الزاويه الأدبيه
الإلتزام في الأدب الإسلامي
إن الأدب الإسلامي أدب ملتزم , وإن مجرد التسمية لتدل على ذلك , ملتزم الإسلام وأفكاره . ونظرته إلى الكون والإنسان والمجتمع . وإن الالتزام اليوم سمة من سمات العصر , فهذا زمن الأفكار و المبادىء والمذاهب والأحزاب , وكل هذه محتاجة أن تجند الأدب لخدمتها , وأن تجعله مسرحاً لعرضها والدعاية لها , ومهما نادى المنادون ـ تحت شعار الفن للفن وشعار الأدب للأدب ـ قائلين : إن الأدب صياغة جمالية , ولا علاقة له بالسياسة أو الدين أو الأخلاق فإن هذا النداء لا حقيقة له على أرض الواقع , و ما القول : إن النص لا وظيفة له , وإن الأدب نحت جمالي , وضرب من التسلية والترويح عن النفس , إلا فكر يتبناه الأدب , ومذهب من مذاهبه , وفلسفة من فلسفاته التي يلتزمها , ويجند نفسه للدفاع عنها .
إن الالتزام ـ في تصورنا ـ لا ينفك عن الأدب , لأنه ـ على تلونه وتباين اتجاهاته ـ ضرب من الفكر , ولون من فلسفة بعينها , وهل يخلو أدب من فكر ؟ أو قل إن شئت : هل يخلو أي نشاط لغوي من فكر ؟
الإلتزام لا ينفك عن الأدب :
إن الالتزام من سمات العصر , وجميع الفنون والآداب تأخذ بحظ منه , ولكن إذا كان الالتزام ـ مصطلحاً نقدياً متميزاً ـ دعوة فكرية عصرية أملتها في هذا الزمن حاجة المذاهب والأحزاب السياسية والأفكار الفلسفية المتصارعة عامة ـ والإسلامي خاصة ـ قديم جداً , فمنذ نشأ الشعر العربي وهو مجند لخدمة أهداف القبيلة , والدفاع عنها , والإشادة بمآثرها , وتسفيه خصومها , إنه ـ بلغة العصر ـ جهاز الإعلام المعبر عن سياستها ـ ومنذ الفترة المبكرة وظف الإسلام الأدب في خدمة معركته الكبرى , وجعل أصحاب الكلمة الشريفة من الأدباء مجاهدين , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إنَّ المُؤْمِنَ يُجَاهِدُ بِسَيْفِهِ وَلِسَانِهِ» (1) وقال عليه الصلاة و السلام في تتمة الحديث السابق ، للشعراء المسلمين الذين كانوا ينافحون الباطل , وينصرون الإسلام : « وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَكَأَنَّ ما تَرْمُونَهُمْ بِهِ نَضْحُ النَّبْلِ» وحظي الشاعر المجند الملتزم بمكانة رفيعة جداً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي صفوف المجتمع الجديد , ولنا أن نتصور هذه المكانة ونحن نتابع شيئاً من أخبار حسان بن ثابت شاعر الإسلام , ونرى موقعه عند النبي عليه الصلاة والسلام وفي نفوس القوم , ولنا أن نتخيل في أيامنا هذه ـ على سبيل المقايسة ـ شاعراً تخصص له أجهزة الإعلام في دولة إذاعة يبث منها شعره . تُرى ألا يشبه موقف رسول الله من حسان وهو ينصب له منبراً في مسجده , ويأذن له أن ينشد فيه على رؤوس الناس , هذا الصنيع أو يدانيه؟
قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها : « كَانَ النبيَّ يَضَعُ لِحَسَّانَ مِنْبَرَاً في المَسْجِدِ يَقُومُ عَلَيْهِ قَائِماً يُفَاخِرُ عن رَسُولُ الله أَوْ قَالَتْ: يُنَافِحُ عن رَسُولُ الله، وَيَقُولُ رَسُولُ الله: «إِنَّ الله يُؤَيِّدُ حَسَّانَ بِرُوحِ القُدُسِ، مَا يُفَاخِرُ أَوْ يُنَافِحُ عن رَسُولُ الله » (2)
إن جميع المذاهب الفكرية والأحزاب السياسية والتيارات الفلسفية المختلفة تتخذ الأدب في هذا العصر ـ ومنذ أقدم العصور ـ قالباً لنشر الفكر الذي تعتنقه , فالالتزام سمة حضارية قديمة حديثة . وذلك أن الإيمان بدور الأدب إيمان راسخ مكين .
