أولاً: ضياع الهدف والغاية
إن أمة الإسلام هي أمة الله، وحاملة رسالته إلى العالمين، بدءاً منجيل الصحابة والتابعين ونهاية بمن يجاهدون الدجال مع عيسى بن مريم من المؤمنينالموحدين.
ولقد كان أول أسباب الفشل والضياع الذي أصاب أمتنا، وشتت شملها هوضياع الهدف والغاية التي من أجلها برزت هذه الأمة إلى الوجود.. وكانت خير أمةأخرجت للناس، فالأمة الإسلامية أمة العقيدة.. أمة الدعوة، أو أمة الإيمان..والرابطة التي جمعت هذه الأمة ليست فكرة أرضية بشرية، ولكنها كلمة إلهية ربانية.إنها كلمة لا إله إلا الله، محمد رسول الله، كلمة تملأ القلوب والوجدان وتغذي الفكروالعاطفة، وهي تعني باختصار: أن الله خالق هذا الكون ومدبره، وأنه الإله الواحدالذي يجب على جميع الخلائق توحيده وعبادته، والخضوع لسلطانه وتشريعه، والسعي لبلوغمرضاته ورضوانه، وأن كل ما يعبد من دونه باطل، وأن محمداً صلى الله عليه وسلم هوالمختار المصطفى للدلالة على هذا الرب العظيم، ودعوة الناس جميعاً إلى مرضاته،وتحذير العالمين من معصيته، وعلى أساس هذه الكلمة اجتمع الأسود والأحمر، والعربيوالأعجمي.
ولكن هذا الهدف الأسمى، والغاية العظمى قدنافستها في أرضنا غايات تافهة تحولت بها الأمة إلى أمم، فقد زاحمت هذه الغاية غاياتدنيوية هزيلة، وذلك بعد أن قسمت بلاد المسلمين إلى دويلات صغيرة، وقام في كل إقليم منها حكم ضعيف أصبح همه أن يحمي كرسيه فأصبحت غايته أن يرتقي بشعبه في سلم المادياتوالحياة، فيعيش الناس في مساكن جميلة وشوارع نظيفة، وحدائق غناء، وفي سبيل ذلك نسىالهدف الأسمى للأمة، والغاية العظمى التي أخرجت من أجلها. قال تعالى: {كنتم خير أمةأخرجت للناس تأمرون بالمعروف، وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله} (آلعمران:110).
وإذا كان الناس في عمومهم على دين ملوكهم.. فإن غاية الحكامأصبحت غاية للشعوب والأفراد أيضاً.. فتجد الفرد منهم يقضي نهاره شطراً من ليله سعياً في هذه الدنيا، وكدحاً فيها، واستمتاعاً بها، وليس وراء ذلك من شيء!!وأصبحنا بذلك على حال يهرم عليها الكبير ويشب عليها الصغير، فما يكاد الوليد فينا يعقل حتى يكون أول درس نلقنه إياه: ماذا ستكون؟؟.. طبيباً أو مهندساً أوطياراً؟؟ وفي سبيل ذلك نمنعه الصلاة إن كانت معطلة له عن الهدف الذي رسمناه له،ونزجره عن الدين خوفاً عليه من القصور أو التقصير في حياته الدنيا.
وباختصار لقد ضاع الهدف الذي كان لنا حيث كنا أمة لها رسالة وغاية في الوجود، وضاع منا الهدف أيضاً كأفراد خلقوا لغاية، واستخلفوا في الأرض لعبادة ربهم وخالقهم.. وعلاج هذه المشكلة أن نعود من جديد إلى أول الطريق، ونمسك مرةثانية بطرف الحبل، فنوجه الأفراد الوجهة التي خلقهم الله من أجلها، ونعلن في الأمة الغاية التي أخرجهم الله لها لتكون خير أمة أخرجت للناس.
ثانياً: التفرق والخلاف هو الذي أذهب ريح هذه الأمة
المشكلة الثانية التي يواجهها مجتمعنا وأمتنا.. هي التفرق والاختلاف، وذلك لضياع الهدف أولاً ثم لضياع حقيقة الدين أو بالأحرى للاختلاف على حقيقة الدين الذي يريد الله منا.. ونعني بحقيقة الدين، نموذجه الأسمى، وصورته الصحيحة، فعقيدة التوحيد التي لا يقبل الله أحداً دون أن يعتقدها قد أصبح عليها جدل طويل.. فحقيقة الألوهية والربوبية وأصول الإيمان، كل ذلك وقع فيه بين المسلمين خلاف يفرقهم إلى مسلم وكافر، وموحد ومشرك، ومتبع ومبتدع.
وحقيقة الشريعة كذلك أضحى فيها الخلاف بين المسلمين ليس في فرعيات بعينها فقط، بل أيضاً وفي الأصول التي يرجع إليها عند الاختلاف، فالمسلمون اليوم بين متبع يرى لزاماً عليه اتباع الكتاب والسنة، وكذلك رد كل خلاف إليهما، وملفق يستبيح لنفسه تلفيق دينه من الإسلام ومن غير الإسلام، ومناهج التربية والتهذيب.. امتد إليها الاختلاف والتفرق، فنشأت التربية الصوفية بكل ما جرت علىالمسلمين من ويلات الانحراف عن العقيدة الخالصة، والانزواء عن مقارعة الباطل،وإدخال شعائر الكفار والزنادقة إلى دين الإسلام.
