وهذا نقل من كتاب " الطريق إلى الربانية " منهجا وسلوكا ... د. مجدي الهلالي , له صلة بموضوعنا :
1- الإنسان بين السماء والأرض :
خلق الله عز وجل الإنسان وأسجد له الملائكة , وكرمه على سائر مخلوقاته بما أودعه في عـقله من ملَكات يمكنهُ من خلالها أن يصل إلى معرفته سبحانه , لدرجة لم يصل إليها مخلوق من قبل ... نفخ فيه من روحه وخلق له الأرض وأسكنه فيها وهيأه للمعيشة عليها , فجعل جسده مكونا من عناصرها . قال تعالى : "إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين (71) فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين (72)".
فالواحد منا مكون من جسد وروح .. جسد يجذبه بمتطلباته إلى الأرض , وروح تسمو به إلى السماء .. وكلما اقترب من الأرض ابتعد عن السماء , وضعفت صلته بالله . وقد يصل إلى المرحلة التي تنقطع فيها صلته تماما بربه , ويصبح أرضيا خالصا , وهذا ما نجده في قوله تعالى : " أخلد إلى الأرض " [الأعراف : 176 ].
وفي المقابل : كلما تخلص الإنسان من جواذب الأرض بروحه وقلبه ارتفع إلى السماء , وازدادت شيئا فشيئا صلتُـه بخالقه حتى وصل إلى درجة الانتساب إليه , فيصبح عبدا ربانيا .
... إنه انتساب واحد إما إلى الأرض وإما إلى السماء .. نعم قد يكون في القلب انجذاب نحو الأرض وما فيها من شهوات , وفيه كذلك اتصال بالله , ولكن يظل هذا الاتصال في إطار ضيق محدود . ولا يصبح صاحبه موصولا بالله , منتسبا إليه إلا إذا تحرر قلبه من أسر الهوى وحب الدنيا .
2-كيف يُـؤسَرُ القلبُ ؟
جعل الله عز وجل القلب محلا لعبوديته , ففيه تجتمعُ المشاعرُ داخلَ الإنسان من حب وكره , وخوف ورجاء وفرح وحزن , ورغبة ورهبة , وفزع وسكينة .. وغير ذلك من العواطف .
ولقد جعل اللهُ سبحانه وتعالى القلبَ مَـلِـكا على الجسم كله , فما من حركة إرادية يقوم بها أيُّ عضو إلا وتأتي استجابة لأوامر القلبِ ..فالقلبُ محلُّ الإرادة واتخاذ القرار , وما على الجميعِ إلا التنفيذُ .
يقول رسولُ الله r: (ألا إن في الجسد مضغة إذا صلُحت صلح الجسد كله , وإذا فسدت فسد الجسد كله , ألا وهي القلب) .
ومن جنودِ هذا القلبِ : العقلُ . ومن أهم وظائفِ العقلِ أنـه محلُّ العلمِ والتفكيرِ , فـبالعقلِ تُدركُ العواقبُ , وتُـلجَم العواطفُ .
أما النفسُ فهي المعنى الجامعُ للشهواتِ والأهواءِ الغريزية .. تريدُ النفسُ دائما أن تجمحَ بالإنسانِ وتدفعَـه للاستجابةِ لطلباتها .
النفسُ تحبُّ أن تأخذَ حظَّـها من كلِّ فعل يفعلُـه العبدُ , لذلك فهي تعملُ على إخضاعِ القلبِ وتجنيدِ مشاعرِه لخدمةِ حظوظِـها , ويقفُ الشيطانُ من خلفِ النفسِ مستغلا جهْـلَـها وشُـحَّـها فيُـزيِّـنُ لها الأفعالَ التي تستوفي حظوظّـها الظاهرةَ والخفيةَ .
ولقد خلق الله النفسَ بهذه الصفات ليختبرَ مدى صدقِ عبوديتنا له .. فهو سبحانه وتعالى يريدُ منا أن ننصرَه على نفوسنا وأن نُـخضِع له مشاعرَنا , فنطيعَ أوامره وإن خالفتْ هوانا , أما النفسُ فتريدُ عكسَ ذلك ...
فالعبدُ – كما يقول عبد القادر الكيلاني – مُـلقى بين الله وبـين نفسه , إن نصَـرَ نفسَه كان عبدا للنفسِ وإن نصر اللهَ كان عبدا لهُ تبارك وتعالى .. فالنفسُ هي ميدانُ المعركةِ , ولولا وجودُها لكنـا كالملائكةِ .
وما من قرار يصدرُ من القلبِ إلى الجوارحِ إلا ويُـترجِم انتصارَ حبِّ الله والإيمانِ بـه على حبِّ النفس وهواها , أو يُـترجِم عكسَ ذلك . فالصراعُ بين داعي الإيمان وداعي الهوى لابد أن يُحسَم لصالح أحدِهما لحظـةَ اتخاذِ القرارِ . فإن انتصرَ الإيمانُ انقادت الجوارحُ لأوامره , سواء كان ذلك فعلَ طاعات أو تركَ منكرات ...أما إذا ما انتصرت النفسُ في هذه المعركة كان القرارُ قرارَها , فتأمرَ الجوارحَ بفعلِ ما يرضي رغباتِـها ومشتهـيـاتِـها ويخالفُ أمرَ الله ورضاه .
يقول r : ( لا يزني العبدُ حين يزني وهو مؤمنٌ , ولا يسرقُ حين يسرقُ وهو مؤمنٌ , ولا يشربُ الخمرَ حين يشربُـها وهو مؤمنٌ ,...) أخرجه البخاري في صحيحه .
يتبع :...
__________________
|