من تجاربي في مجال الرقية الشرعية ( الجزء 2 ) :
بسم الله
من تجاربي في مجال الرقية الشرعية
أسجل في هذه الرسالة البعض من تجاربي البسيطة في مجال الرقية الشرعية التي مارستها ( وما زلتُ ) لما يزيد عن 22 سنة.في هذه الرسالة أسجل- للاختصار- القليل جدا (على سبيل المثال لا الحصر) من النماذج المختلفة للمرضى الذين يزورونني أو أزورهم وكذا من الحوارات التي تتم أحيانا بيني وبين المريض أو أهله . وأحكي كذلك البعض من قصص وحكايات المرضى التي فيها جهل فضيع أو علم غزير, وفيها غباء زائد أو ذكاء خارق , وفيها سذاجة مفرطة أو تحايل كبير كتحايل الثعلب الماكر, وفيها الإيمان القوي جدا بالله واليوم الآخر أو التعلق الزائد بالدنيا , وفيها الثقة الهائلة بالرقية كوسيلة وحيدة للتخلص من السحر أو العين أو الجن أو الإنكار لأي شيء غيبي والاستهزاء بالرقية والرقاة , وفيها التواضع الجم أو التكبر الممقوت , وفيها تعظيم العقل والمنطق أو تجاهلهما والتعامل مع الحياة كالمجانين , وفيها ... وفيها....
أحكي عن كل ذلك وغيره من خلال تجربتي الخاصة مع الحياة والناس , وأسأل الله أن يجعل كتابتي صوابا وخالصة لوجهه الكريم . إن أصبت فمن الله وإن أخطأت فمن نفسي ومن الشيطان فأستغفر الله على ذلك .
1- توقفُ الإنسان عن الكلام لأسباب نفسية : هذا ممكن جدا ولأسباب نفسية مختلفة.وقد يفعل الشخص ذلك طواعية وقد يحدث له ذلك بالرغم عنه. والطبيب الكيس الفطن هو الذي ينتبه إلى الفرق بين حالة وأخرى , ويعالج كل حالة بما يناسبها . ومما وقع لي في عالم الرقية أن بنتا عمرها حوالي 15 سنة أتى إلي بها أهلها (حوالي عام ... م ) من ولاية من الولايات الجزائرية بعد أن عرضوها على الطبيب وبقيت مريضة ولم تُشفَ . سمعتُ ممن جاء بها من أهلها , ثم سألتُـها فأجابت على أسئلة بالإشارة ولم تجب البتة على أسئلة أخرى . رقيتُها في نفس الجلسة فلم يظهر لي أي أثر للسحر أو العين أو الجن , ثم سألتُ وسألتُ فعرفت في نهاية جلسة دامت حوالي ساعتين أنه وقعت خصومة بين هذه الفتاة وأختها الصغرى ورأت بأن أهلها تعاطفوا مع الأخرى (كما هي عادتهم ) ولم يتعاطفوا معها , بل إن بعضَهم سخرَ منها , فلم تتحمل الصدمةَ وعزمتْ على أن تقوم بهذه المسرحية التي استمرت أياما طويلة , وذلك حتى تُـلفتَ الانتباهَ إليها وتجلبَ الاهتمام بها . وعندما أعلنتُ للأهل عن خلاصتي رأيتُ بطرفي العين علاماتِ الغضب بادية على وجهها لأنني كشفتُ عن لعبتها!. نصحتُ الأهل بأن يتركوها وشأنها وأن يُعرضوا عنها حتى تتكلمَ من تلقاء نفسها في أقرب وقت بإذن الله , ونصحتُـهم كذلك بالعدلِ بين الأولاد الذي أوصى به ربنا ونبينا وديننا . غادرت الفتاةُ وأهلُها بيتي قبيلَ صلاة العصر , وفي المساء من نفس اليوم ( قبيل العشاء ) اتصلَ بي أهلها عن طريق الهاتف وأخبروني بأنها تكلمتْ أخيرا وبأنها بخير والحمد لله رب العالمين .