. ونشأت أيضاً التربية الضيقة، التي جعلت كل مجموعة من المسلمين أمة برأسها، وحزباً منفرداً يوالي أهل حزبه وجماعته فقط، ويعادي ما دون ذلك، ولا يرى حقاً إلا مع نفسه وجماعته، ولوأعطى ألف دليل،
ونشأت التربية الوطنية والإقليمية الضيقة، فعمقت الاختلاف والتفرق،وزرعت الفتنة والبغضاء، وللأسف إن كان الفكر المسموع لهذه التربية الإقليمية كثيراًمن الفكر المكتوب والمقروء.
ونشأت كذلك الحزبية السياسية، فاخترعت أيضاً عقائد خاصة، ومناهجخاصة في التربية والموالاة والتشريع.
وتفرق المسلمون في حقيقة الدين.. فكانوا شيعاً وأحزاباً،وافترقوا كذلك بأسباب الدنيا تعصباً للوطن أو الجنس أو الحزب الذي يخترع عقيدةمناهضة للإسلام وبعيدة عنه، وهذه في الحقيقة مشكلة المشاكل أمام الأمة الإسلامية،والمجتمع الإسلامي، مشكلة المشاكل التي هدت قوى هذه الأمة، وأذهبت ريحها، وشتت شملها.
ولا نتصور أن يقوم للمسلمين قائمة في الأرض، أو تبنى لهم أمة صالحة إلابعلاج هذه المشكلة، ولا علاج لها إلا بالتنادي للالتفاف من جديد حول الكلمة التيوحدتهم، والتشريع الذي جمعهم،
ولا شك أن الوصول لذلك مستحيل إلا بالرجوع إلى مصادرالدين الأساسية.. الكتاب والسنة وفهمهما على المنهاج الذي فهمه السلف الأول الصالحون من الصحابة ومن سار على دربهم وطريقهم، وكذلك فلا بد من محاربة العصبية والحزبية أيا كان لونها وشكلها، عصبية للوطن أو القوم أو المذهب أو جماعة الدعوة،أوأي مسمى من المسميات الجاهلية أو الإسلامية، وقديماً ذم الرسول صلى الله عليه وسلم التعصب للأنصار عندما نادى منادي المنافقين ليحزبهم ضد المهاجرين. فقال:[دعوها فإنها منتنة] (متفق عليه).
ولذلك فالمسلم الصالح هو الذي يكون تمسكه بالكتاب والسنة، وتعصبهللحق أيا كان، وللدليل أين وجد منصفاً من نفسه، شاهداً بالحق ولو على نفسه، قائماًبالقسط عاملاً به، ولا شك أن هذه التربية تقتضينا أن نبحث عن حقيقة العقيدة والإيمان.. الذي يريده الله، الشريعة، والصراط الذي يحبه الله ويرضاه..وحقاً أن هذا المضمن في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولكنه يحتاج مناتعلقاً به، وتحركاً له، واستنباطاً منه وأن نستصغر كل قول يخالف ذلك مهما كان صاحبهذا القول قريباً منا، حبيباً إلينا.
ولا شك أيضاً أن الجهاد ليكون هذا المنهج في التربية معمولاً به فيجامعاتنا ومدارسنا، ومحاضننا الفكرية والتربوية، هو بداية الطريق للتأسيس والبناء،وذلك لينشأ لنا بعد زمن الجيل الموحد الذي يتناسق ويتفق في توجهاته وأفكاره، بدلاًمن هذا الجيل الضائع المشتت بين هذه الأنماط المختلفة والأشكال المتباينة منالعقائد والأفكار والآراء.
وبذلك أيضاً تختفي أو تقل مظاهر الاغتراب التي يعاني منها كثير منشبابنا ورجالنا الذين يشعرون أنهم يعيشون في مجتمع لا يفهمهم، ولا يدرك مقاصدهموأهدافهم.. أو لا يفهمونه ولا يستطيعون الانسجام معه، ومشاركة آلامهموآمالهم.
وتختفي أيضاً مظاهر الانفصام والتذبذب الفكري، وازدواج الشخصية،والانتقال من النقيض إلى النقيض دون شعور بالفرق والنقلة.. وهذا المرض بات يهدد معظم شبابنا ورجالنا ونسائنا، حيث التربية المزدوجة والمناهج المختلطة، والحشوالزائف، والتقليد الأعمى لكل ناعق بخير أو بشر حتى فقدنا لذلك الشخصية المستقلة،والفكر الناقد.
وبالتربية الإسلامية ستختفي أيضاً قوافل التقليد، وجحافل الدهماء التي باتت تفرزها هذه المناهج العمياء التي تقوم على فكر القطيع.