – 1939 والدور القيادي الذي شغله القساميون فيها. والسؤال المحوري والحال كذلك هل سيشكل استشهاد الشيخ أحمد ياسين مثل تلك النقلة التاريخية، أم أن ذلك صعب تحقيقه في زمن القطبية الأمريكية والعربدة الصهيونية المنفلتة من كل عقال؟
وليس ينكر أن الأمة العربية تبدو لكثير من المحللين الموضوعيين فاقدة المنعة، وأن قدرتها على رفد المقاومة الفلسطينية لا تجاوز التعاطف المعنوي، الذي تجلى في مظاهرات السخط على اغتيال الشيخ الشهيد. كما أن المجتمع الفلسطيني في الأرض المحتلة لا يعاني فقط من محدودية إمكانياته وقدراته والحصار المفروض عليه حتى من عمقه العربي والإسلامي، وإنما أيضا من افتقاده استراتيجية إدارة الصراع، ووحدة القيادة، وتعدد الرؤى ووجهات النظر، وعمق وسعة الاختراقات الأمريكية والصهيونية، فضلا عن الضغوط متعددة الهويات والجنسيات. غير أن في هذا الواقع المأزوم أكثر من معطى جدير بالاعتبار.
وأول هذه المعطيات التمايز الكيفي بين ظرف استشهاد الشيخ ياسين عن ظرف استشهاد الشيخ القسام، والذي له دلالته على واقع المقاومة غداة استشهاد الشيخين. وفي القراءة المقارنة ألاحظ أنه حين توجه القسام وصحبه إلى أحراش يعبد لم يكن يجهل حقائق الواقع المأزوم، وما كان يستهدف تفجير الثورة كما ذهب إلى ذلك العديد من مؤرخي سيرته. وإنما كانت غايته محاولة بعث الحياة في الحراك الوطني، الذي ران عليه الركود في أعقاب مظاهرات سنة 1933 نتيجة احتدام نزاعات رموزه القائدة ومدعيه القيادة. وذلك برغم انعدام التناقضات العدائية فيما بينها لكونها جميعا تنتسب لذات الشريحة الاجتماعية وتتقدم لدى غالبيتها الساحقة مصالحها لدى سلطة الانتداب. فكان اليأس من الركود المخيم والمأزق القائم حافز الشيخ القسام لصنع أمثولته الاستشهادية.
وبالمقابل لا يختلف محللان موضوعيان على أن دوافع شارون لارتكاب جريمة اغتيال الشيخ أحمد ياسين تتمثل أولا بإدراكه وأركان الجيش الصهيوني عجز آلة حربهم بكل جبروتها عن كسر إرادة المقاومة لدى شعب الصمود والعطاء. وتتمثل ثانيا في تصورهم إمكانية صنع حادثة تنتشل التجمع الاستيطاني العنصري من المأزق متعدد الأبعاد الذي دفعته إليه انتفاضة تمتلك معينا لا ينضب من الاستشهاديين والاستشهاديات. وتتمثل ثالثا في محاولة اجهاض التطور النوعي في الأداء المقاوم الذي جسدته عملية اسدود البطولية وما مثلته من تقدم متنام في عمل كتائب الشهيد عز الدين القسام.
فاليأس في حال الشيخ القسام كان عربيا، وموضوعه الركود المخيم على المجتمع الفلسطيني. فيما اليأس في حال الشيخ ياسين إنما هو صهيوني يتصل بالواقع المجتمعي المأزوم على مختلف الصعد. فضلا عن أن القسام لم تخلفه مؤسسة ولم تكن المقاومة في زمانه بأكثر من أحلام تداعب خيال نفر محدود من العمال الفقراء، والذين لم يكن لهم أدنى اعتبار في نظر صناع قرار الحركة الوطنية الفلسطينية يوم ذاك. والتحديات في زمن عصبة القسام لم تكن بأقل مما تواجهه حماس هذه الأيام. الأمر الذي يعني أن احتمالات تحقق النقلة النوعية المأمولة واعدة، وإن كان على المتطلع لاستشراف احتمالات المستقبل أن يأخذ في حسبانه كامل أبعاد المشهد الفلسطيني،
والتي يمكن استعراضها بإيجاز:
فعلى صعيد حماس يحسب في ميزان قدراتها نجاحها في ملء الفراغ القيادي بسهولة ويسر، وما تجلى من وئام القادة الذين تمرسوا بالعمل في حياة الشيخ المؤسس والمرشد الروحي. كما يحسب في ميزان قدراتها نجاحها في ضبط انفعالات عناصرها بحيث لم تقدم على ما كان يتوقعه غير باحث من اندفاع في عمليات ثأرية تكشف العديد من عناصرها في وقت هي غير مستعدة فيه بينما العدو في كامل استعداده، بحيث يتمكن من تحقيق أكثر من ضربة ناجحة. وبعملية ضبط النفس برهنت القيادة الميدانية لحماس على أنها تمتلك كفاءة تحديد نوعية وزمن عملياتها المؤكدة الوقوع.
وعلى صعيد فصائل المقاومة الأخرى يستدل من البيانات الصادرة عنها، أن هناك تحالفا عضويا قائما فيما بين مختلف فصائل المقاومة، وإجماعا على الالتزام بخيار المقاومة، واستعدادا لمواصلة السير على درب الكفاح والاستشهاد، وأن تعدد الفصائل والانتماءات لم يعد مقلقا طالما أن التنافس بات مجاله الوحيد الأداء الأكثر كفاءة في مواجهة العدو.
وعلى الصعيد المجتمعي أوضحت مظاهرات مختلف المدن، والصدامات المتوالية مع قوات العدوان الصهيوني. دون مبالاة بتساقط الشهداء والجرحى، ولا إقامة أدنى اعتبار لتهديدات شارون والإجماع الذي حققه من حوله، أن خيار المقاومة إنما هو الخيار الأكثر شعبية والأوسع قبولا في الشارع الفلسطيني على ارض المواجهة، فضلا عن الأثر المعنوي الذي تركته مظاهرات السخط التي تفجرت في أكثر من عاصمة عربية وإسلامية.
__________________

أَطْـــ ي َــافْ المَـــ جْ ـــد

حَمَامَةً تَحْمِلُ رِسَالةً لِكَيْ تُوَّصِلَ تَارِيخَ أَرْضَ الرِبَاطْ
عَبْرَ نَافِذَةِ العَالَمْ ..لِنَجْعَلَ مِنَ الأَلمْ أَمَلْ
رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 26.86 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 26.23 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.35%)]