إن الأدب نشاط مؤثر فعال , وذلك لأنه ممتع جميل , وهو يخاطب في المتلقي أكثر من حاسة , فهو ذو قدرة عجيبة على الانسراب في طوايا النفس , وتحريك سواكنها , وإثارة المشاعر الدفينة في أعماقها , ولذلك تستخدم المذاهب والفلسفات المختلفة الأدب سلاحاً لإذاعة أفكارها , وبث معتقداتها , وهي تبوئه منزلة رفيعة في هذا المجال . ولنتذكر ـ مثلاً ـ أن واحداً كجان بول سارتر ـ فيلسوف الوجودية ـ لم ينشر أفكاره المرَضِية الإلحادية في كتب فكرية , باستثناء كتابين أو ثلاثة , ولكنه استطاع أن يذيع هذه الأفكار , وأن ينشرها بين الناس من خلال الأدب , من خلال رواياته ومسرحياته , كالذئاب , والأيدي القذرة , و غيرهما . وكذا فعلت الشيوعية , عندما تبنى دعاتها نظرتها إلى الأدب , ممثلة في الواقعية الاشتراكية , ثم طلع علينا أدب هذه المدرسة ملتزماً النظرة الشيوعية إلى الكون والحياة والإنسان , وراحت تبث ذلك في الشعر والقصص والمسرحيات , وغير ذلك من ضروب الفن المختلفة , حتى كان أدب هذه المدرسة لا يدور إلا حول صراع الطبقات والعمال والفلاحين والكادحين , وقضايا الأغنياء و الفقراء , والخبز والعرق والكفاح , لقد كانت كل كلمة في أدب الواقعية الاشتراكية مجندة لخدمة الفكر الشيوعي , والدعوة إليه .
ارتباط الأدب بالأيدلوجيات:
إن ارتباط الأدب بالإيديولوجيات أمر لا نزاع فيه , فليس هنالك أصلاً فن لا يدعو إلى فكر معين . وإن فكرة (الفن للفن) خرافة , وهي لا وجود لها عند التطبيق العملي , مهما ادعى أي ناقد أنه سينظر إلى النص الأدبي الذي أمامه نظرة فنية مجردة , لا تعبأ بما فيه من فكر , أو بما يدعو إليه من قيم أو معتقدات , فإنه ـ في حقيقة الأمر , وعند المواجهة العملية ـ لا يستطيع ذلك , وسيغلبه ذوقه , واتجاهه الفكري والعقدي . وإن كثيراً من الناس ـ كما تقول الناقدة إليزابيث درو ـ " يجدون أنهم لا يستمتعون بالشعر إذا كانوا يختلفون مع الشاعر في معتقداته أو أفكاره , فاعتقاد ملتُون الديني مثلاً قد حطم كل استمتاع بالفردوس المفقود , وكفر بُوب بالأنظمة الدينية قد أفسد قصيدته : مقال في الإنسان " .
إن فكرة الالتزام إذن ـ من الناحية العلمية ـ موجودة عند كل أديب , فالأدب تعبير عن أفكار , وهو رؤية فردية جمالية للأشياء كما هي مطبعة في نفس الأديب وهو انطباع يرتسم من خلال شخصيته ومعتقده وثقافته .
