خنادقِ الحرب الباردة..أمريكا وروسيا والصراع المتجدد 3/3
19-5-2007
من الواضح أن الشعور الأوروبي بمخاطر "الحرب الباردة"، التي بدأت من جديد تطارد الاتحاد الأوروبي، بعد الخلاف الناشئ بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا، بسبب اقتراح نشر الدرع الصاروخي الأوروبي الذي يحاصر حدود روسيا، أخذ منعطفا جديدا، قد يقلب بعض المسلمات التي كانت سائدة في فترة معينة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وسقوط جدار برلين.
وقد اتفقت العديد من الدول الأوروبية مع تصريحات غورباتشوف، عندما قال بأن الخلاف حول الدرع الصاروخي القائم، هو من "أجل التأثير والهيمنة لطرف على حساب الطرف الآخر"!!
وعلى الرغم من كل الكلام المعسول والتصريحات المتفائلة بخصوص القيم التي تربط الطرفين الأمريكي والأوروبي، والنظم الاجتماعية المماثلة، فإن الولايات المتحدة لم تعد تساند بشكل واضح وجريء مشروع التكامل الأوروبي في جميع الأصعدة.
صحيح أن الولايات المتحدة، كانت ـ ولمرات عديدة ـ من مروجي مشروع التكامل والاندماج الأوروبي، غير أنه وبعد بعض الإخفاقات التي أصابت الحلم الأوروبي في السنوات الأخيرة، خاصة عقب رفض الدول الأوروبية الأساسية لمشروع الدستور الأوروبي، فإن واشنطن بدأت تتراجع هي الأخرى عن فكرة التكامل والاندماج الأوروبي، وأصبح الأمر عندها ليس من الأولويات "الإستراتيجية" للسياسة الأمريكية الخارجية.. في حين، يبقى الأوروبيون مضطربين بشأن "استقلالية السياسة الخارجية" الأمريكية، في المسائل الشائكة التي تتصل بالأمن والتسليح.
من الناحية الأخرى، تواجه أوروبا أيضا أزمة شخصية حادة، حيث إن إعلان برلين، الذي تم تبنيه الشهر الماضي إثر فعاليات الاحتفال بالذكرى الخمسين للمجموعة الاقتصادية الأوروبية، نسي أو تناسى عن قصد الأهداف التي تم من أجلها إقامة هذه المجموعة، وهي ترجمة علاقات أوروبية – روسية سليمة، تخدم مصالح الطرفين بعيدا عن التدخلات الأمريكية وضغوطاتها..وكل هذا يعني، أن لا أحد من الطرفين الأمريكي أو الأوروبي، يعرف ما يريد الجانب الآخر.
وكما هي عليه الأمور، فإنه من المستبعد جدا تمديد أو استبدال اتفاقية التعاون والشراكة الموقع عليها عام 1999م بين الاتحاد الأوروبي وروسيا، التي تنتهي آجالها في نهاية هذه السنة 2007م، باتفاقية جديدة أخرى، نظرا للتدخلات الأمريكية الفاضحة في الشؤون الأوروبية، خاصة إذا كان الأمر يتصل بدولة روسيا.
* سباق التسلح إلى أين؟
بعد مهمة وزير الدفاع الأمريكي روبرت غايتس إلى موسكو، حذر نائب وزير الدفاع الروسي سيرجي كيسيلياك، بأن الخلاف حول اقتراح نشر الدرع الصاروخي الأوروبي، قد يثير عقبات حقيقية من أجل تطوير العلاقات الثنائية الروسية – الأمريكية على المدى البعيد. وذهب وزير الدفاع الروسي أناتولي سيرديوكوف أبعد من ذلك، حين صرح قائلا: "الموقع الروسي حول هذه القضية معروف ولم يتغير، حيث إن النظام الدفاعي الصاروخي الاستراتيجي عامل مربك وجدي، ويمكن أن يؤثر على الأمن الإقليمي والعالمي".
