129- يا ليت معلم المدارس الابتدائية ... : يبذل جهدا في التربية والتعليم أكبر من الجهد الذي يبذله غيره , لأنه هو-لا غيره-الذي يبني الأساس في تنشئة الطفل والتلميذ ليكون في المستقبل مواطنا صالحا ومصلحا في بلده وأمته , وأستاذ المتوسط يبني الجدران , ويبني السقف بعد ذلك أستاذ التعليم الثانوي.فإذا صلح الأساس صلح ما يُبنى عليه وإذا فسد الأساس فسد ما يُبنى عليه.وأجد نفسي هنا مضطرا لأُذكِّر بأن دولة عظيمة كاليابان تعيِّن حَمَلة الشهادات العليا ليُعلِّموا أولى حلقات التعليم (في المدارس الابتدائية) مع صرف مرتباتهم على أساس شهاداتهم العليا،وهذا ما انعكس إيجابا على المخطط البياني لذكاء الطفل الياباني المكتسب واتجاهه نحو الأعلى باضطراد .
130- الفلسفة الحقيقية : لا تدرس وإن جامعتها الحياة وأن أستاذها الزمن. وعين الفلسفة وحقيقتها هو تفهمنا للحياة كما هي ورضانا بالنصيب الضئيل منها دون تبرم أو تشكي وعملنا الدؤوب من أجل أن يكون غدنا أحسن من يومنا .
ونتأسف كثيرا لبعض الناس المثقفين ثقافة عالية والحاملين لشهادات دراسية عليا والمختصين في فروع علمية مختلفة سواء كانت" الفلسفة " أو غيرها , الذين لا يكادون يفهمون شيئا من الحياة وكأن الزمن لم يعلمهم شيئا , ويصبح مستواه الثقافي وشهادته العلمية عندئذ حجـة عليه لا له لأن المثقف أو المتعلم إذا لم يعرف نفسه والحياة والكون المحيط به فهو لم يعلم ولم يتعلم شيئا حتى لو زعم أنه أعلم أهل الأرض .
131-مسألتان ومسألة واحدة : فيما يتعلق بالاعتمادِ على رؤيةِ الهلالِ من أجلِ تحديدِ مواعيد المواسم الدينية أذكر هنا 3 مسائل : اثنتان متفقٌ عليهما بين علماء الإسلام , وأما الثالثة فمختلفٌ فيها .
أما المسألتان المتفق عليهما فهما :
1- لا خلافَ بين علماء الإسلام على أنه لا يجوزُ الاعتماد على الحساب من أجل تحديد مواعيد المواسم الدينية. وإن أردتُ الدقةَ أكثرَ فإنني أقولُ بأن شبهَ إجماع منعقدٌ على أنه يحرمُ على الأمة الإسلامية الاعتمادُ على الحسابِ , وقلتُ " شبه إجماع " على اعتبار أن هناك قولا – ولكنه شاذٌّ في نظر العلماء والفقهاء – يبيحُ الاعتمادَ على الحسابِ . هذا القولُ شاذٌّ والشاذُّ يُحفظُ ولا يُقاسُ عليهِ ولا يُعتمدُ عليهِ . هو شاذٌّ لأنه من جهة مخالفٌ للنصوص الإسلامية الشرعية الواضحة التي تأمرُ بالاعتماد على رؤيةِ الهلال , ولأنه من جهة أخرى مخالفٌ لمقتضياتِ العلمِ الصحيح والواقعِ الصريح اللذين يؤكدان باستمرار على أن الحسابَ ظنٌّ وليس يقينا " وإن الظنَّ لا يغني من الحق شيئا ".
2- بالنسبة للبلدين اللذين لا يشتركان مع بعضهما البعض في جزء من الليل كأن يكون بينهما حوالي 6 ساعات ( أو أكثر ) [ كما هو الحال بين الجزائر ووسط أمريكا مثلا ] , بحيث إن كان في أحدهما ليلٌ فإن النهارَ قد طلعَ في البلدِ الآخر . بالنسبة لبلدين مثل هذين اتفق العلماءُ قديما وحديثا على أن رؤيةَ أحدِهما للهلال ليست ملزمة للبلدِ الآخر , بمعنى أن الفقهاءَ اتفقوا بالنسبة لهذين البلدين على أن لكل بلد رؤيته الخاصة به . وعليه فمن الطبيعي بالنسبة لهذين البلدين أن يصومَ أحدهما مع بداية رمضان في يوم وأن يصومَ البلدُ الآخر في يوم آخر , وكذلك الأمرُ بالنسبة للفطر ولعيد الفطر مع نهاية رمضان . وأما بالنسبة للوقوف بعرفة ولموعد عيد الأضحى فلأنهما شعيرتان مرتبطتان بالحج وبمكة والمدينة فإن اتباعَ السعودية في ذلك يصبح أمرا مطلوبا بداهة .
