في خنادقِ الحرب الباردة..أمريكا وروسيا والصراع المتجدد ـ 1 ـ
بقلم يوسف شلي
01-5-2007
قد تكون وفاة رئيس دولة روسيا الاتحادية السابق بوريس يلتسين، نهاية عهد اتسم بالمتناقضات في السياسات الروسية الداخلية والخارجية المنتهجة، خاصة بعد تسلم خليفته فلاديمير بوتين مقاليد الحكم، والذي سعى ـ قدر الإمكان ـ إلى استعادة الوهج الروسي "المستلب"، وإعطاء دفع جديد لمكانة روسيا في الساحة الدولية المفقودة.
في هذا الوقت، كانت الولايات المتحدة الأمريكية، تمضي "إستراتيجيا" في نشر الأنظمة الدفاعية الصاروخية على طول الحدود الروسية الدولية، غير عابئة بالمصالح الإستراتيجية الروسية الحيوية، ولا باحتجاجاتها المشروعة من "انتهاكات" واشنطن للمواثيق والمعاهدات الموقعة بين الطرفين بعد سقوط الاتحاد السوفياتي في 1991م.
رغم ذلك، تبقى روسيا مختلفة بالمقارنة مع الاتحاد السوفيتي، الذي تجسس عليها روبرت غايتس وزير الدفاع الأمريكي الحالي، عندما كان عميلا سابقا لوكالة الاستخبارات الأمريكية أيام الحرب الباردة، والذي قام بزيارة موسكو الأولى بصفته وزيرا للدفاع، مبعوثا من الرئيس الأمريكي بوش، لإقناع الرئيس بوتين وإزالة مخاوفه، من أن نشر الدرع الصاروخي الأوروبي لن يكون ضد المصالح الروسية.
الزيارة، بإجماع المحللين السياسيين، لم تستجب للمخاوف الروسية المشروعة، وهي ما أرادت موسكو تبليغه إلى وزير الدفاع الأمريكي، ملمحة بأن عهد السباق من أجل التسلح قد يفتح من جديد على مصراعيه، إذا استمرت واشنطن تتصرف بعقلية راعي البقر المتعجرف.
في حين، كانت مهمة روبرت غايتس في روسيا واضحة جدا.. فالروس يجب أن يدركوا جيدا، أن العقدين الماضيين منذ أن "صفى" غورباتشوف حلف وارسو العسكري، و"حل" يلتسين الاتحاد السوفيتي من طرف واحد، ما كانت روسيا، أن تقبل من طرف البيت الغربي كشريك، يمكن الثقة بها، والتعامل معها في الشؤون العسكرية والسياسية والاقتصادية.
لذا، كان يجب على روسيا في عهد يلتسين مسايرة التغيرات الحادثة من خلال الاستجابة إلى الطلبات الأمريكية والأوروبية في احترام حقوق الإنسان، والتقيد بآليات الاقتصاد الحر المتفتح، وخفض التسلح، والامتناع عن نشر التكنولوجيا النووية وتقنية تخصيب اليورانيوم، والتقليل من التدخلات العسكرية والسياسية في بعض الدول، والتوقيع على جملة من المعاهدات الإستراتيجية الطويلة المدى خدمة للسلم والأمن الدوليين.
إن الأزمة حول برنامج الدرع الصاروخي الأوروبي الإستراتيجي تجاوز الخلاف الروسي ـ الأمريكي التقليدي، لينتقل إلى مستويات عالية، قد تنذر بعواقب وخيمة على المدى المتوسط.
فالخلاف القائم حاليا، يفترض ثلاث مستويات من التعامل، تتميز بـ:
أولا: هناك قضايا عميقة بين البلدين ظهرت خلال الفترة الماضية، تتناول موضوع الحدّ من الأسلحة، خاصة بعد ظهور قوى إقليمية امتلكت أو ستمتلك قريبا أو تعمل على امتلاك التكنولوجيا النووية، بشقيها العسكري والمدني. فدور الأسلحة النووية في إقامة الأمن أو تهديده حقيقي لا يمكن تجاهله أو الاستهانة به.