فإشارة سيرديوكوف إلى "الأمن العالمي" يعطي بعدا آخرا مختلفا إلى الخلاف القائم حول الدفاع الصاروخي. فالخبراء الروس، يشعرون أن انتشار النظام الدفاعي الصاروخي الأوروبي، وبالقرب من الحدود الروسية، هي الخطوة الأولى في الإستراتيجية الأمريكية، للتغلب على الردع الإستراتيجي المتبادل بين الدولتين العظمتين في فترة الحرب الباردة.
كما أن الروس، يرون أن الانسحاب الأحادي الجانب لواشنطن من معاهدة منع انتشار الصواريخ الباليستية في 1972م، شكل جزءا من سلسلة من الأعمال الأحادية الجانب لتعزيز جانب القوة الهجومية للولايات المتحدة (ليس فقط النووية، ولكن أنظمة الهجوم الدقيقة غير النووية أيضا) وقواعد الدفاع الفعالة، ومن ضمن ذلك الأنظمة الدفاعية الصاروخية. وباختصار، يعتقد الروس أن الولايات المتحدة الأمريكية، تستهدف إلى استبدال "ميزان الرعب" لصالحهم، مع التفوق العسكري الكلي.
إضافة إلى ذلك، يعتقد الخبراء الروس أن إدارة الرئيس جورج بوش، أثارت حالة من التحكم الانتقائي في الأسلحة. ولقد كتب في الشهر الماضي أبريل/ نيسان، في المجلة الروسية المتخصصة (Nezavisimoye Voyennoye Obozreniye)، المدير المؤثر في معهد الشؤون الأمريكية والكندية في الأكاديمية الروسية للعلوم، الأكاديمي سيرجي روغوف، في مقالة طويلة، أشار فيها إلى أن إدارة بوش تقوم بإلغاء كل المعاهدات والاتفاقيات التي تحد من الأسلحة بشكل انتقائي، مما يعتبر تدخلا سافرا "أحاديا" من الولايات المتحدة من أجل وضع أسس لـ"تنظيم عسكري متطور"، يخدم سياسات واشنطن العسكرية والهجومية في المنطقة.. وبمعنى آخر، كما كتب روغوف، فإن إدارة بوش "تعمل على تعزيز التفوق العسكري الأمريكي، مع إمكانية الإبقاء على ما يسمى بحالة (الردع) الروسي النووي، لكن ضعيفة"!!
على أية حال، أشار روغوف إلى أن "انتشار الأسلحة المتمركزة في الفضاء، لا يمكن أن تتحقق إلا في وقت سابق في النصف الثاني من العقد المقبل. وإجمالا، فإن النظام الدفاعي الصاروخي الإستراتيجي، متعدد الطبقات، المخصص لاعتراض الصواريخ الباليستية والصواريخ الهجومية وكل الأنظمة الدفاعية والهجومية المختلفة، المتمركزة في البر والبحر والفضاء، ستتشكل خطوطه العريضة العامة في 2020 م، وعلى الأغلب ستطول عملية تشكيل عملية النظام الدفاعي الصاروخي الاستراتيجي المتعدد المهام إلى منتصف هذا القرن. ونحن – أي روغوف – سنكرر القول مرة أخرى، بأن كل هذا المخاض الإستراتيجي العسكري سيتطلب حل العديد من المشاكل التقنية الصعبة جدا، بالإضافة إلى زيادة معتبرة في التمويل".
لاحظ روغوف، أن موسكو عندها نظامها الدفاعي الصاروخي الخاص، مع 100 صاروخ اعتراضي، وS-300 وS-400، للدفاع الجوي، لها القدرة على اعتراض الصواريخ والقذائف. وبكلمة أخرى، فإن موسكو مطمئنة، بأنه يمكنها أن ترعب واشنطن وحلفائها من "دمار متبادل"، سيسود على الأقل خلال السنوات العشر القادمة، في العلاقات الروسية – الأمريكية.
ويجادل روغوف، أنه بدلا من الاعتماد على ردود الأفعال، أو بدون تفكير للعواقب الكارثية التي قد تنجر إليها القوتين العظميتين، من خلال اللجوء إلى " سباق تسلح مدمر"، فإن على روسيا أن تضمن وبشكل هادئ ومتبادل تعزيز الخطوات العسكرية الدبلوماسية والسياسية والتقنية، في الميزان الاستراتيجي الشامل مع الولايات المتحدة "تستند على الحفاظ على الردع النووي المتبادل".