2- المرة الوحيدة التي أخذتُ فيها دراهمَ من مريض رقيتُه : أنا لم آخذ منذ أن بدأت أمارسُ العلاج بالقرآن عام 1985 م وحتى الآن
( 2007 م ) شيئا على الرقية الشرعية . لقد رقيتُ خلال هذه الفترة آلاف الأشخاص فلم آخذ ( وأتمنى أن لا آخذ في المستقبل ) ولو سنـتيما واحدا أو نصف سنتيم على الرقية من أحدٍ ممن رقيتُ . وأقول بين الحين والآخر لمن أرقيهم : " إذا سمعتم أحدا قال عني بأنني أخذتُ الأجرة على الرقية في يوم من الأيام فاعلموا أنه إما مخطئ أو كاذب ". وأنا لا آخذ الأجر على الرقية سواء جاء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة , وسواء طلبتُه أو أعطي لي بدون أن أطلبه . وسواء أعطي لي أنا بالذات أو أعطي لزوجتي على شكل هدية أو أعطي لأولادي كذلك على اعتبار أنه هدية (!) .
وكما يقال : " لكل قاعدة استثناء ", وأنا الآن أحكي هنا الاستثناء , أي الحالة الوحيدة التي أخذتُ فيها أجرا على الرقية . جاءتني – منذ سنوات - أختٌ من الأخوات الجزائريات , مع زوجها , جاءت – في الصيف - من دولة أوروبية إلى الجزائر من أجل أن أرقيها , بعد أن يئستْ من الدواء الطبي الاصطناعي الكيميائي (على يد أطباء كبار من هذه الدولة الأجنبية ) الذي لم يُفدها . رقيتُـها , وكان من توفيق الله أن كانت الرقيةُ سببا في شفائها من مرض استمرت مدته سنوات . والطريفُ في هذه القصة أن المرأة عندما كانت خارجة من بيتي – بعد الرقية - هي وزوجها حاولت أن تعطيني دراهم فلم أقبلْ ورفضتُ بقوة , فتحايلتْ على ولدي ( عمره في ذلك الوقت حوالي 7 سنوات ) وأعطته 10000 (عشرة آلاف ) سنتيما , وهو مبلغ زهيد جدا كما يعرف الجزائريون , وهو لا يكاد يكفي من أجل غذاء بسيط لشخص واحد في مطعم متواضع . ولأن الزوجةَ والأولاد يعرفون وصيتي وأمري الجازم ( بأن لا يقبل واحدٌ منهم ولو سنتيما واحدا من مريض أو من أهل مريض مهما كانت الظروف ) , فإن الولدَ جرى لأمه ( لأنني خرجتُ مع المريضة وزوجها إلى السيارة لأودعهما ) وأخبرها بالأمر فقالت له " إذهبْ بسرعة وأخبر أباك بالأمر! ". ولكن لما جاءني الولدُ ليخبرني كانت السيارةُ قد تحركتْ بالزوجين . لمتُ زوجتي كثيرا وتشددتُ معها في اللوم – حتى أبكيتُها - مع أنها معذورة إلى حد كبير . وحرتُ في أمري " ماذا أفعل , وليس عندي وسيلة لأتصل بها بالزوجين لأُرجعَ إليهما الدراهمَ , ولم يبق لهما إلا أيام قليلة ليرجعا إلى مقر سكناهما في أوروبا . ماذا أفعل ؟!. لا أدري !". سلمتُ أمري لله . وبعد عام كامل أرادتْ نفسُ المرأة أن ترجعَ إلي لتشكرَني ولأرقيها مرة ثانية لتطمئن أكثر, مع أنها كانت قد شفيت تماما - والحمد لله - من مرضها الذي كانت تشتكي منه لسنوات . عندما انتهيتُ من الرقية , وكانت المرأة تُـعِدُّ نفسَها للخروج من بيتي هي وزوجها , قلت لها " على خلاف العادة : أنا اليوم من أعطي الدراهمَ للمريض وليس العكس . خذي هذه 10000 سنتيما يا هذه ! ", قالت متعجبة " لماذا ؟! " قلتُ لها " ألا تذكرين هذا المبلغ ؟! " , فأخذتْ الدراهمَ وابتسمتْ – هي وزوجُها - وتعجبتْ وحمدتْ ربَّـها .