أما المسألةُ المختلفُ عليها أو فيها فمتعلقةٌ بالبلدين اللذين يشتركان مع بعضهما البعض في جزء من الليل كما هو حال أغلبية بلدان العالم العربي وحتى الإسلامي ( مثلا بيننا في الجزائر وبين تونس ساعة واحدة , وبيننا وبين السعودية ساعتان , وبيننا وبين الإمارات العربية المتحدة 3 ساعات , وهكذا فإن أغلب البلدان الإسلامية ليس بينها وبين بعضها البعض أكثر من 3 ساعات ) , بحيث أن الليلَ في بلد هو الليلُ في سائر البلدان الأخرى والنهارَ في بلد هو النهارُ في سائر البلدان الأخرى .أما في هذه المسألة فوقع الخلاف بين الفقهاء قديما وحديثا على قولين :
ا- الأول وهو قول الجمهور الذي ينصُّ على أنه إن رؤي الهلال في بلد واحد وجب على جميع البلاد الأخرى أن تلتزم به , فإن كنا مع بداية رمضان وجب على الجميع الصيامُ وإن كنا مع نهاية رمضان وجب على الجميع الفطرُ والعيدُ . وإن أخذنا بهذا القول وجب – مع نهاية رمضان لهذا العام 1428 هـ - على الجزائر وسوريا وسلطنة عمان ومصر أن تفطرَ يوم الجمعة 12 أكتوبر ( لا السبت 13) بناء على أن هلالَ شوال ظهر ليلة الجمعة في أغلبِ البلدان الإسلامية الأخرى التي تشتركُ مع الدول الأربعة في جزء لا بأس به من الليل. وأكبر فائدة في هذا الذي يقولُ به الجمهورُ هو أن فيه تحقيق الوحدة بين المسلمين أولا من الناحية النفسية والشعورية ثم ثانيا من النواحي الأخرى الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والتربوية والتعليمية , وفي هذا ما فيه من خير .
ب-الثاني وهو قول له كذلك قيمته واعتباره ومكانته ومنزلته وله أيضا حجته ودليله بغض النظر عن ما هو الرأي الراجح أو المرجوح , وينص على أنه لكل بلد رؤيته . وإن أخذنا بهذا القول لم يجب – مع نهاية رمضان لهذا العام 1428 هـ - على الجزائر وسوريا وسلطنة عمان ومصر أن تفطرَ يوم الجمعة 12 أكتوبر بناء على أن هلالَ شوال ظهر ليلة الجمعة في أغلبِ البلدان الإسلامية الأخرى , وإنما يجوز للدول الأربعة أن تفطرَ وأن تحتفلَ بعيد الفطر يوم السبت 13 أكتوبر : كل بلد بناء على رؤيته الخاصة .
والله وحده أعلم بالصواب.
132-قيمتك في قلبك وعملك : اعلم يا ابن آدم أن قيمتك في قلبك وعلمك وعملك , لا في مالك وجيبك حتى ولو قال بعض الناس خلاف هذا. ولا تنظر إلى من هو أكبر منك إلا من هو أكثر منك طاعة لله . لقد سمعت في يوم من الأيام من شخص أعرفه ( مثقف ثقاة عالية ) سمعته يقول:
" لقد جلستُ بالأمس في وليمة عرس مع غنيين فأحسست أنني بجانبهما لا أساوي شيئا ". سبحان الله !... هل هذا مثقف أم جاهل ؟...ألم يسمع بقول الرسول محمد عليه الصلاة والسلام " إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسامكم , ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم " , وإلى قوله تعالى قبل ذلك " إن أكرمكم عند الله أتقاكم ".
ثم : يجب أن يكون معلوما علم اليقين أن قيمة المرء عند الله ليست مرتبطة بشهرته أو بكونه مغمورا . إن المستقيم قيمته عند الله عظمى ولو كان لا يسمع به أحدٌ من الناس , والمنحرفُ لا قيمة له عند الله حتى ولو سمِعت به الدنيا كلها . وما أكثر المسلمين عندنا اليوم – وحتى منهم أحيانا دعاة - المستعدُّون أن يدوسوا على أقدس مقدسات الشرع من أجل الشهرة والجاه , ولله في خلقه شؤون .
نسأل الله أن يحفظنا بحفظه في الدنيا وفي الآخرة .
يتبع :...
__________________
|