من هذا المنظور، اقترح روغوف عدة إجراءات في مقدور روسيا التعامل معها بإيجابية، والتي تهدف إلى التعجيل ببرنامجها لتجهيز قوتها الردعية النووية الإستراتيجية، من خلال أنظمة أسلحة متطورة قادرة على اختراق النظام الدفاعي الصاروخي الأمريكي.
واقترح بأن الصواريخ من صنف (The Road-Mobile Topol-M ICBMs)، يجب أن تجهز في العربات من صنف MIRVs maneuverable re-entry vehicles. ويجب أيضا على روسيا أن تركز على صواريخ الكروز الجوية الدقيقة في الإصابة (ALCMs)، القادرة على تدمير وسائل الدفاع الصاروخية.
إن أسطول روسيا المتكون من الصواريخ الدفاعية الإستراتيجية الشديدة التدمير 95MS وTu-16، وسرب من الصواريخ المتوسطة من نوع Tu160ـ 22M3، قادر على مواجهة أي مفاجأة محتملة في سياق صراع المصالح والقوى والنفوذ، وأن على أمريكا وحلفائها التفكير جديا في أي مغامرة غير محتسبة العواقب ضد روسيا قد تدفع فيها ثمنا غاليا.
وجادل روغوف أيضا، بأن هذه الإجراءات ستكون مربحة للغاية لإدارة الكرملين، طالما أن الإنتاج الشامل لـICBMs وALCMs وبعض الوسائل العسكرية المكملة، لن يكلفها، مقارنة بالولايات المتحدة، في تطوير النظام الدفاعي الصاروخي، سوى 1 بليون في السنة.
ودعا روغوف، إلى "مراجعة" لاتفاقيات ومعاهدات الحد من التسلح، الموروثة منذ عهد النظام السوفيتي السابق، حتى يتم تقييم التجربة بكل إيجابياتها وسلبياتها، بكيفية تخدم المصالح الروسية "المتعثرة" من خلال الحفاظ عليها في شكلها الحالي، الذي يتوافق مع التغيرات التي حصلت في العالم منذ إقرارها في فترات الحرب الباردة.
وبعد المحادثات التي أجراها وزير الحرب الأمريكي روبرت غايتس مع نظيره الروسي، قال روغوف إن روسيا والولايات المتحدة "ما زالا رهائن التخويف النووي المتبادل...نحن على حافة حرب باردة جديدة إذا نظرنا مباشرة إلى علاقاتنا المعاصرة". وأضاف: "لا أستبعد أنه في الانتخابات الرئاسية الأمريكية في 2008م، فإن كلا من الحزبين الديمقراطي والجمهوري، قد يقدمان مشروع أو توصية لاحتواء روسيا سياسيا".
* الحرب الباردة الجديدة:
حذرت موسكو مرارا وتكرارا في الفترة الأخيرة، أنها لن تقبل بموضوع نشر الدرع الصاروخي الأوروبي، وأنها لن تقبل بهذه التجاوزات، وأنه حان الوقت على واشنطن للتفكير جديا بضرورة اعتماد مبدأ التشاور في القضايا الجوهرية التي تهم الطرفين، خصوصا القضايا العسكرية والإستخبارية.
فهناك استياء كبير وعميق من توسع حلف شمال الأطلسي على حساب النفوذ الروسي في أوروبا الشرقية، وفي منطقة القوقاز، وتجاوز الوعود التي بذلت لموسكو، بأن هذا الأمر لن يحدث مرة أخرى، غير أن هذا لم يحدث في الواقع.