ثم قال لي زوجها " هذه نكتةٌ جميلة يا أستاذ : لقد أصبحَ الراقي هنا هو الذي يدفعُ المالَ للمريضِ !" , فقلتُ له
" قد تكون نكتة , ولكنها نكتة فيها أكثر من عبرة , والحمد لله رب العالمين" .
نسأل الله أن يرزقنا القناعة , وأن يثبتنا على الحق ما حيينا , وأن يُرغِّبنا فيما عنده وأن يُزهِّدنا فيما عند الناس آمين .
3 - إياكم والمشعوذين !: أذكر أن شابة عمرها 18 سنة , مصابة بجن رقيتها منذ سنوات وتعطل الشفاء قليلا , وعوض أن أرقيها مرة أخرى أو يرقيها شخص آخر, تعجَّل أهلها في الأمر وأتوا لها بمشعوذ وبدا لهم بعدها بأنها شُفيت تماما وإن كان قد بقي في نفسي شيء جعلني أشك في شفائها الفعلي . لقد لمتُ عندئذ أهلها لأنهم طلبوا العلاج بالطريقة غير الشرعية . ومرت حوالي 3 سنوات على ذلك , ثم جاءني أهلها واشتكوا بأن ابنتهم التي كانت شديدة المحافظة على الصلاة في وقتها لم تُصلِّ ولو صلاة واحدة منذ أن أتوا لها بذلك المشعوذ ! . قلتُ لهم في الحين : الآن زال العجبُ , لأنني الآن عرفتُ السببَ . إن الشياطينَ التي تتعامل مع المشعوذ يمكن أن تكونَ قد طلبتْ ممن يؤذي الشابةَ بدنيا ونفسيا أن يبتعدوا عنها في مقابل أن يمنعوها من الصلاة ( عماد الدين ) , فاعتبروا يا أولي الألباب! .
4 - عسكر كامل يسكن في جسدك ! : أذكر أن شابة ( والذي ظهر لي فيما بعد , بعدَ طول الحديث معها وبعد أن رقيتها أنها مريضة نفسيا . وهذا هو الذي أكده أكثر من طبيب قبل ذلك . والمرض كان بسيطا لكن الراقي الجاهل عقَّدهُ ) عمرها 20 سنة اشتكى أهلها من أنها تغضب وتثور لأتفه الأسباب , وتتكلم كثيرا , وتحب العزلة , وتسمع القرآن والدروس الدينية في البيت بصوت مرتفع يؤذي أهل البيت وكذا الجيران , وتقلق فوق اللزوم , وتريد أن تخرج من البيت لتذهب إلى أماكن مهجورة وخالية , ومن أنها عنيفة ومستعدة لتتشابك مع أي كان يعترض هوى من أهوائها , و...سألتها : "ما بك ؟ " فقالت والألم يعصر قلبها :" وكيف لا أكون كما قال لك أهلي , وقد ذهبتُ عند الراقي ( فُلان ) فأخبرني في نهاية الرقية بأن معسكرا كاملا من الجن يسكن في جسدي ! ". ثم أضافت قائلة : "وإذا كان الأمر كما قال بالفعل فما فائدة بقائي مقيمة مع الإنس ؟!. إن السكن مع الجن أولى لي من السكن مع الإنس !!!". جلستُ معها حوالي ساعة , سمعتُ خلالها منها وقدمتُ لها النصائح والتوجيهات المناسبة وبسطتُ لها مرضها , ثم رقيتُـها ( وأنا مقتنع بأنها لا تحتاج إلى رقية ) . وخلال مدة قصيرة – وربما كذلك مع دواء الطبيب النفساني - شُفيتْ والحمد لله رب العالمين .
نسأل الله الهداية لكل الرقاة , وكذا العلم والوعي لكل الناس , حتى لا ينخدعوا بالرقاة الجهلة والكاذبين والآكلين لأموال الناس بالباطل .
يتبع :...
__________________
|