أما ثانيا: وبكل تأكيد، يتعلق بالخلاف القائم بين روسيا والولايات المتحدة، من خلال قيادة واشنطن الحلف الأطلسي بعد فترة الحرب الباردة، وهيمنتها الكاملة على قرار الحلف في حالتي الحرب والسلم.
وثالثا وأخيرا، الانزعاج الروسي، من هيمنة الولايات المتحدة على المسرح العالمي، خصوصا بعد تسللها إلى منطقة أوراسيا ونجاحها في وضع موطئ قدميها هناك، وما ترتب ذلك من خطورة واضحة على النفوذ الجغرافيا الإستراتيجي الروسي التقليدي في المنطقة.
*خلافات حادة حول الدرع الصاروخي الأمريكي:
نشب الخلاف الروسي ـ الأمريكي ومن ورائه الغربي، حول قرار نشر الدرع الصاروخي بالقرب من الحدود الروسية في 18 أبريل/ نيسان 2007م، عندما أصدرت وزارة الخارجية الأمريكية في واشنطن نشرة "Fact Sheet"، التي تفصل حقائق "البارامترات التقنية"، لانتشار الولايات المتحدة في بولندا وجمهورية التشيك. فالولايات المتحدة كانت تعتزم نشر 10 منصات لاعتراض (Interceptors) صاروخ — أرض البعيد المدى في بولندا، ورادار في جمهورية التشيك لمواجهة التهديدات المتزايدة من الهجمات الصاروخية من الشرق الأوسط، خصوصا إيران.
وكشفت النشرة حقائق أخرى عن الحجم التقريبي لكل موقع صاروخ اعتراضي (في بولندا) ورادار تحديد الموقع (في جمهورية التشيك)، بحجم 275 هكتار و300 هكتار على التوالي، وجيش من الموظفين العسكريين والمدنيين، يناهز تعدادهم 200 و150 على التوالي، منتشرين في كل مواقع الاعتراض ومواقع الرادار.
وأفادت النشرة، أن الصواريخ الاعتراضية سيتم تخزينها في المستودعات الأرضية في بولندا، وكل قاعدة سيكون عندها وسائل وأجهزة إلكترونية للاتصال الآمن، مع خدمات الصيانة الشاملة. ولن تحمل القذائف أي رؤوس حربية، ويُعتمد بدلا من ذلك على طاقتها الحركية وحدها، للاصطدام أو تحطيم الرؤوس الحربية القادمة.
وأشارت كذلك النشرة، أن عمليات اعتراض الصواريخ الباليستية وغيرها، ستتم في الارتفاعات العالية جدا (في الجو) من خلال تحول الرأس الحربي إلى قطع صغيرة متفجرة، قد تصيب الهدف بصورة شبه كاملة، غير أنها حذرت من أن بضعة قطع صغيرة قد لا تنفجر، مما قد يشكل تهديدا على السكان وملكياتهم.
إلا أن البيان العسكري الأمريكي أصر على أن النظام الدفاعي الصاروخي، أثبت فعاليته خلال الاختبارات المتكررة، حيث إنه من بين 16 اختبارا صاروخيا، 15 اختبارا منها كان ناجحا.
وفي هذا الإطار، حاولت نشرة "Fact Sheet" تثبيت الحجج الأمريكية بخصوص نشر الدرع الصاروخي الأمريكي في أوروبا، التي تتمحور في النقاط السبعة التالية:
(أ) ـ الدرع الصاروخي الأوروبي مهمته صد الهجمات المحتملة الواردة من إيران أو كوريا الشمالية،
(ب) ـ قلق الولايات المتحدة بشأن الموقف الروسي الحاد من قرار نشر الدرع الصاروخي الأوروبي، التي لا ترغب أن تكون سببا في تصعيد ترسانة روسيا،
(ج) ـ روسيا نفسها يجب أن تكون قلقة هي الأخرى من احتمال أن تكون هدفا لصواريخ "الدول المارقة"،
(د) ـ الولايات المتحدة مستعدة لأن تتعاون مع روسيا في مجال الدفاع الصاروخي،
(و) ـ الولايات المتحدة مفتوحة لفكرة دمج الدرع الصاروخي الأوروبي بالنظام الروسي الدفاعي،
(هـ) ـ تود واشنطن من موسكو، الاشتراك في البحث والتطوير في المجالات العسكرية الحساسة، غير أن من غير المحتمل أن توافق موسكو على مثل هذا العرض والتعاون.