إن تجاهل مخاوف روسيا الشرعية من الانتشار الأمريكي في الساحة الأوروبية مبرر، إذا أخذنا بعين الاعتبار توقيع الرئيس الأمريكي جورج بوش على القانون الجديد في 10 أبريل/ نيسان، تحت عنوان "حق تعزيز حرية منظمة حلف شمال الأطلسي 2007م" (The NATO Freedom Consolidation Act of 2007)، الذي يحث دولا، مثل ألبانيا وكرواتيا وجورجيا ومقدونيا وأوكرانيا، على الدخول في حلف شمال الأطلسي، ويخول لهم الاستفادة من التمويل الجديد والتدريب الجيد والأسلحة والأجهزة العسكرية.
كما تقوم الولايات المتحدة الأمريكية بتنفيذ سياسة تقليص النفوذ الروسي في الجمهوريات السوفيتية السابقة. ففي نفس اليوم الذي تم فيه توقيع الرئيس الأمريكي على القانون الجديد "حق تعزيز حرية منظمة حلف شمال الأطلسي 2007"، صرحت وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس إلى وسائل الإعلام، بأن واشنطن "حاولت أن تمرر بوضوح رسالة إلى روسيا، مفادها أن أيام [كومنولث الدول المستقلة] ـ الدول الأوروبية الشرقية الاشتراكية والشيوعية ـ عندما كانت جزءا لا يتجزأ من الاتحاد السوفيتي السابق، قد ولت، ولا رجعة لها في المستقبل".
وبنهاية 2007م، فإن جمهورية جورجيا تستعد لتبدأ فعلا برنامج عضوية منظمة حلف الأطلسي، وقال الرئيس الجيورجي ميخائيل ساكشفيلي "نتوقع الحصول على رتبة "مرشح فعلي"، للانضمام إلى حلف شمال الأطلسي رسميا، خلال الشهور القليلة القادمة".
يبقى أن اهتمام واشنطن بالأوضاع القائمة في مقاطعة صربيا، ورغبة كوسفو الاستقلال عن المقاطعة، جزء من التوتر القائم بين موسكو وواشنطن. وقد هدد الموظفون الأمريكيون في بعثة تقصي الحقائق، بأنه رغم المعارضة الروسية، وبغض النظر، عن موافقة أو معارضة مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، فإن واشنطن ستمضي في قرارها بالاعتراف باستقلال كوسفو.
وهناك أيضا موضوع آخر للخلاف الأمريكي ـ الروسي، يتمثل في الاضطراب السياسي القائم منذ شهور في جمهورية قرغيزيا، فعدم استقرار قرغيزيا، عزز أهمية لروسيا، طالما أن "بيشكيك" تتوقع استضافة القمة القادمة لمنظمة تعاون شنغهاي.
كما أن تغيير القيادة السياسية في تركمنستان، فتح فرصة سانحة للولايات المتحدة للتقرب إلى عشق آباد، ما أثار حفيظة موسكو. فالزعيم التركماني الجديد Gurbanguly Berdymukhammedov، اختار العربية السعودية في زيارته الأولى إلى الخارج.
وعرض الاتحاد الأوروبي على القيادة التركمانية الجديدة، مساعدة مالية قدرها 1.7 مليون يورو (2.3 مليون دولار) من أجل القيام بدراسة جدوى مشروع أنبوب غاز في منطقة القوقاز، الذي قد يُغني الأوروبيين من الغاز التركماني، الذي سيصل عن طريق روسيا.
لا يخفى عند المحللين الإستراتيجيين، أن الولايات المتحدة تستغل الاتحاد الأوروبي لتحقيق مآربها، السياسية، الاقتصادية، العسكرية والطاقوية، وتعمل الإدارة الأمريكية باستمرار وبدون هوادة من أجل تخفيف، ولم لا إزالة، قبضة روسيا في جنوب القوقاز، جورجيا وآذربيجان وأرمينيا.
والسؤال الذي يطرح بقوة: هل ستقبل موسكو هذا الوضع؟ وهل ستسكت عن التجاوزات الأمريكية؟ وهل سنشهد في القريب العاجل صراعا متجددا بينهما؟
لكن بوسعنا أن نقول في الختام، إن خنادق الحرب الباردة قد تم حفرها، وأن لا موسكو ولا واشنطن بإمكانهما هذه المرة التزام العقل والمنطق..
المصدر :
مجلة العصر