وإن مما يؤسف له أن بعض الدعاة الإسلاميين ـ نفع الله بهم ـ في هذا القرن لم يقدروا دور الأدب حق التقدير , ولم ينزلوه في دعوتهم المنزل الذي يليق به , بل لم يستشعروا خطره البالغ في صياغة وجدان الناس وفكرهم , وأحياناً عاداتهم وتقاليدهم , وانصرف جل اهتمامهم إلى البحوث الجادة , والدراسات الأكاديمية , والخطب والمقالات و ما شاكل ذلك من أساليب الدعوة الطيبة, وبقي الجهد في مجال الأدب ضئيلاً هيناً , وظلت الأصوات التي نادت به , ودعت إليه , وحاولت التعريف به , والتنظير له , أصواتاً قليلة معدودة , على كثرة ما كان في الساحة الإسلامية من دعاة . بل إن بعض الأدباء الإسلاميين أنفسهم لم يستشعروا دور الأدب , وقدرته على لعب دور حاسم في معركة الإسلام مع أعدائه إلا في وقت متأخر!؟ .
مزاعم أن الإلتزام من الأفكار الجديدة:
وإن من العجب أن يدعي بعض من يتحدثون عن الالتزام أنه من الأفكار الجديدة التي أتى بها الفكر الغربي الحديث !! , وأنه مفهوم حملته بصورة خاصة الوجودية والشيوعية ! , جاهلين أو متجاهلين أن نظرة الإسلام كلها إلى الكلمة تقوم على عدها مسؤولية والتزاماً , فالإنسان محاسب على ما يقول، فكما أن دينه يدعوه إلى التزام الحق فيما يقول , يدعوه ـ في الوقت
نفسه
ـ إلى عدم السكوت على الباطل , أو مهادنة الظلم , أو تملق الفسقة وأهل الضلال .
قال النبي صلى الله عليه وسلم في بيان أمانة الكلمة والمسؤولية عنها : « وهل يكب الناس على مناخرهم في جهنم، إلا حصائد ألسنتهم». (3)
وقد قيل : ( أن الساكت عن الحق شيطان أخرس ) .(4)
التزام الأديب المسلم نابع من ذاته:
والتزام الأديب المسلم التزام أصيل , نابع من ذاته , لا يُملى عليه إملاء من الخارج , بل هو جزء من عقيدته وشخصيته . إن المسلم الملتزم في كل شيء التزاماً حاراً متدفقاً , يصدر عنه من غير قسر أو إكراه , أو اصطناع أو تعمل .
إن التزام الأديب المسلم هو أصلاً جزء من تجربته الفنية , وهو يصدر عنه بشكل غير واع , لأنه من نسيج تفكيره وثقافته . إنه لا يتعمد تعمداً الحديث في موضوع معين , وإنما يأتي ذلك منه بشكل عفوي تلقائي , إنه ـ إذ يعبر عن تجربة شعورية معينة ـ يأتي تعبيره ـ لا شعوريًا ـ ملتزمًا التصور الإسلامي , لأن نفسه متشبعة بهذا النبع , ولا يمكن أن تصدر عن غيره أصلاً .
والالتزام الإسلامي لا يضيق آفاق الفن كما يحسب بعض النقاد , بل إن فكرة ما يزعمه بعضهم من أن الالتزام يغتال الجمال والفن غير صحيحة , فكم من المدارس الأدبية ـ في القديم والحديث ـ تبنت فلسفات معينة, واستطاعت أن تقدم أدباً متألقاً ناضجاً , يجمع بين الفكر والجمال .
إن الالتزام الأدبي الإسلامي واسع لا حدود له , وهو لا يشكل قيداً على الفن , أو يضيق من آفاقه , لأنه التزام الخير في مدلوله الشامل الذي حدده الإبداع , إنه ليس كالالتزام في الأدب الشيوعي محصوراً في قضايا الصراع الطبقي و الغنى والفقر , ولا كالالتزام الوجودي يتجند لخدمة الحرية الفردية , ولكنه التزام معتقدات الإسلام بكل ما فيه من شمول و رحابة , وانفتاح على كل صغيرة وكبيرة من قضايا الإنسان والحياة .
الهوامش :
(1) أحمد (26768) وصححه ابن حبان (4617).
(2) الترمذي (2923) .
(3) أحمد (21686) والترمذي (2683) وقال : هَذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
(4) انظر الجواب الكافي للإمام ابن القيم ص 136.
يتبـــــــــــــــــبع