(ي) ـ سعت الولايات المتحدة أن تكون "شفافة" إلى أقصى درجة مع غريمتها روسيا، من خلال التشاور والتباحث معها، لتوضيح أسباب اتخاذها قرار نشر الدرع الصاروخي الأوروبي في أوروبا الوسطى.
يبدو الموقف الأمريكي معقولا إلى حد ما، بل وتصالحي، حسب تحاليل العسكريين الغربيين المتابعين لموضوع الدرع الصاروخي الأوروبي، لكن تبقى روسيا غير مقتنعة بالحجج الأمريكية المقدمة، حيث تشير موسكو أنه منذ تاريخ إعلان الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من طرف واحد في 13 ديسمبر/كانون الأول 2001م من معاهدة الصواريخ المضادة الباليستية Anti-Ballistic Missile ABM، سارت واشنطن على نمط ثابت من الانتشار على طول الحدود الروسية، من خلال إقامة الرادارات، القادرة على اكتشاف عمليات إطلاق الصواريخ واستهداف البيانات الموجهة إلى المعترضين "Interceptors" (وأول نموذج من هذه الرادارات الذي سمي رمزيا "كن حادقا" أقيم في النرويج).
وتقول روسيا إن حقيقة هذا الانتشار الصاروخي في أوروبا وبالقرب من حدودها وحدود حلفائها، وإلى حد بعيد، سبق إعلان بوش عن دول "محور الشر" وتهديد "الدول المارقة"، مثل إيران وكوريا للأمن الأمريكي.
الخبراء الروس، فندوا إدعاءات الولايات المتحدة والغرب المسوق للخطر الإيراني والكوري الشمالي، وأوضحوا بشكل جلي بأن لا طهران ولا بيونغ يانغ باستطاعتهما امتلاك في الوقت الحاضر ولا حتى في السنوات 20 — 30 المقبلة، القدرات العلمية أو التقنية لتطوير الصواريخ والقاذفات الباليستية العابرة للقارات Intercontinental Ballistic Missiles ICBMs، التي بإمكانها أن تصل إلى الأراضي الأمريكية. وهكذا، استنتجت موسكو بأن الغرض الحقيقي للانتشار الأمريكي، هو تغطية الجزء الأوروبي لروسيا ليس إلا!
* الرد الروسي لم يتأخر؟!
أخبر النائب الأول لرئيس الوزراء سيرجي إيفانوف، صحيفة "الفاينانشيال تايمس" في مقابلة معه الأسبوع الماضي، أن "روسيا لن تقبل بالحجج الأمريكية، بخصوص اعتراض الصواريخ الكورية الشمالية والإيرانية، فإلى من هو موجه هذا النظام الصاروخي؟"، ويؤكد النائب الأول لرئيس الوزراء "موجه فقط ضدنا".
وفي يوم الخميس 26 أبريل/ نيسان 2007م، أعلنت روسيا سحب القوة التقليدية العسكرية السوفيتية في ذلك الوقت من معاهدة أوروبا، وهي المعاهدة التي وافقا عليها في ذلك الحين حلف الشمال الأطلسي وحلف وارسو، من أجل تخفيض قواتهم المسلحة التقليدية بعد نهاية الحرب الباردة.
غير أن منظمة حلف شمال الأطلسي أخفقت في تطبيق المعاهدة، وهو ما دعا الرئيس بوتين إلى القول: "ما لم يتم ذلك ـ أي تطبيق المعاهدة ـ فإن روسيا لن تلتزم بالمعاهدة وسترفضها من طرف واحد".. كما وصف خطة الدفاع الأمريكية بـ"التهديد المباشر".